نزار عثمان السمندل
تصعد السياسة إلى منصاتها العالية محاطة بهالة السلطة، لكن الهواء هناك مشبع باحتمالات الرصاص.
اسم دونالد ترمب يمرّ في هذا الهواء مثقلاً بسلسلة وقائع تتقاطع عند نقطة واحدة، مفادها اقتراب الخطر إلى حد اللمس، ثم تراجعه في اللحظة الأخيرة، تاركاً وراءه سؤالاً أكبر من الحادثة نفسها.
ليلة السبت الأخيرة بدت كأنها اختبار جديد لصلابة تلك المسافة الفاصلة بين الحياة والهدف. مسلّح يندفع عبر بوابة أمنية خارج قاعة فخمة، حيث كان العشاء السنوي لرابطة مراسلي البيت الأبيض يجمع الرئيس وزوجته وكبار المسؤولين. حركة سريعة، حصار محكم، واقتياد الرجل قبل أن يبلغ غايته.
المشهد انطفأ سريعاً، لكن صداه بقي عالقاً في ذاكرة المكان، ذلك الفندق الذي سبق أن شهد إطلاق نار على رونالد ريغان قبل عقود، كأن التاريخ يعيد كتابة جملته بأدوات مختلفة.
تتراكم الوقائع حول ترمب منذ انتخابات 2024، وتتحول إلى حكاية موازية لمسيرته السياسية. في بتلر بولاية بنسلفانيا، خلال تجمع مفتوح، خرج الرصاص من يد شاب عشريني، واستقر عند حافة الأذن. مسافة سنتيمترات فصلت بين إصابة طفيفة واحتمال آخر أكثر قسوة. سقط المهاجم برصاص الأمن، وبقيت الصورة: رئيس يرفع يده، ودم يسيل بخفة، كأنه توقيع باهت على لحظة مشتعلة.
في فلوريدا، داخل نادي الغولف، اختبأ رجل بين الشجيرات، يحمل مسدساً في يده، وخطة امتدت لأشهر في رأسه. أعين الخدمة السرية التقطت التفصيل قبل اكتماله، فانتهت الحكاية قبل أن تبدأ فعلياً. وفي مارالاغو، اقترب خطر آخر من بوابة المنتجع، قبل أن يُغلق عليه بالرصاص. سلسلة متصلة من محاولات تتبدل فيها الوجوه وتبقى الفكرة: استهداف رأس السلطة في أكثر لحظاته اعتيادية.
تسبق هذه الوقائع إشارات أقدم، كأنها تمهيد طويل لزمن أكثر توتراً. في لاس فيغاس عام 2016، حاول شاب انتزاع سلاح شرطي وسط تجمع انتخابي. في داكوتا الشمالية، تحولت رافعة شوكية إلى أداة متخيلة لقلب ليموزين رئاسي. وفي البريد، حمل ظرف صغير مادة الريسين، سماً صامتاً كان في طريقه إلى البيت الأبيض لولا أن اعترضته الإجراءات قبل أن يتكلم.
تتشعب الخيوط خارج الداخل الأميركي أيضاً. وثائق قضائية تحدثت عن رجل باكستاني سعى لتوظيف قتلة مأجورين، في خطة قيل إنها ترتبط برغبة انتقامية بعد مقتل قاسم سليماني. في المقابل، تكشف حادثة رسالة مزيفة عام 2025 عن جانب آخر، مفاده توظيف التهديد نفسه أداةً لتصفية حسابات شخصية، حيث يتحول الرعب إلى وسيلة تلاعب، لا إلى فعل مباشر.
داخل هذه السلسلة، تبدو العبارة التي يكررها ترمب عن منفذي الهجمات، (أشخاص مرضى)، اختزالاً مريحاً لتعقيد أكبر. دوافع فردية، اختلالات نفسية، تطرف سياسي، أو رغبات انتقامية عابرة للحدود؛ كلها تتجاور في مشهد واحد، يصعب فصله إلى أسباب واضحة أو سياقات مستقرة.
التاريخ الأميركي نفسه ذاكرته مثقلة في هذا السياق. أربعة رؤساء سقطوا برصاص الاغتيال، من أبراهام لنكولن إلى جون كيندي، فيما أصيب آخرون ونجوا. رونالد ريغان خرج من محاولة دموية في واشنطن، وجورج بوش الأب واجه مخططاً بسيارة مفخخة في الكويت، وبيل كلينتون تعرّض لسلسلة محاولات، بعضها وصل إلى أبواب البيت الأبيض. باراك أوباما واجه بدوره تهديدات متعددة، من رسائل مسمومة إلى إطلاق نار، في زمن ازدادت فيه حدة الاستقطاب.
يبدو المشهد اليوم أكثر كثافة، ليس لأن الخطر جديد، بل لأن إيقاعه تسارع وتعددت أشكاله. منصب الرئاسة لم يعد مجرد موقع سلطة، وإنما نقطة جذب لكل تناقضات المجتمع… غضب، خوف، أو رغبة في لفت الانتباه عبر أقسى الوسائل.
تنتهي كل حادثة ببيان رسمي، ومتهم موقوف، وتحقيق مفتوح. غير أن ما يبقى خارج الأوراق أكثر اتساعاً، ويشير إلى شعور بأن المسافة بين السياسة والعنف تضيق، وأن الرصاص لم يعد حدثاً استثنائياً، بقدر ما صار احتمالاً دائماً يرافق الطريق إلى البيت الأبيض.
onizar@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم