بقلم: لوال كوال لوال
رغم أن الثورة الروسية تُعد من أعظم ثورات القرن العشرين، بل والوحيدة التي تمكنت فيها الطبقة العاملة من الاستيلاء على السلطة، إلا أن مسارها اللاحق يكشف حقيقة قاسية: أن الثورات لا تُقاس بلحظة الانتصار، بل بقدرتها على الصمود في وجه الواقع. فقد وُلدت تلك الثورة في بيئة اقتصادية واجتماعية منهكة؛ حيث كانت روسيا قبل عام 1917 من أكثر الدول الأوروبية تخلفًا، يغلب عليها الطابع الزراعي، بينما لم تتجاوز نسبة الطبقة العاملة 10% من السكان. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى لتزيد الوضع سوءًا، تلتها الحرب الأهلية الروسية التي دمرت ما تبقى من الاقتصاد. وبحلول عام 1921، انهار الإنتاج الصناعي بشكل حاد، وتفشت الأوبئة مثل التيفود والكوليرا، وبرز شبح المجاعة، وتشرد الملايين من الأطفال، وفقد الملايين حياتهم. في ظل هذه الظروف، لم يكن عسكرة المجتمع خيارًا أيديولوجيًا بقدر ما كان نتيجة حتمية لانهيار شامل فرضته الوقائع. هذه القراءة ليست استدعاءً للتاريخ بقدر ما هي مرآة نقارن بها واقعنا. فعند النظر بموضوعية إلى تجربة جنوب السودان، نجد أن جذور الأزمة الراهنة لا تختلف كثيرًا من حيث السياق العام، وإن اختلفت التفاصيل. فقد بدأت حركة أنيانيا (1) كحراك مطلبي في عام 1955، قبل أن تتحول إلى حركة تحرر سياسي، لكنها نشأت في بيئة تفتقر إلى البنية الفكرية والتنظيمية اللازمة لإدارة صراع طويل ومعقد. إن السياسات الاستعمارية البريطانية، التي تعمدت إضعاف فرص التعليم في الجنوب خوفًا من تكرار نماذج ثورية مثل الثورة المهدية، ساهمت في خلق مجتمع يغلب عليه الطابع الريفي والعمالي دون أدوات معرفية حديثة. ولم تبدأ محاولات إصلاح هذا الخلل إلا متأخرة بعد مؤتمر الرجاف، الأمر الذي انعكس على ضعف النخب السياسية مقارنة بنظرائهم في الشمال. وقد أدى ذلك إلى تشظي حركة أنيانيا إلى كيانات جهوية، تفتقر إلى قيادة موحدة أو مشروع سياسي واضح، حتى في ذروة صراعها. وبالرغم من توقيع اتفاقية أديس أبابا، والتي أرست نوعًا من الاستقرار النسبي، إلا أن غياب الرؤية الاستراتيجية ظل سمة ملازمة، رغم بعض الممارسات الديمقراطية المحدودة. لكن الإشكالية الكبرى لم تكن في الماضي وحده، بل في ما تلاه. فبعد اتفاقية السلام الشامل، أُهدرت فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة. إذ لم تُطرح مشاريع حقيقية للمصالحة الوطنية الشاملة، رغم وجود جروح عميقة بين مكونات المجتمع، ولم يتم استثمار عودة الملايين من النازحين في مشروع اقتصادي إنتاجي، خصوصًا في قطاع الزراعة الذي كان يمكن أن يشكل العمود الفقري للاقتصاد. كما غابت الرؤية في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية، وتراجع الخطاب السياسي إلى مستوى التكرار والاتهام، بدل أن يكون أداة لبناء الوعي الجماعي واستشراف المستقبل. والأسوأ من ذلك، أن المورد الوحيد للدولة لم يُستغل لخلق حد أدنى من الخدمات التي تمنح المواطن إحساسًا بالانتماء والأمل. إن التجارب التاريخية تؤكد أن التغيير الجذري لا يحدث دفعة واحدة، بل هو عملية تراكمية بطيئة. فالثورات، مهما بلغت قوتها، لا تنجح بالزخم نفسه الذي اندلعت به، بل تحتاج إلى صيانة مستمرة، وإلى مؤسسات قادرة على تحويل الشعارات إلى واقع. ولعل المقارنة بين الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية توضح هذه الحقيقة؛ ففي الأولى، استطاع الأمريكيون بناء نظام يحقق قدرًا كبيرًا من الحريات، بينما انتهت الثانية إلى مركزية مفرطة وحكم عسكري تحت قيادة نابليون بونابرت، رغم أن شعاراتها كانت أكثر راديكالية. الخلاصة أن الأزمات التي نعيشها اليوم ليست قدراً محتوماً، لكنها نتيجة تراكمات من الإخفاقات في إدارة اللحظات التاريخية. فالدول لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجيًا حين تُهدر الفرص، ويغيب التخطيط، ويُستبدل المشروع الوطني بالصراعات الضيقة. نواصل…
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم