دكتور الوليد آدم مادبو
في لحظات الانكسار الكبرى، لا تُقاس الدول بما تقوله عن نفسها، بل بما تختاره حين تضيق الخيارات. والسودان اليوم، وهو يتلمّس طريقه وسط ركام الحرب، ليس أمامه ترف التمسك بالمسلّمات العاطفية، ولا رفاهية الانحيازات الموروثة، بل ضرورة قاسية: أن يعيد قراءة العالم كما هو، لا كما يتمنى أن يكون.
اليوم، يتشكل في الإقليم مسار قوة جديد، يمتد من القرن الإفريقي إلى شرق المتوسط، يضم إثيوبيا، والإمارات، وإسرائيل، وكيانات صاعدة كأرض الصومال، ويحظى—بدرجات مختلفة—بغطاء أمريكي واضح. هذا ليس تحالفًا مثاليًا، ولا خاليًا من التناقضات، لكنه—ببساطة—المسار الذي تتدفق فيه القوة الآن.
في المقابل، ثمة محور آخر—تتشابك فيه أدوار قطر وتركيا وإيران—بنى نفوذه خلال العقدين الماضيين على توظيف الأيديولوجيا، واستثمار حركات الإسلام السياسي، يجد نفسه اليوم في حالة انكفاء نسبي، لا بسبب انهيارٍ كامل، بل بفعل الاستنزاف، وتضارب أجنداته، وتآكل قدرته على إنتاج نموذج جاذب أو مستقر.
إن الإشكال هنا ليس في الهوية المعلنة لهذا المحور، بل في طريقة توظيفها: حين تتحول الأيديولوجيا إلى أداة نفوذ، وتُستدعى الشبكات العابرة للدولة كبديل عن بناء الدولة نفسها، فإن النتيجة لا تكون مشروعًا حضاريًا، بل بيئة هشّة، قابلة للاشتعال في أي لحظة.
القراءة العاطفية لهذا المشهد ستقودنا إلى الرفض أو الارتهان. أما القراءة الاستراتيجية فتفرض سؤالًا مختلفًا: أين تكمن مصلحتنا في هذه الخريطة المتحركة؟
ليس من الحكمة أن نقف في الضفة الخاسرة فقط لأننا ألفناها، ولا أن نقفز إلى الضفة الأخرى مغمضي الأعين. لكن الأسوأ هو أن نظل في المنتصف، نرفع شعارات السيادة بينما تُدار سيادتنا من الخارج.
فهذه مصر، التي اعتادت أن تُجيد اللعب على التناقضات، قد وجدت نفسها—بفعل أزماتها الاقتصادية وتآكل رصيدها الإقليمي—أقرب إلى رد الفعل منها إلى الفعل. لم تعد قادرة على بناء تحالفات صلبة بقدر ما تسعى إلى تعطيل ما لا يناسبها. وكل ما يبقيها فوق سطح الماء هو إرثٌ سياسي قديم، مثل اتفاقية كامب ديفيد، في عالمٍ تغيّرت قواعده، وصار التطبيع فيه أداةً لا استثناء.
وهنا يجب أن نكون واضحين: إسرائيل التي كانت تُرى يومًا ككتلةٍ صمّاء، لم تعد كذلك في وعي الفاعلين الدوليين. ثمة تيارات متباينة داخلها، من نزعات توسعية تقودها قوى يمينية متطرفة، إلى أطروحات أخرى—وإن ضعفت—تتحدث عن تسويات وحدود وأمن متبادل. تجاهل هذا التعقيد لا يخدمنا، كما أن الارتماء فيه دون بصيرة لا يقل خطرًا.
إن التطبيع، إن كان لا بد منه، يجب أن يكون أداة ضمن رؤية، لا قفزة في الفراغ. حوار مجتمعات، اشتباك مراكز بحث، نقاش أحزاب—لا مجرد توقيعٍ فوقي يُسوَّق بخطاب ديني لتغطية عجز سياسي.
لقد كنتُ من قبل قد كتبتُ ثلاثيةً كاملة عن ضرورة—بل حتمية—وضع السودان تحت البند السابع، انطلاقًا من قناعة بأن الانهيار الأمني والمؤسسي، وتفكك البنية المجتمعية، بلغ حدًا لم يعد معه الإصلاح الداخلي ممكنًا دون مظلة دولية صارمة. لكن الخطر الخارجي، الذي ظل يُقرأ غالبًا بسطحية أو بانتقائية، لا يقل خطورة عن الداخل المنهار.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل الأدوار الإقليمية التي ساهمت—بدرجات متفاوتة—في تعقيد المشهد السوداني، سواء عبر دعم أطراف بعينها، أو عبر السعي إلى توجيه مسار الانتقال السياسي بما يخدم مصالحها الخاصة. وتبرز هنا الحالة المصرية بوصفها مثالًا لدولةٍ تنظر إلى السودان، تاريخيًا، من زاوية الأمن المائي والعمق الاستراتيجي، أكثر من كونها شريكًا متكافئًا في التنمية والمصير.
لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يكفي. فالدول لا تُحمى بالتشخيص، بل بالتموضع.
ومن هنا، فإن درء هذا التغول لا يكون بالقطيعة الخطابية، بل بإعادة توزيع الأوراق: بالانفتاح على مسارات القوة الصاعدة، وبناء تحالفات تُوازن لا تُستبدل، وتُفاوض لا تُسلّم.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى وضع السودان تحت الفصل السابع لا تُفهم بوصفها استقواءً بالخارج، بل كمحاولة لإعادة تعريف الداخل. كإطارٍ قد يحدّ من فوضى السلاح، ويمنح الدولة فرصة أن تُعاد صياغتها خارج قبضة الأوليغارشيات العسكرية—محلية كانت أو إقليمية.
قد لا يكون هذا الخيار مثاليًا، لكنه—في ميزان الكارثة—أقل سوءًا من البدائل. أما إذا كان لا بد من التموضع ضمن تحالفات، فليكن ذلك وفق معيارٍ واحد: أين تتحقق مصلحتنا القومية بأقل كلفة وأعلى هامش استقلال؟ لا أين نشعر براحةٍ نفسية أكبر.
في السياسة، لا يُكافأ الصادقون، بل الأذكياء.
والسودان، إن أراد النجاة، لا يحتاج إلى مزيد من الصدق… بل إلى قدرٍ كافٍ من القسوة على أوهامه.
April 30, 2026
auwaab@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم