د. خالد محمد فرح
عن الأصل العرقي لقبيلة الشلك، والموطن الأصلي الذي قدمت منه إلى موطن إقامتها الحالي في شمال أعالي النيل الأبيض، يقول المؤلف إن قبيلة ” شلو “، تُعتبر ضمن مجموعة ” اللوو ” التي تقطن قبائلها معظم إقليم شرق إفريقيا، حيث تشير الروايات التاريخية إلى أنّ زعيم قبيلة الشلك وقائدها المسمى ” نيكانق “، قد هاجر من موطنه الأصلي بمنطقة ” أوج قاج ” التي تقع في إقليم بحر الغزال، واستقر بهم المقام في الموطن الجديد، حيث حدث اختلاط وتزاوج مع القبائل الأخرى، مما أدى إلى بروز جيل إثني جديد عُرف لاحقاً بقبيلة سميت شلو، ذات تركيبة وخصائص اجتماعية متفردة بين القبائل النيلية.
أكثر ما استرعى انتباهي في رواية المؤلف لتاريخ قومه الشلك، هو أنه قد عمد في أكثر من موضع في الكتاب، في معرض ذكره للملوك الذين تعاقبوا على عرش مُلك هذه القبيلة، إلى بيان تواريخ فترات حكم أولئك الملوك بالسنوات الميلادية مباشرةً، وبثقة ملحوظة ، وبلا تردد أو تحرّز ، كأن يقول تقريباً أو بالتقريب مثلا. وذلك أمر مثير للدهشة والاستغراب حقا.
ومثال ذلك قوله على سبيل المثال إن الرث الثالث: داك بن نيكانق المؤسس قد حكم بين عامي 1590 – 1605م، وإن الرث موقر ديكور توقو قد حكم المملكة من عام 1715 إلى عام 1745م، وإن سلفه وأخيه الرث الثاني شال بن نيكانق قد تولى الحكم بين عامي 1575 و 1590م، هذا إلى جانب عدد آخر من التواريخ التي أوردها المؤلف بتحديد مدهش في كتابه.
ولعل السؤال الذي يثور بداهةً هاهنا، هو كيف تحقّق المؤلف من صحة هذه التواريخ التي أوردها بثقة مثيرة للتعجب حقا؟ فهل كانت توجد في بلاط مملكة الشلك منذ قيامها المفترض، سجلات مكتوبة، أو كتاب جامع لتلك التواريخ والأحداث التي رافقتها، على غرار كتاب طبقات ود ضيف الله، أو مخطوطة كاتب الشونة لأحمد بن الحاج أبو علي في السودان على سبيل المثال ؟ ، أم أن الكاتب قد عثر على ما يؤكد صحة تلك التواريخ، عن طريق المضاهاة مع ما ورد بشأنها في سجلات أو مدونات محفوظة بأرشيف ممالك أو كيانات أخرى مجاورة، مثل سنار، أو تقلي ، أو الحبشة مثلاً؟.
إنّ التأريخ للأعلام والأحداث بقدر معقول من الدقة، إبتداءاً من غزو جيوش الخديوية المصرية للسودان تحت قيادة إسماعيل بن محمد علي باشا في عام 1820م، وتوغلها لاحقاً رويداً رويداً في أعماق جنوب السودان، بما في ذلك ديار الشلك، أمرٌ يبدو معقولاً، فضلاً عن أنه كان متاحاً نسبيا. والسؤال الذي يطرح نفسه مرةً أخرى، ما هو المصدر أو ما هي المصادر التي استند إليها المؤلف في هذه الجزئية بالذات، وبأية لغت كُتبت ؟.
من أبرز النقاط التاريخية الطابع التي عرض لها المؤلف في كتابه، أنه ذكر أن الشلك قد خاضوا حرباً ضد الفونج في عهد الرث المؤسس نيكانق، أي في النصف الثاني من القرن السادس عشر. وأشار الكاتب إلى أنّ الفونج كانوا قد انتصروا في بادئ الأمر، ولكن رجحت كفة الشلك عليهم في نهاية المطاف، فهزموا الفونج، مما اضطرّهم إلى التقهقر نحو أراضي سلطنتهم بالشمال على حد قوله. وكان قائد الشلك في ذلك الهجوم الناجح بحسب رأي المؤلف، هو الأمير ثم الرث لاحقاً: داك بن نيكانق، الذي خلف والده على العرش، وحكم بين عامي 1590 و 1605م، وفقاً لما جاء بصفحة 18 من الكتاب.
إنّ هذه المعلومة التي تؤكد وقوع صدام مسلح ومواجهات حربية بين الشلك والفونج، من شأنها أن تُضعف، أو توشك أن تدحض تماماً ، فرضية الرحالة الأسكوتلندي جيمس بروس ، الذي زار سنار في حوالي عام 1772م، والتي زعم من خلالها أن معلومةً وصلت إليه من شخصية نافذة ببلاط الفونج، عن أصل هؤلاء الأخيرين، تفيد بأنهم قبيلٌ من الشلك، قدموا إلى سنار من نواحي شواطئ النيل الأبيض، وأثبت ذلك في كتابه بعنوان: أسفار من أجل اكتشاف منابع النيل. وقد توصل البروفيسور يوسف فضل إلى ذات الرأي القاضي باستبعاد الأصل الشلكاوي للفونج انطلاقاً من ذات المعلومة أيضا.
استقصى المؤلف على نحوٍ مثير للإعجاب، مجمل التقسيمات الإدارية لدار الشلك، بمشيخاتها وعمودياتها المختلفة، معدّداً مختلف خصائصها ومميزاتها، وثرواتها الطبيعية، وإمكانياتها الاقتصادية، فضلاً عن ذكر أبرز أعيانها و أعلامها في مختلف المجالات.
وبالطبع فقد سرد المؤلف كذلك، أسماء جميع الملوك أو ” الأرثاث ” الذين تعاقبوا على عرش مملكة الشلك، خلال قرابة الخمسة قرون الماضية، بالإضافة إلى أسماء زوجاتهم وأولادهم. ولحسن الحظ، فقد عرفت من بين أبناء مكوك الشلك شقيقين اثنين هما: موسى المك كور، الناشط السياسي والمجتمعي البارز في شمال السودان وجنوبه معاً، واللواء طيار فكوان كور فافيتي، ذلك الشاب الوسيم والأنيق، الذي كان يتقدمني بعام واحد في مدرسة خورطقت الثانوية ، في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي، حياهما الله ومتعهما بالصحة والعافية.
وبالطبع فإنني أعرف من بين أعيان الشلك الآخرين وكوادرهم ممن ذكرهم المؤلف، كلاً من أستاذنا الفاضل، الدكتور لام أكول، السياسي والأستاذ الجامعي ، ووزير الخارجية الأسبق، والدكتور ولتر كونيجوك الذي كان محاضرا بجامعة الخرطوم إذ نحن طلابٌ بها.
وعلى ذكر عموديات دار الشلك، أشار المؤلف في صفحة 52 ، إلى أنّ عمودية ” مانج ” بالتحديد، تتمتع بموارد هائلة، وثروة سمكية وحيوانية وغابية كثيفة، مثل أشجار الطلح والهشاب والسنط، التي تنتج كميات كبيرة من الصمغ على حد تعبيره.
وهنا أيضا، تذكرت أن ليلى أبو العلا قد ذكرت في روايتها آنفة الذكر، في معرض بيان جذور العلاقة بين أسرتي ” أكواني ” وحبيبها وزوجها لاحقاً ” يس “، منذ أن كانوا أطفالاً صغارا، هو أنّ والدها كان يجلب لوالد يس التاجر الشمالي، كميات من الصمغ، لكي يبيعها في أسواق الشمال.
وذلك لعمري ملمح واقعي آخر، تميزت به هذه الجزئية من رواية ” روح النهر ” لهذه الكاتبة، يؤكد بأنها لم تخطئ ولم تتزيد، عندما نسبت إنتاج الصمغ إلى جزء من أرض الشلك.
إبتداءاً من فترة الحكم التركي المصري بالسودان، 1820 – 1885م، تبدأ معظم الأحداث والشخصيات والتواريخ المذكورة في هذا الكتاب، تتخذ سماتٍ ذات قدرٍ أكبر من التوثيق، والمصداقية، والدقة، بوصفها قد بدأت تصب وتُرصد ضمن مجرى التاريخ العام لإمبراطورية محمد علي باشا في وادي النيل والسودان وأفريقيا عموما.
فمن ذلك أن الكاتب يوقفنا على سبيل المثال، على أنّ الرث كويجكون كواضكير، قد تخرج في الكلية الحربية التركية بالخرطوم في عام 1871م كما قال، وأنه قد تلقى بها تدريبات مكثفة، وهو على رأس قوة قوامها 1500 عنصراً من أبناء قبيلة الشلك. ص 105.
ولعل السؤال عما إذا كانت هنالك بالفعل كلية حربية تركية بالخرطوم في ذلك التاريخ أم لا ، سيبقى مطروحاً أمام مجموع المتخصصين في تلك الحقبة من تاريخ السودان، لكي يفتوننا فيه بالرأي الفصل.
إن المشهور هو على كل حال، أنّ الضباط السودانيين خاصةً، كانوا يتخرجون في المدرسة الحربية بمصر، ومنهم أسماء مشهورة في تلك الحقبة مثل: آدم باشا العريفي، وفرج باشا الزيني، وصالح باشا المك وغيرهم.
مهما يكن من أمر، فإنّ المؤلف يفيدنا في ذات السياق، بصفحة 105 ، بأنّ الرث كويجكون كواضكير، قد لقي مصرعه في معركة قدير، مقاتلاً على رأس كتيبة من فرسان الشلك، إلى جانب قوات راشد بك أيمن مدير فشودة في العهد التركي، التي أبيدت عن آخرها، على يد الإمام المهدي وأنصاره في عام 1881م ، بوصفها أولى الفتوحات الكبرى للثورة المهدية.
وقد أكد المؤلف بالفعل في الصفحة التالية 106 ، أنه لم ينجُ من قوات راشد بك أيمن في تلك المعركة، إلا ضابط واحد، تمكن من الفرار بحصانه، والوصول إلى فشودة، حيث أبلغ عن مقتل المدير والرث.
أما عن أوائل سني عهد الحكم الثنائي، فيوقفنا المؤلف على جملة من الأحداث والتطورات السياسية و الاجتماعية والثقافية المميزة وذات الدلالات الخاصة، التي حدثت في دار الشلك، تحت ظل حكم الرث: فديت كواضكير أكوات. وعنها يقول الكاتب:
” كانت الوقائع والأحداث في عهده عديدة. 1903 ، وفيه تم تغيير اسم مديرية فشودة إلى مديرية أعالي النيل، وانتقلت العاصمة من توفيقية إلى كدوك. وفي سنة 1907، تم افتتاح أولى المدارس بالمنطقة في كل من دليب هيل، ومنطقة ديطوك، وتونجه. وفي سنة 1909 ، برزت عادة الشلوخ ووضع الوشم على أفراد المملكة من الجنسين…. وشهدت المديرية في عام 1910 ، زيارة الرئيس الأميركي السابق ثيودور روزفلت، عندما زار الدليب هل، في إطار جولاته في القارة الإفريقية، وقام بتفقد المركز الإنجيلي التابع للبعثة الامريكية التي انشئت عام 1902 بالمنطقة. ” انتهى الاقتباس مختصراً من صفحة 114.
ولا بد أن أسماء بلدات مثل توفيقية وتونجا الخ ، تستدعي لدى كل سوداني في الشمال او الجنوب، مقاطع أغنية الشاعر الكبير محمد ود الرضي ” من الأسكلا وحلا “، التي يذكر فيها جميع محطات الباخرة النيلية من الخرطوم إلى الرجاف جنوب جوبا، بما في ذلك توفيقية وتونجة المذكورتين.
وختاماً، استوقفني في معرض استعراض المؤلف للخصائص الثقافية لمجتمع الشلك، قوله فيما يتعلق بثقافة الطعام عندهم بالتحديد، إن هنالك طبقاً لديهم يسمى ” أكيلو بالسمك “، وهو عبارة عن دقيق من الذرة الرفيعة، يصنع في شكل حبيبات مثل السكسكانية، ويقدم مع السمك أو الخضروات أو اللحم.
وهنا تذكرت أنّ زميلنا السابق، الأخ السفير جون سايمون، الذي ينتمي إلى قبيلة الشلك، وهو رجل ذو اطلاع واسع على عادات قومه، وثقافتهم وتقاليدهم، كان قد أخبرني، ونحن نقضي معاً فترة تدريبية في العاصمة الصينية بكين في عام 2007م ، عن طبق شلكاوي أصيل، يُعدّ بنفس طريقة أكيلو المذكورة، إلا أنه قال إنهم يسمونه ” التُرُجْ” على ما أذكر. وكان مما ذكره لي، أنه يرى أنّ هذا الاسم مقترض من لغة أهل الشمال أو الجلاّبة الذين كانوا يقصدون الجنوب لمختلف الأغراض، وأنه يرجّح أن يكون هو ” السُورِج ” نفسه المعروف خاصةً عند أهل شمال السودان، وأنّ دليله على ذلك هو أنّ ألف ولام التعريف ليست من خصائص لغة الشلك ، وإنما هي عربية الأصل بشكل واضح، مما يدل على أن الكلمة قد دخلت في كلامهم كاملة بأداة تعريفها، فتم تحريفها من السُورج إلى التُرُج، على حدّ رأيه.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم