نَظَريَّةُ اِبْتِنَاءِ السُوْدَانِ: شَرْحٌ مُبَسَطٌ لِمَفْهُوْمٍ مُرَكَّبٍ
The Theory of Constructing Sudan: A Simplified Explanation of a Complex Concept
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي لمركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
لا تنشأ النظريات في العلوم الإنسانية من الفراغ، بل من محاولات فهم الأزمات العميقة التي تعجز المفاهيم التقليدية عن تفسيرها أو معالجتها. ومن هذا المنطلق، طُوّرت ”نظرية اِبتِناء السودان“ ضمن أعمال فكريَّة وسياساتية يقودها البروفيسور مكي مدني الشِبلي حول قضايا الدولة، والتحول، وما بعد الصراع في السودان. وتأتي هذه النظرية كمحاولة فكرية تطبيقية لتطوير مقاربة عربية–إفريقية بديلة في أدبيات إعادة بناء الدولة، تنطلق من فكرة ”البناء باعتناء“ بوصفها عملية تاريخية واعية لإعادة تنظيم القوة وإنتاج الشرعية. ويأتي هذا المقال كجزء من مشروع فكري وسياساتي أوسع حول إعادة بناء الدولة السودانية في سياقات ما بعد الصراع. وقد جرى تفصيل هذه المقاربة بصورة موسعة في كتاب بروفيسور الشبلي المرجعي: ابتناء السودان.
ينطلق مفهوم “الاِبتِناء“ من معنى لغوي عربي عميق؛ فهو لا يعني مجرد ”البناء“، بل ”البناء باعتناء“. أي بناءٌ يقوم على التخطيط، والتدرّج، والإحكام، والاستدامة. ومن هنا، لا يُنظر إلى الدولة باعتبارها مجرد مؤسسات تُقام أو سلطة تُنتزع، بل باعتبارها عملية تاريخية واعية لإعادة تنظيم القوة، وإنتاج الشرعية، وبناء التماسك المجتمعي ضمن مشروع قابل للاستمرار.
وفي هذا الإطار، لا تُقدَّم ”نظرية اِبتِناء السودان“ باعتبارها شعاراً سياسياً أو وصفة جاهزة، بل باعتبارها إطاراً تفسيرياً وتحولياً يسعى إلى نقل التفكير من سؤال: “كيف نُسقط الأزمة؟” إلى سؤال أعمق: ”كيف نُعيد تشكيل الدولة والمجتمع بصورة تمنع إعادة إنتاج الأزمة؟“
وتكتسب هذه النظرية أهميتها من كونها لا تبدأ من نموذج مثالي مفروض مسبقاً، بل من الواقع كما هو، بكل تعقيداته وتوازناته ومراكز القوة فيه. ولذلك، فهي تربط بين إعادة بناء المؤسسات، وتنظيم القوة، وإنتاج الشرعية، ضمن مسار متدرّج يوازن بين الواقعية السياسية والاستدامة التاريخية. وبهذا المعنى، فإن الفكرة المركزية التي تحكم هذه النظرية يمكن اختزالها في عبارة واحدة: الدول لا تُبنى فقط… بل تُبتنى بعناية.
1. ما هو الاِبتِناء؟ ولماذا نحتاجه؟
الابتناء لغة هو مصدر ابتنى. وابتناء البيت يعني بناءه بعناية. وهذا التعريف البسيط يحمل دلالة عميقة: الابتناء ليس مجرد بناء، بل بناء “باعتناء”.
فالسودان يواجه أزمة مركبة لا تتعلق فقط بضعف الدولة، بل بضعف الطريقة التي يتم بها التفكير في بنائها. فالمقاربات التقليدية، مثل ”التأسيس“ و”البناء“ و”الإعمار“، أثبتت محدوديتها في التعامل مع واقع متعدد الهويات، متشظي القوة، ومتراكم الأزمات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم أكثر عمقاً: الاِبتِناء، بوصفه إطاراً يعيد تعريف عملية بناء الدولة من مجرد إنشاء كيان إلى عملية واعية لإعادة تشكيله.
2. من البناء إلى الابتناء – تبسيط الفكرة عبر المثال المعماري
لفهم الفرق بين البناء والابتناء، يمكننا الانطلاق من مثال قريب للجميع: بناء منزل. فالبناء التقليدي ينطوي على: رسم ”كروكي“ (Sketch)، واستخدام مواد متاحة دون تدقيق، وعمالة غير متخصصة، وإشراف محدود، وتشطيب وظيفي. والنتيجة هي بيت قائم، لكنه قد يعاني من مشاكل لاحقة.
أما الاِبتِناء (البناء باعتناء) فينطوي على: تصميم معماري مدروس (Detailed Design) يراعي البيئة والاستخدام المستقبلي، واختيار مواد عالية الجودة ومناسبة للسياق، وعمالة مؤهلة ومتخصصة، وإشراف دقيق ومستمر، وتشطيب متكامل يوازن بين الجمال والوظيفة. والنتيجة هي بيت مستقر، متماسك، وقابل للاستدامة.
3. الفرق بين البناء والابتناء بلغة بسيطة
يختلف البناء عن الابتناء في عدة جوانب، فمن حيث المنهج ينفذ الناء بسرعة، بينما الابتناء يتطلب تصميماً واعياً يستغرق وقتاً أطول. ويهدف البناء إلى الإنجاز، بينما يهدف الابتناء إلى الاستدامة. وينتج البناء كيان قائم، بينما ينتج عن الابتناء كيان متماسك. فالبناء ينجز… أما الاِبتِناء فيُحكِم.
4. من اِبتِناء البيت إلى اِبتِناء الدولة
إذا كان هذا الفرق واضحاً في بناء منزل، فإنه يصبح أكثر أهمية عند الحديث عن بناء دولة. ”بناء السودان“ (بالمعنى التقليدي) يعني صياغة ترتيبات سياسية سريعة، وتقاسم سلطة بين النخب، وحلول أمنية مؤقتة. والنتيجة هي دولة قائمة شكلياً، لكنها هشّة.
”أما اِبتِناء السودان“ فيعني تصميم عهد وطني وعقد اجتماعي يعكس التنوع السوداني، وإعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية، ودمج القوى المسلحة ضمن إطار وطني، وإشراك المجتمع في إنتاج الشرعية. والنتيجة هي دولة قابلة للاستدامة.
5. لماذا لا يكفي البناء والإعمار في السودان؟
السودان ليس دولة يمكن ”بناؤها“ أو ”إعمارها“ بالمعنى التقليدي نظراً لتعدد الهويات والانتماءات، وضعف المركز التاريخي، وانتشار السلاح خارج الدولة، وفشل التجارب الانتقالية السابقة. وهذه العوامل تعني أن: البناء والإعمار السريع يعيد إنتاج الأزمة، بينما الاِبتِناء يعيد تشكيلها.
6. الاِبتِناء كإطار لإعادة تشكيل الدولة
الاِبتِناء ليس مجرد عملية تقنية، بل إطار تحليلي يقوم على: التدرّج، والتراكم، التشاركية، والتكامل، والتوازن بين القوة والشرعية. ويمكن التعبير عنه بالمعادلة التالية:
الاِبتِناء = إعادة بناء المؤسسات + إعادة توزيع القوة + إعادة إنتاج الشرعية
7. لماذا يفوق الاِبتِناء مفاهيم التأسيس والبناء والإعمار؟
التأسيس: يفترض بداية من الصفر، وغالباً ما يكون فوقياً، ويفرض بالسلاح.
البناء: يركز على الإنجاز المادي أو المؤسسي، وقد يهمل السياق.
الإعمار: يقتصر على إصلاح ما تهدم.
الاِبتِناء: يجمع بين التاريخ، والمجتمع، والاقتصاد، والسياسة في عملية مركبة واعية ترتكز على التدرج وتضمن الاستدامة.
8. الاِبتِناء كبديل استراتيجي لبناء الدولة التقليدي
في سياقات الهشاشة، لا يكفي: فرض الدولة من أعلى، أو تقاسم السلطة بين النخب. بل يتطلب الأمر إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، ودمج الفاعلين المسلحين، وبناء شرعية تدريجية. فالاِبتِناء يحول الدولة من مشروع سلطة إلى مشروع مجتمع.
9. لماذا يحتاج السودان إلى الابتناء لا البناء ولا الإعمار؟
في الحالة السودانية، يصبح الاِبتِناء ضرورة وليس خياراً، لأنه يعالج جذور الأزمة لا أعراضها، ويتجاوز منطق التسويات المؤقتة، ويعيد توزيع القوة بدل احتكارها، ويبني شرعية من القاعدة الاجتماعية.
10. القوى المدنية الابتنائية: من الاحتجاج إلى إعادة البناء
لا يمكن لمشروع اِبتِناء السودان أن ينجح دون وجود قوى مدنية من الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين القادرين على حمل مشروع الاِبتِناء عملياً والانتقال من منطق القهر والحرب إلى منطق إعادة البناء. فالاِبتِناء لا يحتاج فقط إلى إسقاط أنماط الحكم القديمة، بل إلى إنتاج فاعلين جدد يمتلكون القدرة على بناء المؤسسات، وإدارة التنوع، وصياغة التوافقات، وتحويل الشرعية الثورية إلى شرعية دستورية ومؤسسية.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بـ ”القوى المدنية الابتنائية“، وهي القوى التي لا تكتفي بالاحتجاج أو المطالبة بالتغيير، بل تسعى إلى المساهمة العملية في إعادة تشكيل الدولة والمجتمع ضمن مشروع طويل الأمد يقوم على التدرّج، والاستدامة، والتوازن بين الواقعية السياسية والطموح التحولي.
11. الخلاصة – من الفوضى إلى الاِبتِناء
إذا كان ”البناء“ قد يكفي لإقامة كيان، فإن ”الاِبتِناء“ هو ما يضمن استمراره. وفي السودان، لا يكفي أن ”نقيم دولة“، بل يجب ابتناؤها بعناية، وتدرّج، ووعي تاريخي. فالانتقال في السودان لا ينبغي أن يقوم على تقاسم السلطة بين الفاعلين بل على إعادة تشكيل بنية السلطة نفسها. وهذا يشمل إصلاح المؤسسة العسكرية، وإعادة بناء المؤسسات المدنية، ودمج الأطراف المسلحة، وصياغة عهد وطني وعقد اجتماعي.
ذلك أن الاِبتِناء ينطوي على عملية توازن بين القوة والشرعية. فلا يمكن بناء الدولة بالقوة وحدها، كما لا يمكن بناؤها بالشرعية المجردة. إذ أنالاِبتِناء يقوم على قوة منظِّمة (الدولة)، وشرعية متولدة (المجتمع). وعليه فإن الاِبتِناء ليس مجرد إقامة دولة، بل إعادة تشكيلها على أسس مستدامة، عبر عملية تاريخية واعية تشارك فيها القوى الاجتماعية والسياسية، وتوازن بين الشرعية والقوة.
وفي نهاية المطاف، فوضى السلاح ليست غياب الدولة فقط، بل غياب عملية واعية لإعادة تشكيلها. والاِبتِناء هو تحويل هذه الفوضى إلى نظام عبر التدرّج لا الفرض بالسلاح. فإذا كان ”البناء“ يكفي لإقامة كيان، فإن ”الاِبتِناء“ هو ما يضمن استدامته.
melshibly@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم