محمد صالح محمد
ثَمة غُصّة تَرفض أن تُغادر حَنجرتي وثَمة ليلٍ طَويل يَمتد كَدهرٍ كامل مُذ غادَرتِ يا عُمر العُمر. لَم أكُن أعلم أنَّ المَسافات قَاسية إلى هذا الحد، تُقَطِّع شَرايين القَلب كشَفرة حادَّة وتَتركني نَازفاً أعاود قِراءة رَسائلِنا القَديمة وأتَلمّس طَيفكِ الهَارب في زَوايا غُرفتي المُظلمة.
أنتِ لَستِ مُجرد امرأة رَحلت أنتِ نَبضي الذي تَغرّب عَن صَدري. يا “زَوْلَتي” السَّاكنة في عُمق فؤادي والرَّاحلة عَن مَدى نَظري كَيف يُمكِن لِجسدٍ أن يَعشْ في أرضٍ ورُوحهُ ومَشاعرهُ كُلها مُهاجِرة في المَنافي إليكِ؟
لَوعة الفِراق وجمرُ الاشتِياق …
أكتُب إليكِ والدمعُ يَغلب المِداد والحُزن يَعصر الرُّوح عَصراً. بَعيدةٌ أنتِ عَن عَيني لَكنّكِ أقرب إليّ من حَبل الوَريد. في كُل مَساء يَزورني طَيفكِ السُّوداني الدافئ بملامحهِ التي تَحمِل طِيبة الأرض والنِّيل بابتِسامتكِ التي كانت تُداوي جِراحي وبصوتكِ العَذب الذي كَان يُشبه تَرنيمة سَلام تَمسح عَن كَتفي تَعَب الدُّنيا.
تُبكيني فِكرة أنَّ الفَراغ هو جَليسي الآن بَعد أن كُنتِ مَلاذي. أَتحسّس مَكانكِ بجانبي فلا أجدُ إلا بَرداً قَارساً وشَجناً يُمزّق أضلعي. كُل مَلامح الحُب بَعدكِ باتت بَاهتة وكُل مَباهج الدُّنيا صَارت رَماداً في غِيابكِ.
“أَموتُ شَوْقاً وتَبكي الرُّوحُ نَائِحَةً… ومَا عَمَارُ الدِّيَارِ بَعْدَكِ إلَّا سَرَابُ”
عِشقٌ أَبديّ رَغم المَسافات …
أحبُّكِ؟ بَل أنا مَوجوعٌ بحُبّكِ مَفتونٌ بهذا الوَجع الذي يَربطني بكِ. رَغم المَسافات الطَّويلة، والبِحار، والحُدود التي تَفصل بَيننا تَبقين المَلكة المَتوّجة على عَرش هَذا القَلب المُنكسِر. حُبّي لكِ لَيس مُجرد كَلمات بل هو بُكاء صَامت في مَحراب غِيابكِ ونَحيب مَكتوم لا يَسمعه سِوى اللَّيل.
يا لَيت المَسافات تُمحى ويا لَيت الأقدار تُعِيد لي نِصفي الآخَر فَأرتمي في حِضنكِ وأبكي كَطفلٍ حُرِم من أُمّه دَهراً وأخْبركِ كَيف هَدَّني الفِراق وكَيف تَمزَّقت رُوحي شَوْقاً لـ “زَوْلَتي” الغَالية.
سَأظلُّ أنتظركِ.. وعَيني مَعلَّقةٌ بأمل اللِّقاء وحتَّى ذلك الحِين سأبقى هُنا أحترقُ بِلوعة الشَّجن وأبْكيكِ حُبّاً وفِراقاً يا جَنتّي المَفقودة.
وها أنا ذا أطوي أوراقي وأغلق محبرتي التي جفّت من دمي وقهر كبريائي ليبقى هذا الحزن مُعلقاً بقلبي كقيدٍ أبدي. ليس هناك أصعب من أن تنتهي الكلمات ولم ينتهِ الفراق بعد ولم تلتئم ندوب الروح التي تفتّتت بغيابكِ.
يا “زَوْلتي” ويا نَبضة قَلبي المَذبوحة على أعتابِ المسافات.. ليتكِ تعلمين كم هو مُوجعٌ أن أتنفسكِ غياباً وأن أعيش على بقايا عِطرٍ هجرته الذكريات. أموتُ في اليوم ألف مرة وأنا أنظر إلى الأفق البعيد أتخيل وجهكِ وأعلم أن بيني وبين أحضانكِ بلاداً، وحدوداً، ومستحيلاً ينهش في جسدي كمرضٍ عُضال.
لقد بكت السماء معي الليلة بكت على عاشقٍ ماتَ شوقاً وهو على قيد الحياة رُوحهُ مشنوقةٌ بحبال الحنين وجسدهُ مجرد جثةٍ هامدة في غُربةٍ لا ترحم.
سأغلق عيني الآن ليس لأنام بل لأهرب من واقعٍ يخلو منكِ وأبكي خلف جفوني بصمتٍ يحرق الوجدان مردداً مع كل شهقة ألمٍ تُمزق صدري: “أحبكِ.. وتباً للمسافات التي سرقت مني حياتي.. وتباً لأقدارٍ جعلت جَنتي معكِ أمنيةً أبكيكِ عليها دماً حتى يجمعنا القبر أو اللقاء”.
binsalihandpartners@gmail.com
