دكتور محمد عبدالله
ليس ما يمنح كتاب الدكتور رفعت السعيد «مصر… التنوير عبر ثقب إبرة» قيمته أنه يقدم سردًا لتجارب عدد من رواد النهضة المصرية، فذلك مما حفلت به كتب كثيرة، وإنما تكمن أهميته في السؤال الذي ينساب بين سطوره ويظل عالقًا في ذهن القارئ العربي: لماذا بقي التنوير في منطقتنا، رغم تعاقب أجياله وتعدد رواده، مشروعًا محدود الأثر، كأنه لا يجد سبيلًا إلى المجتمع إلا عبر ثقب إبرة؟
العنوان ليس استعارة أدبية فحسب، بل توصيف لحال المستنيرين في مجتمعاتهم. فما أتيح لهم، في الغالب، لم يكن فضاءاً رحبًا للحوار، بل هامشاً ضيقاً للحركة، تتنازعه سلطات متعددة؛ سلطة السياسة التي تضيق بالنقد، وسلطة الموروث التي تستعصي على المراجعة، وسلطة المجتمع الذي يتوجس من كل جديد، وأحياناً سلطة النخب حين تتحول إلى حارس لخطابها أكثر من حرصها على حرية الفكر.
ورغم أن رفعت السعيد يقرأ التجربة المصرية، فإن كثيراً من ملاحظاته تتجاوز حدودها الجغرافية. ويكفي القارئ السوداني أن يستحضر تجربته الوطنية ليدرك أن الأسئلة نفسها طُرحت هنا أيضاً . فمنذ مطلع القرن العشرين عرف السودان أصواتاً دعت إلى إصلاح التعليم، وتجديد الخطاب الديني، وتحديث مؤسسات الدولة، وتوسيع دائرة الحريات العامة. لكن تلك الجهود، على اختلاف مرجعيات أصحابها، بقيت في معظمها مبادرات فردية، ولم تتحول إلى مشروع مجتمعي راسخ.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن معاناة المستنير لا ترتبط بانتمائه الفكري بقدر ما ترتبط بطبيعة الدور الذي يختاره لنفسه. فالليبرالي، والإصلاحي، والقومي، واليساري، والمستقل، يواجهون العقبة ذاتها عندما يحاولون مراجعة فكرة مستقرة، أو إعادة فتح باب الاجتهاد في قضية اعتاد الناس النظر إليها بوصفها محسومة. وكأن المجتمع يتسامح مع الكاتب ما دام يردد المألوف، لكنه يصبح أكثر تحفظاً عندما يدعو إلى التفكير خارج حدوده.
وفي مثل هذه البيئات، لا تأتي مقاومة التنوير من جهة واحدة. فقد تضيق السلطة بالنقد، ويتردد المجتمع في تقبل الجديد، وتعجز النخب أحياناً عن استيعاب الاختلاف داخل دوائرها. عندها يجد صاحب الفكرة نفسه محاصراً من أكثر من اتجاه، لا لأنه يدعو إلى القطيعة مع السائد، بل لأنه يطالب بإعادة النظر فيه.
ومن هنا تتجاوز فكرة رفعت السعيد حدود المثال المصري لتلامس سؤالاً عربياً أوسع: فالتنوير لا يتعثر بسبب غياب المفكرين، بل بسبب ضعف البيئة التي تحتضن الأفكار. فلا جامعة تتمتع بما يكفي من الاستقلال، ولا إعلام يوفر مساحة حقيقية للنقاش، ولا ثقافة عامة تتقبل الاختلاف بوصفه شرطاً من شروط الحياة الفكرية.
ولم يكن السودان بعيداً عن هذا المشهد. فقد غلب الاستقطاب السياسي، لعقود طويلة، على المجال الثقافي، حتى أصبح الانتماء إلى هذا التيار أو ذاك يسبق النظر في الفكرة نفسها. وغالباً ما كان الناس يسألون: من قال؟ قبل أن يسألوا: ماذا قال؟ وفي مثل هذا المناخ ينكمش الاجتهاد، ويغدو الصمت أقل كلفة من المجاهرة بالرأي.
ومع ذلك، فإن الحرب التي يعيشها السودان اليوم، على ما خلفته من مآسٍ، أعادت فتح ملفات كان يصعب الاقتراب منها من قبل. فقد كشفت هشاشة كثير من المسلمات السياسية والفكرية، وأعادت طرح أسئلة تتعلق بشكل الدولة، وحدود العلاقة بين الدين والسياسة، وإدارة التنوع، وبناء هوية وطنية جامعة. وهي أسئلة لا يمكن أن تحسمها موازين القوى ، وإنما يحتاج التعامل معها إلى ثقافة الحوار والمراجعة والاعتراف بحق الاختلاف.
وهنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم التنوير نفسه. فهو ليس مواجهة مع الدين، ولا قطيعة مع التراث، ولا امتيازاً لتيار فكري دون غيره. إنه، في جوهره، دفاع عن حرية العقل، وعن حق المجتمع في مراجعة تجاربه، وعن حق الأجيال الجديدة في طرح الأسئلة التي قد تكون مزعجة، لكنها ضرورية لأي نهضة حقيقية.
ومن ثم، فإن مشروع الاستنارة في السودان لن ينجح بإقصاء مدرسة فكرية لحساب أخرى، وإنما ببناء فضاء عام يتسع للجميع. فالمستنير الحقيقي ليس من يدعي امتلاك الحقيقة، بل من يمتلك الشجاعة لمراجعة أفكاره، والقدرة على الإصغاء إلى غيره، والثقة بأن الحقيقة تتسع للحوار أكثر مما تتسع لليقين المطلق.
وقد يختلف القارئ مع رفعت السعيد في بعض استنتاجاته، أو في الزاوية التي نظر منها إلى قضية التنوير، لكن ذلك لا ينتقص من قيمة الكتاب. ففضيلته الأساسية أنه يعيد طرح سؤال لم يفقد راهنيته: لماذا تعجز المجتمعات العربية عن تحويل الأفكار الإصلاحية إلى ثقافة عامة، فتظل حبيسة جهود أفراد يتقدمون على زمنهم أكثر مما يتقدم زمنهم عليهم؟
الإجابة عن هذا السؤال لا تُكتب في الكتب وحدها، بل تُصاغ في المدرسة والجامعة، وفي الإعلام، وفي المؤسسات الثقافية، وقبل ذلك كله في استعداد المجتمع لأن يقبل التعدد، وأن يدرك أن الأفكار لا تُواجه بالمصادرة، بل بالنقاش.
ولعل السودان، حين يطوي صفحة الحرب، سيكون في أمسّ الحاجة إلى هذا المعنى من الاستنارة؛ استنارة لا تنشغل بتحديد الغالب والمغلوب، ولا بتبديل مواقع الإقصاء، وإنما ببناء ثقافة تجعل حرية الفكر قيمة مشتركة، وتحول الاختلاف من سبب للانقسام إلى مصدر للإثراء. فالتنوير لا يولد حين ينتصر تيار على آخر، بل حين يقتنع الجميع بأن الأوطان لا تُبنى إلا بعقول حرة، ومؤسسات راسخة، ومساحة واسعة تتسع للأفكار، فلا يضطر أصحابها إلى العبور، في كل مرة، عبر ثقب إبرة.
muhammedbabiker@aol.co.uk
