بقلم: صديق السيد البشير
Siddigelbashir3@gmail.com
إيقاع المدرجات ونبض العشق الأحمر
أربعون عاماً -أو ربما تزيد- أنفقها “الجنيد مصطفى” في محبة “الزعيم” مع الصفوة والأكثرية لأحمرَ وهاج؛ حاملاً طبلته التي تلهب الحماس وتهز المدرجات، وهتافه المشهور: “لا إله إلا الله.. منتصرين بإذن الله”. ممسكاً بطبلةٍ كانت تُصنع في السابق من الطين وجلد الماعز، قبل أن تهب عليها نسائم التحديث في الأدوات والتصنيع؛ مشجعاً بها “نجمته” التي أحبها حباً جماً. عشق المريخ فصار ملهماً للجماهير، وداعماً للكيان والمنتخبات الوطنية في كل المنافسات الرياضية داخل السودان وخارجه.
وفاء الأهل ورد الجميل في قرية جابر
ينتمي “الجنيد مصطفى” إلى قرية (جابر) بريفي ﻭﺣﺪﺓ ﺍﻟﻤﺤﻴﺮﻳﺒﻪ، بمحلية ﺍﻟﺤﺼﺎﺣﻴﺼﺎ، في ولاية الجزيرة؛ ولاية العلم والاقتصاد والمعرفة والإعلام والرياضة. ولترد له جماهير المريخ الجميل؛ تكفلت بكامل نفقات رحلته مع “الزعيم” إلى رواندا، دعماً ومساندةً للفريق في منافسات الدوري وقتئذٍ.
أثمر وفاؤه للمريخ وعلاقاته الممتدة نبلاً ومحبة مع كل أبناء “الصفوة”، حزمةً من المشروعات التنموية في مجالي الصحة والتعليم، أنجزها لأهله في منطقة (جابر) لخدمة الناس هناك؛ رداً لجميلٍ قدمته له منطقته، وقدمته لاحقاً لعالم الرياضة والمريخ.
طبلة التاريخ وصوت الأصالة
“بالمناسبة ده أول هتاف أدخل بيهو تشجيع المريخ، وكانت الطبلة في ذلك الوقت من الطين وجلد الماعز (هههه) وأنا فخور بذلك”.. بهذه الكلمات كان يكتب في مجموعة (إخوان الجنيد لدعم الكيان) على تطبيق (واتساب).
يطل الحبيب “الجنيد مصطفى” -كبير مشجعي الزعيم فريق المريخ السوداني- في إطلالة مرئية، حاملاً طبلته دائماً لفاصلٍ من أهازيج ظل يصدح بها منذ عشرات السنين في المستطيل الأخضر داخل السودان وخارجه.
شهادة جيل وخبرة أستاذ
“أنا الجنيد ما بعرف عنه كثيراً سوى أنه مشجع مشهور للمريخ عن طريق الطبلة نحو 40 سنة”.. بهذه الكلمات كان الصحفي وأستاذ الإعلام بالجامعات السودانية الدكتور ياسر بابكر يتحدث للصحيفة، واصفاً ملامح من مسيرة الجنيد مصطفى مع فريق المريخ بقوله: (أنا كنت طفلاً بدخل مع أبوي -الله يرحمه- مباريات المريخ في الثمانينيات، وكان الجنيد وإسحق “أب قرن” -على آلة القرن إسحق والطبلة مع الجنيد-؛ كان يدخل المسطبة الوسطى “تحت المقصورة” ويتحرك للجانبية جنوب. كان مميزاً وجميل الصوت وعذب الغناء، محبوباً جداً يلهب حماسنا وطريفاً يرتدي فانلة حمراء وطاقية). هكذا أحب الجنيد مصطفى المريخ، محبة فائقة العذوبة؛ عذوبة العزف والتشجيع والغناء بأحلى المعزوفات والترنيمات.
منصة الدعم والتواصل عبر تطبيق الواتساب
أسس “الجنيد مصطفى” قبل سنوات قليلة مجموعةً على تطبيق (واتساب) باسم (إخوان الجنيد لدعم الكيان)، تضم أكثر من (700) رياضيٍّ بمختلف التخصصات؛ لتصبح منصةً تقدم مداخلات مستمرة في الشأن الرياضي عموماً، والمريخي على وجه الخصوص، كما تسهم في دعم العمل الإنساني والاجتماعي، إلى جانب تقديم نصائح غالية للرياضة وللمريخ، بما قد يسهم في دعم الفريق ومسيرته المستقبلية.
“ليلة الرهيب” واحتفالية الوفاء بكوستي
امْسَحْ عَلَى زِرْيَابْ … وَاطْمِسْ عَلَى مَعْبَدْ
وَامْشِ عَلَى الأَحْقَابْ … وَطُفْ عَلَى المِرْبَدْ
وَاغْشَ كَنَارَ الغَابْ … فِي هَدْأَةِ المَرْقَدْ
وَحَدِّثِ الأَعْرَابْ … عَنْ رَوْعَةِ المَشْهدْ
“هذه ليلتي وحلم حياتي، بين ماضٍ من الزمان وآتِ، الهوى أنت كله والأمان، فاملأ الكأس بالغرام وهات، هذه ليلتي فقف يا زماني، سوف تلهو بنا الحياة وتسخر، فتعالَ يا مريخ أحبك الآن أكثر”.
كان هذا هو حال لسان قطب المريخ ومشجعه الأبرز “الجنيد مصطفى” وهو يستقبل ضيوفه الكرام الذين شاركوه الفرحة بمناسبة زواج أبنائه بـ “قلعة المريخ” بكوستي، التي ازدانت بحضور الأسرة الرياضية بمدينة كوستي؛ حيث كان الحضور مهيباً وكبيراً بقيادة الرمز المريخي الشامخ الأستاذ أحمد علي مصطفى، ولفيف من قادة العمل الرياضي والسياسي والأمني والإعلامي بالولاية.
وهي مناسبةٌ -وفق ما كتبه إسماعيل تندلتي عنها في تدوينة حملت عنوان “الرهيب يبادل الجنيد الوفاء”- جسدت ليلةً تجلت فيها عظمة المريخ وأهله بتشريفهم ووقفتهم المعنوية الكبيرة مع ابن المريخ “الجنيد”، الذي عبر عن سعادته الكبيرة بالحضور الأنيق لعشاق المريخ وسدنته بمدينة كوستي حمراء اللون.
محطة النيل الأبيض وتكريم أهل العطاء
مع اشتداد وتيرة القتال في العاصمة الخرطوم، نزح “الجنيد” جنوباً إلى ولاية النيل الأبيض، ميمماً وجهه شطر مدينة كوستي، مشاركاً في المناسبات ومسهماً في الفعاليات المختلفة؛ الرياضية والاجتماعية والإنسانية. زادُه في ذلك محبةُ الناس والوطن والرياضة التي جمعت الملايين؛ ليجد الاحتفاء من جماهير الولاية والمدينة على حد سواء، ما أثمر عن حزمة من شهادات الشكر والثناء والتقدير والعرفان من الأندية والأقطاب، كتكريم “نادي الجيل” بحي الإنقاذ له، وذلك بعد نهاية مباراة المريخ والجيل في دوري الدرجة الأولى، بحضور رئيس نادي الجيل الأستاذ أيمن حسن حسين (كورتوكيلا)، والأستاذ السماني سكرتير نادي الجيل بالإنقاذ، وحضور عدد من لاعبي الجيل. وبذلك يكون نادي الجيل قد صنع الحدث بكوستي، وفق ما نقله الناشط الإعلامي طه دفيعة من ذات الاحتفال.
ويصف المحتفى به “الجنيد” تكريم نادي الجيل له بأنه “ديدن الرياضيين بمدينة كوستي في الوفاء لأهل العطاء”.
المريخ كيانٌ باذخ في مدرسة كبد الحقيقة
ينتمي “الجنيد مصطفى” إلى المريخ لكونه كياناً باذخاً، ضخماً ومتشعباً؛ ليرسم الصحفي الدكتور مزمل أبو القاسم في زاويته (كبد الحقيقة) ملامح هذا الانتماء، مشيراً إلى أن الكيان خلده سلطان العاشقين الزبير عوض الكريم شعراً حين قال:
كُلُّ مَنْ شَابَ عَلَى العِشْقِ ارْتَقَى
فِي مَرَاقِي السَّعْدِ أَبْعَاداً عِظَامْ
أَنْتَ يَا مِرِّيخُ فِي أَعْمَاقِنَا
لَسْتَ نَادِياً أَنْتَ أَسْمَى فِي المَقَامْ
أَنْتَ وَطَنٌ فِي تَفَاخُرِنَا بِهِ
تَنْحَنِي الهَامَاتُ أَدَباً وَاحْتِرَامْ
أبعاد وطنية وتاريخ يوثقه شعراء الزعيم
وبمحبةٍ، يقرأ “مزمل” تاريخ المريخ الممتد لأكثر من مائة عام، وغير المحصور في (تيم الكورة) فحسب؛ إذ تشهد صفحاته الباذخة أنه لعب أدواراً وطنيةً واجتماعيةً وثقافيةً بارزة، حرص أدباء المريخ وشعراؤه على توثيقها شعراً ونثراً. وقد كتب فيها سيد شعراء المريخ وأمير أدبائه، أستاذ الأجيال محمد عبد القادر كرف، إلياذته الشهيرة التي أصبحت بمثابة النشيد الوطني للمريخ:
عِشْتَ يَا مِرِّيخُ مَوْفُورَ القِيَمْ
عَالِيَ الهَامَةِ خَفَّاقَ العَلَمْ
خَطْوُكَ الوَثَّابُ فِي رَكْبِ الأُمَمْ
كَجَنَاحِ النَّسْرِ يَجْتَاحُ القِمَمْ
مسيرة متواصلة في حب الكيان
وحين نزح “الجنيد” إلى مدينة كوستي، أنجز تكريماً لفريق المريخ في داره، في مناسبةٍ وجدت الثناء والتقدير، قبل أن يقود حملة التشجيع الخاصة لفرق ما يُسمى بـ (مجموعة الغرب) المشاركة في بطولة الدوري السوداني الممتاز لكرة القدم؛ حيث قاد تشجيعها باستاد كوستي، وكأن الجنيد كان يقرأ من سِفر نادي المريخ وأقطابه وجماهيره، من شاخور إلى ابن البان وحجوج، وصولاً إلى عالم عمر محمود خالد وآخرين ممن أضحوا -فيما بعد- أسماءً شامخة في حياة المريخ والرياضة في السودان.
ليمضي “الجنيد مصطفى” مئزراً بأزياء الأحمر الوهاج، محباً لمريخ الصفوة، ومشجعاً له في كل المحافل، ومسهماً في كتاب “الزعيم” ناصع اللونين (الأحمر والأصفر)، علماً ومعرفةً وإنجازاتٍ على مختلف الصعد.
أيقونة الوفاء والتشجيع النظيف
ستظل حكايات الجنيد مصطفى مع طبلته، وهتافه المجلجل “منتصرين بإذن الله”، صفحةً مضيئةً في كتاب الوفاء والتشجيع النظيف؛ فالمريخ ليس مجرد نادٍ يُشجَّع في المستطيل الأخضر، بل هو وطنٌ في وجدان الأمة، وجسرٌ يربط القلوب بالمحبة والنبض الخالد. ولعل تجربة الجنيد في كوستي، حاضنةِ الوفاء ومدينةِ الدفء، تؤكد أن الأوفياء لا يتبدلون برحيل الأمكنة، بل يزرعون النخيل حيث ما حلّوا، ويبقى “الأحمر الوهاج” رايةً عاليةً تخفق بالحب، ويبقى الجنيد أيقونةً حيَّةً للتشجيع الراقي والارتباط الأزلي ب”الزعيم”.
