مناظير الاثنين 7 سبتمبر، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
- تذكرتُ، وأنا أتابع أخبار (الحوار الوطني) في السودان، قصة قديمة قرأناها في كتاب المطالعة ونحن تلاميذ في المرحلة الابتدائية، تحت عنوان «الرجال البلهاء».
- تحكي القصة عن أحد عشر رجلاً ذهبوا للاستحمام في النهر، وبعد أن خرجوا، أرادوا التأكد من أن أحداً منهم لم يغرق، فأخذ كل واحد منهم يعدّ الآخرين، وينسى نفسه، فيجد العدد عشرة، وهكذا اقتنعوا بأن واحداً منهم غرق، وانخرطوا في البكاء والعويل.
- مر بهم رجل وسألهم عن سبب بكائهم، فأخبروه أن عددهم كان أحد عشر عندما دخلوا النهر، وأصبح عشرة عندما خرجوا. عدّهم الرجل فوجدهم أحد عشر، لكنه لم يستطع إقناعهم بالكلام والمنطق، وعندما أعياه الأمر، أمسك بسوط وراح يضرب كل واحد منهم وهو يعدّ: واحد، اثنان، ثلاثة… حتى وصل إلى أحد عشر. هنا فقط اكتشفوا بانه لم يغرق منهم احد وإنما كان كل واحد منهم ينسى نفسه وهو يعد الباقين.
- قلتُ لنفسي وانا اتابع لجنة «الحوار الوطني» يبدو أن الرجال البلهاء لم ينقرضوا، وإنما انتقلوا من كتاب المطالعة إلى نشرة الأخبار! الحوار يفترض اختلافاً في الرأي، ووجود أطراف متعددة، لكل منها رؤيتها ومصالحها وأسئلتها، ثم تجلس هذه الأطراف لتبحث عن مخرج مشترك، أما أن يجتمع أشخاص متشابهون في المواقف، ليتحاوروا حول قضايا لا يختلفون عليها، ثم يخرجوا علينا بإعلان «التوافق الوطني»، فذلك ليس حواراً، وإنما حوار ذاتي. كأن شخصاً يجلس أمام المرآة ويقول لنفسه: ما رأيك، فيجيب: أتفق معك. هل لديك اعتراض؟: إطلاقاً. إذن اتفقنا! وهكذا يكون الحوار في رايهم ناجحاً جدا، فالجميع متفقون قبل أن يبدأ الحوار نفسه. والأغرب أن المتحاورين ليسوا غرباء عن المشهد السوداني: تتغير الحكومات، وتتبدل الشعارات، ويظل هؤلاء حاضرين.
- هنا تكمن مفارقة الحوار الحالي، فالمطلوب ليس مجرد اجتماع عدد من الأشخاص، وإنما إقناع السودانيين والعالم بأن السودانيين تحاوروا واتفقوا على السلام وعلى شكل الحكم القادم، لكن السودان الذي يُفترض أن يتحاوروا باسمه ليس موجوداً في الحُجرة !
- السودان هو الملايين الذين مزقتهم الحرب، والذين نزحوا وفقدوا بيوتهم وأبناءهم ومصادر رزقهم، والقوى السياسية والمدنية والمجتمعية المختلفة التي لا يمكن اختزالها في مجموعة أشخاص تجلس حول طاولة واحدة، لذلك يبدو الأمر كله أقرب إلى عملية عد جديدة على طريقة رجال القصة القديمة. ولكن بالمقلوب. هؤلاء يعدّون أنفسهم، ثم ينسون أن هناك شعباً كاملاً خارج الحساب، والسؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان المتحاورون متفقين أصلاً، فمَن الذي يتحاور مع مَن، وإذا كانت النتيجة معروفة قبل بداية الحوار، فلماذا كل هذا الحوار؟!
- لقد نصحهم كثيرون، وحذروهم بأن هذا الطريق لن يقود إلى حوار حقيقي، لكنهم لم يقتنعوا، مما يضطرني لاستدعاء نهاية القصة القديمة. كان البلهاء الأحد عشر يصرون على أنهم عشرة، ولم يقتنعوا إلا بعد ضربهم بالسوط، ويبدو أنه، بعد أن عجزت النصيحة عن إقناع الذين يتحاورون الآن بأن هذا ليس حواراً، فلم يبقَ إلا السوط !
- أخيرا، لا بد من القول بأن المقصود بالتشبيه واستدعاء قصة «الرجال البلهاء» ليس الأشخاص، وانما الموقف.
