شيكان وكرري في ميزانٍ واحد: مقارنةٌ في القيادة والتشكيل والأرض والنار
ما قاله العسكريّون والساسةُ والمؤرّخون من الضفّتين، وما ورد في تقارير القوم
د. الرشيد خليفة
معركتان يفصل بينهما خمسةَ عشرَ عاماً بالتمام: في شيكان (5 نوفمبر 1883) أبادت المهديّةُ جيشاً نظاميّاً حديث السلاح فلم يكد ينجو منه أحد؛ وفي كرري/أم درمان (2 سبتمبر 1898) أُبيد جيشُ المهديّة نفسه في ساعاتٍ فلم يكد يخدش عدوَّه. صاحبُ التحليلين واحد، الرائد عصمت زلفو [1][2]، والمقارنة بين لوحتيه تكشف كيف تتبدّل نتيجةُ الحرب حين تتبدّل الأرضُ والسلاحُ والقيادة، لا حين تتبدّل شجاعةُ الرجال.
القيادةُ ومعنويّاتُ الجنود
في شيكان كانت القيادةُ المهديّة مبادِرةً تصوغ المعركة قبل وقوعها: المهديُّ وأبو قرجه يستنزفان ويخدعان ويختاران الأرض، ومعنويّاتُ الأنصار في ذروتها، إيمانٌ صاعدٌ يقابله جيشٌ مصريٌّ مُساقٌ بالسلاسل، مثقلٌ بضبّاطٍ أوروبيّين لا يثق بهم ولا يثقون بجنده. أمّا في كرري فقد انقلبت الصورة: القيادةُ المهديّة صارت تدير معركةً من مؤخّرةٍ سحيقة (الخليفةُ عبد الله خلف جبل سركاب، وابنه عثمان شيخ الدين خلف آلافٍ من رجاله)، بنظام إشاراتٍ قوامُه الرايةُ والفارس، بينما كتشنر يمسك جيشَه المدرَّب الرابط في زريبته بيدٍ واحدة. بقيت شجاعةُ الأنصار كما هي، بل هي هي، لكنّ الشجاعة التي كانت في غابة شيكان سلاحاً حاسماً صارت في عراء كرري وقوداً للمذبحة.
تشكيلاتُ الجيش
جيشُ هكس دخل شيكان في مربّعاتٍ قتاليّةٍ صمّمت للعراء فخانتها الغابة. وجيشُ الخليفة في كرري نُظّم على راياتٍ بالألوان — خضراءَ باهيةٍ وداكنة، وزرقاءَ للخليفة، وبيضاءَ للجموع، وحمراءَ خلفها — يقودها «أمراءُ الأمراء» يتقدّمون للموت نيابةً عن قادةٍ لا ينزلون الميدان. وأمّا كتشنر فنظّم قوّته حول قاعدةٍ ثابتةٍ من النار: زريبةٌ وخنادقُ ظهرُها إلى النيل، وألوية بريطانية ومصرية-سودانية تسندها مدفعيّةٌ وبوارجُ نهريّة. التشكيلُ المهديُّ كان مبنيّاً على الصدمة بالكتلة؛ والتشكيلُ البريطانيُّ على الثبات والنار، وبين المبدأين حُسمت المعركة.
وبالأرقام تتّضح ضخامةُ آلة كتشنر في كرري: بلغ جيشُه نحو ستّةٍ وعشرين ألفاً (زهاء 25,800). منهم نحو ثمانية آلافٍ ومئتين (8,200) من النظاميّين البريطانيّين (فرقةٌ بريطانيّةٌ من لوائين تسندها كتيبةُ اللانسرز الحادية والعشرون)، ونحو سبعةَ عشرَ ألفاً وستّمئة (17,600) من جيش مصر، يشملون الكتائبَ المصرية والسودانية معاً. فأمّا الجانبُ البريطانيُّ كلُّه — قادةً وضبّاطاً وجنوداً ومعاونين ومراسلين — فيدور حول ثمانية آلافِ جنديّ، يُضاف إليهم بضعُ مئاتٍ من الضبّاط البريطانيّين الذين كانوا يقودون الجيش المصريَّ كلَّه (فقيادتُه العليا وأكثرُ ضبّاطه بريطانيّون)، وزهاءُ عشرين مراسلاً حربيّاً وأكثر (منهم الملازمُ ونستون تشرشل)، وطواقمُ الطبّ والإسناد. وأمّا الجيش المصريُّ فكان نحو سبعةَ عشرَ ألفاً وستّمئة، منظَّمين في ألويةٍ من كتائبَ مصريّةٍ (نحو عشر) وكتائبَ سودانيّةٍ (ستّ: من التاسعة إلى الرابعة عشرة)، مع الخيّالة المصرية وسلاح الجمّالة والمدفعية؛ جنودُه مصريّون وسودانيّون، وضبّاطُه المصريّون في المراتب الصغرى تحت قيادةٍ بريطانيّة [3][4]. الأرقامُ الإجماليّة (نحو 8,200 بريطانيّ و17,600 من جيش مصر، بمجموعٍ زهاء 25,800) ثابتةٌ في المصادر؛ أمّا التفصيلُ الصافي كم مصريٌّ خالصٌ مقابل السودانيّين ضمن الـ17,600، والعددُ الدقيقُ للضبّاط البريطانيّين والمراسلين والمعاونين فيتفاوت بين المصادر ولا يرد برقمٍ واحدٍ محقّق.
الجهاديّةُ والبازنقر، جنودُ النار من الضفّتين
لا تكتمل مقارنةُ الجيشين دون وقفةٍ عند العمود الفقريّ الناريّ للمهدية: «الجهاديّة» وقائدها حمدان أبو عنجة. وهو حمدان بن أحمد سعد الدين، من قبيلة الحَمَر بكردفان؛ هاجرت أسرتُه من دار حمر بشمالها فاستقرّت في العباسية تقلي وشركيلا بجنوبها، وجدُّه لأبيه فقيهٌ صاحبُ خلوةٍ لتعليم القرآن والشريعة. ولقبُه «أبو عنجة» نسبةً إلى ابنته الكبرى أمّ كلثوم التي كانت تُدلَّل باسم «عنجة». ارتبط برباط قربى ووَلاءٍ وثيقٍ بالخليفة عبد الله التعايشيّ، تفيض به محرّراتُ الخليفة إليه كما لاحظ أبو سليم، فتزعّم بموهبته النخبةَ الضاربة.
و«الجهاديّة» مشاةُ الثورة النظاميّون حَمَلةُ البنادق، عمادُهم «البازنقر» (البازنجر): مقاتلون سودٌ جُلُّهم من أصلٍ رقيقيّ — جنودٌ سابقون في الجيش التركيّ-المصريّ، ورجالٌ من جيوش تجّار الرقيق كالزبير باشا رحمة، دُرّبوا على النار والنظام. وكان أنصارُ المهدي في الأصل «أهلَ سكاكينَ وسيوفٍ وحرابٍ ونشّاب» لا نارَ عندهم، فجاءتهم الجهاديّةُ بالسلاح الناريّ والانضباط العسكريّ فصارت رأسَ حربتهم.
وهنا خيطٌ يربط المعركتين ربطاً محكماً: ففي شيكان كانت جهاديّةُ أبو عنجة نواةً صغيرةً كمنت تحت شجر الغابة ووفّرت النارَ التي تنقص حَمَلةَ الحراب؛ ثمّ قلبت غنائمُ هكس هذه النواةَ إلى فيلقٍ حديث التسليح صار عمودَ جيش المهدية في فتح الخرطوم، ثمّ حاضراً في كرري نفسِها [4][11]. والمفارقةُ الكبرى أنّ كرري جمعت جنودَ النار السودَ على الضفّتين معاً: فالجهاديّةُ في صفّ الخليفة، وفي مقابلها كتائبُ سودانيّةٌ ضمن جيش كتشنر (نحو ستِّ كتائب في الفرقة المصرية) كثيرٌ من رجالها من الأصل نفسِه، بل فيهم أنصارٌ أسرى أُعيد تجنيدهم. فالمقاتلُ السودانيُّ الأسمرُ حاملُ البندقية قاتل يومَ كرري في الخندقين معاً، لا يفصل بينهما معدنُ الرجال، بل الآلةُ والقيادةُ والأرض. المصادرُ المنشورةُ تتحدّث عن وحداتٍ (الجهاديّة، الكتائب السودانية) وعن أصلٍ (البازنقر/العبيد)، لكنّها لا تُفرد عدداً صافياً محقّقاً «للعبيد» كفئةٍ مستقلّةٍ في أيٍّ من جيوش المعركتين.
التكتيكُ الجغرافيّ، مَن يختار أرضَ الموت
هذا هو مفصلُ المقارنة كلّه. في شيكان اختار الأنصارُ الأرضَ فجرّوا العدوّ إلى غابتهم الخانقة؛ وفي كرري ترك الخليفةُ الأرضَ لكتشنر، فأقام السردارُ زريبتَه في سهلٍ مكشوفٍ ظهرُه إلى النهر وأساطيلُه تحرس جناحه، ثمّ انتظر أن يأتيه الأنصارُ عَدْواً في العراء. والمفارقةُ أنّ الخليفة كان قد أدرك، على المستوى الاستراتيجيّ، درسَ شيكان تماماً: أراد أن يستدرج كتشنر عميقاً في الصحراء كما استُدرج هكس، فامتنع عن قتاله في مواضع دفاعيّةٍ عدّة، ورأى في جيشه «حملةَ هكسٍ أخرى تترنّح في القفار». لكنّه حين جاءت ساعةُ الحسم تخلّى عن منطقه هو، فاختار الاقتحامَ الأماميّ في الضوء على أرضٍ من اختيار عدوّه، فجمع بين خطأين: خسِرَ استدراجَ العدوّ إلى أرضه، ثمّ ذهب هو إلى أرض عدوّه.
التكتيكُ العسكريّ، النارُ والمناورة
في شيكان ألغت الغابةُ ميزةَ النار وحوّلت القتالَ إلى تلاحمٍ في العتمة، فانتصر العددُ والمناورةُ والإحاطة. وفي كرري عملت الآلةُ في ظروفها المثاليّة: كان لدى كتشنر نحو أربعةٍ وأربعين مدفعاً ميدانيّاً وعشرون رشّاش مكسيم على البرّ، وعشراتُ المدافع والرشّاشات على البوارج النهريّة، وبنادقُ لي-متفورد ذاتُ المخزن. فتحت المدفعيّةُ نيرانها على الأنصار وهم على بُعدٍ يقارب الثلاثة كيلومترات، فحصدتهم قبل أن يبلغوا مدى الرشّاشات، ولم يصل أشجعُهم إلى أقرب من خمسين متراً من الخنادق. تكتيكُ الصدمة الذي كان في شيكان قاتلاً، لأنّ الغابة قرّبت المسافة وألغت النار، صار في عراء كرري انتحاراً منظّماً، لأنّ العددَ الذي كان سلاحاً في الغابة صار قائمةَ أهدافٍ في السهل. اللحظةُ الوحيدة التي استعادت فيها المهديّةُ عبقريّةَ شيكان كانت حين عاد أمثالُ عثمان دقنة إلى المناورة والكمين بدل الصدمة، وهي وحدها التي كلّفت العدوّ ثمناً حقيقيّاً [2].
اللوجستيّات، «الخليفةُ هُزم على قضبان السكة حديد»
ثمّة فرقٌ صامتٌ حسم كلّ شيء: الإمداد. ففي شيكان كان الماءُ والمسافةُ سلاحاً بيد المهديّة ضدّ جيشٍ يجرّ إمدادَه على ظهور الجمال. وفي كرري قلب كتشنر المعادلة بالحديد والبخار. فقد مضى في خطّةٍ منهجيّةٍ على ثلاث سنوات: استعادةُ دنقلا سنة 1896، ثمّ بناءُ خط السكة حديد سنة 1897، ثمّ استعادةُ الخرطوم سنة 1898 [4]. ولمّا لخّص تشرشل الأمر بعبارةٍ صارت مثلاً — أنّ قتال الأنصار كان في جوهره مسألةَ نقلٍ وإمداد، وأنّ الخليفة إنّما هُزم على قضبان السكة الحديد — لم يكن يتكلّم مجازاً، بل عن خطٍّ بعينه [3].
هو «سكّةُ السودان الحربيّة» (سكّةُ كتشنر)، وهما خطّان لا خطٌّ واحد. الأوّلُ خطٌّ نهريٌّ أقدمُ على الضفّة الشرقيّة من وادي حلفا نحو سرّاس فأكاشة فكرمة، امتُدّ في سياق حملة دنقلا سنة 1896 ليتجاوز الشلّالَ الثاني وبطنَ الحجر وشلّالاتِه الصغيرة، حتى يبلغ الإمدادُ النيلَ الصالحَ للملاحة عند كرمة (أعلى النهر، أي جنوبَ الشلّال الثالث، على نحو خمسةٍ وثلاثين ميلاً شمالَ دنقلا الحديثة غرب النيل). وهذا الخطُّ النهريُّ، لا الصحراويُّ، هو الذي جرف سيلُ عاصفةٍ مطريّةٍ مفاجئةٍ نحو اثنَي عشرَ ميلاً منه (رَدماً وقضباناً) في أواخر أغسطس 1896، فأشرف كتشنر على خمسة آلاف رجلٍ أعادوا مدَّه في أسبوع.
ثمّ جاءت بعد ذلك المغامرةُ الكبرى: خطٌّ صحراويٌّ جديدٌ بدأ بناؤه في الأوّل من يناير 1897، يشقّ صحراء النوبة مباشرةً من وادي حلفا إلى أبو حمد نحو مئتين وثلاثين ميلاً، فيقطع «قوس النيل» العظيم ويوفّر نحو ستّمئة ميلٍ من الملاحة المتعرّجة والبطيئة بشلّالها الرابع. وهنا سؤالٌ وجيه: لماذا لم يبدأ من كرمة/دنقلا وقد بلغهما الخطُّ الأوّل؟ والجوابُ أنّ الغرضَ منه كان تفاديَ حلقة دنقلا نفسِها لا اللحاقَ بها؛ فوادي حلفا قاعدةُ الإمداد وبوّابتُه من مصر، ودنقلا داخلَ القوس على جانبه الغربيّ، فالخطُّ الرابحُ هو الوترُ الذي يصل طرفَي القوس عبر الصحراء من حلفا إلى أبو حمد. ويسّر ذلك أنّ فرقَ المهندسين وجدت بئر ماء على بُعد سبعةٍ وسبعين ميلأّ وبئر اخري على بعد مئةٍ وستّةٍ وعشرين ميلاً من حلفا. عُهد بالخطّ إلى المهندس بيرسي جيرو، الكنديّ المولد من مهندسي سكة حديد كندا الباسفيكي (Canadian Pacific Railway). ولمّا كانت أبو حمد بيد الأنصار انتُزعت أوّلاً في السابع من أغسطس 1897، فبلغها الخطُّ في الحادي والثلاثين من أكتوبر، ثمّ دُفع نحو عطبرة سنة 1898، وبعد كرري إلى الخرطوم بحري في آخر يومٍ من سنة 1899 [3][4].
وأمّا ضفّةُ الخطّ فكانت في الغالب الضفّةَ الشرقيّة (اليمنى) للنيل. فالخطّ النهريّ الأوّل (حلفا–كرمة) مُدّ على الضفّة الشرقيّة محاذياً النهر؛ والخطّ الصحراويّ الحاسم (حلفا–أبو حمد) فارق النيلَ عند حلفا وشقّ صحراء النوبة شرقيّ قوسه الغربيّ العظيم ثمّ عاد إليه عند أبو حمد؛ ومنها امتدّ على الضفّة الشرقيّة عبر بربر وعطبرة، حيث عبر نهرَ عطبرة بجسرٍ أواخر 1898 فشندي، حتى بلغ الخرطومَ بحري على الضفّة الشرقيّة للنيل الأزرق، مقابلَ الخرطوم، في آخر 1899.
وربطُ هذا كلِّه بمصر يكشف مفارقة: لم يكن بين القاهرة والخرطوم خطٌّ حديديٌّ متّصل. فمن القاهرة جنوباً يمتدّ خطُّ السكّة المصريُّ في وادي النيل — على الضفّة الشرقيّة في معظمه عبر أسيوط وسوهاج وقنا والأقصر — وقد بناه المصريّون (الحكومةُ الخديويّة بمهندسين بريطانيين، وأوّلُه خطُّ الإسكندرية–القاهرة سنة 1856)، فبلغ أسوان في تسعينيّات القرن. ثمّ تعترض فجوةٌ بين الشلّال الأول (جنوبَ أسوان) ووادي حلفا تُقطع ببواخرَ نهريّةٍ لا بالقطار. ومن وادي حلفا تبدأ السكّةُ السودانيّة: خطُّ إسماعيل باشا القديم إلى سرّاس (1874، أوقفه غردون 1878)، ثمّ سكّةُ كتشنر الحربيّة التي بناها البريطانيّون (1896–1899) بأيدٍ مصريّةٍ وسودانيّة. فالجزءُ المصريُّ مصريُّ البناء، والجزءُ السودانيُّ الحاسمُ بايدي بريطانيُّه [3][4].
وللسياق الجغرافيّ الذي يفسّر عبقريّة هذا الخطّ: يعترض النيلَ بين مصر والخرطوم سلسلةٌ من الشلّالات، مساقطُ صخريّةٌ تقطع الملاحة. فالشلّالُ الثاني (الأكبر) عند وادي حلفا، غمرته اليوم بحيرةُ ناصر؛ والثالثُ عند طمبس/حنّك شمالَ كرمة؛ والرابعُ في صحراء المناصير شمالَ كريمة قربَ جبل البركل، غمره خزانُ مروي منذ 2008؛ والخامسُ بين أبو حمد وعطبرة قربَ بربر؛ والسادسُ عند السبلوقة شمالَ أم درمان. وبين هذه الكبارِ مقاطعُ من الشلّالات الصغيرة، أشهرُها «بطنُ الحجر» بين الثاني والثالث بجنادله المتعثّرة (كشلّال دال). ولأنّ هذه المساقطَ تقطع مجرى النهر موسماً بعد موسم، صارت السكةُ الحديد وحدها هي الوسيلةَ الثابتةَ لتخطّيها في كلّ حين.
وكان مردودُه يشرح عبارة تشرشل وحده: هذا الخطُّ اختصر الرحلةَ بين وادي حلفا وأبو حمد من نحو ثمانيةَ عشرَ يوماً بالجمال والبواخر إلى أربعٍ وعشرين ساعةً بالقطار، في كلّ فصلٍ وموسم، بصرف النظر عن فيضان النيل أو انحساره، حتى وُصف بأنّه «أفتكُ سلاحٍ استُعمل ضدّ المهدية». وحاذاه شريانُ قيادةٍ وسيطرة: نحو ستّمئةٍ وثلاثين ميلاً من كيبل التلغراف وتسعةَ عشرَ مكتبَ برقٍ على طول الخطّ، تنقل حتى مئتين وسبعاً وسبعين برقية تلغراف في اليوم بشفرة موريس. وينقل القطار البريد الورقي والإمداد. أمّا النهرُ فطُوِّع بدوره: أُنشئ حوضُ سفنٍ (دُوكيارد) عند رأس الخطّ على النيل الصالح للملاحة، وجُلبت البوارجُ النهريّة الجديدة (أكبرُ من سابقاتها) مفكَّكةً قطعاً على القطار لتُعاد فتُركَّب على ضفّة النهر هناك، تحمل كلٌّ منها مدفعاً من عيار اثنَي عشرَ رطلاً أماميّاً، ومدفعَين من ستّة أرطال في الوسط، وأربعةَ رشّاشات مكسيم. ولم يكن هذا التفكيكُ والتركيبُ حدثاً واحداً، بل ممارسةً متكرّرة تُعاد مع كلّ دفعةٍ جديدةٍ من البوارج والبواخر ذوات العجلة الخلفية. وعملت هذه البوارجُ أوّلاً في مقطع دنقلا (بين الشلّالين الثالث والرابع)، ثمّ خاضت أصعبَ اختبار: جُرّت بالحبال فوق الشلّال الرابع بمعونة الشايقيّة في أغسطس 1897 (غرق الزورق «التب»، وعبرت «المتمة» و«تماي» ثمّ «الزافر» و«الفاتح» و«الناصر»)، لتصعد المقطعَ الأعلى مارّةً فوق الشلّال الخامس بدفع محركاتها لإرتفاع فيضان ١٩٩٧. ثم اضطرت لانتظار فيضان ١٩٩٨ لتعبر فوق شلال السبلوقة السادس وعسكر كتشنر في عطبرة، وبعدها بلغت مقطعَ أم درمان حيث قصفت صفوفَ الأنصار وحصون أمدرمان وثغرت سورها من النيل يوم كرري. وهكذا أبطل كتشنر، قبل أن يُطلق رصاصةً في كرري، السلاحَ نفسَه الذي أباد هكس في شيكان: الأرضَ والعطشَ والشلّالات. الأرضُ التي ابتلعت هكس عجزت عن ابتلاع كتشنر، لأنّه لم يُسلِّم نفسَه لها، بل مدّ إليها قضبانَه.
تفصيلُ الأسطول النهريّ والقطارات، عدداً ومساراً وزمناً
بلغ أسطولُ كتشنر النهريُّ الضاربُ عشرَ بوارج (gunboats) بحلول مطلع 1898، على ثلاث طبقات. أربعٌ قديمةٌ صغيرةٌ ذواتُ عجلةٍ خلفيّةٍ من ثمانينيّات القرن (طولُ كلٍّ نحو تسعين قدماً): «تماي» و«التب» و«أبو كليا» (سُمّيت لاحقاً «حافر») و«المتمّة». وثلاثٌ كبيرةٌ ذواتُ عجلةٍ خلفيّةٍ من طراز 1896 (طولُ كلٍّ نحو مئةٍ وأربعين قدماً): «الزافر» و«الفاتح» و«الناصر»، تحمل كلٌّ منها مدفعَي اثنَي عشرَ رطلاً ومدفعَي ستّة أرطالٍ وثلاثةَ رشّاشات مكسيم. وثلاثٌ حديثةٌ مدرَّعةٌ ثنائيّةُ المروحة من طراز 1898 (طولُ كلٍّ نحو مئةٍ وخمسٍ وأربعين قدماً): «مالك» و«سلطان» و«شيخ». وإلى جانب هذه البوارج القتاليّة سارت بواخرُ نقلٍ ونقّالاتٌ (صنادل) ومراكبُ شراعيّةٌ تحمل الجندَ والعتاد [3].
وأمّا مسارُ هذه السفن وتركيبُها: صُنعت البوارجُ الجديدةُ في إنجلترا (بأحواض التايمز وإسكس) وشُحنت مفكَّكةً قطعاً إلى مصر، ثمّ صعِدت النيل؛ أمّا الطبقةُ القديمةُ الأولى فكانت على النيل منذ الثمانينيّات. فطرازُ 1896 («الزافر» و«الفاتح» و«الناصر») جُمّع فوق الشلّال الثاني مطلعَ 1897، ثمّ جُرّ فوق الشلّال الرابع بالحبال في أغسطس 1897 — وفي ذلك العبور انقلب الزورقُ «التب» وغرق. وأمّا طرازُ 1898 المدرَّع فكان الحلُّ فيه أبرعَ: شُحن مفكَّكاً من إنجلترا، وسُحب على النيل إلى وادي حلفا، ثمّ حُمل قطعاً على القطار متخطّياً الشلّالاتِ كلَّها إلى أبادية قربَ عطبرة، حيث أُنزل ورُكّب على النهر صيفَ 1898 بإشراف مهندسي الأركان. فالقاعدةُ إذن: كلُّ سفينةٍ رُكّبت مرّةً واحدةً على نيل السودان بعد نقلها قطعاً، والشلّالاتُ عُبِرت جرّاً أو بالمحركات عند ارتفاع الفيضان لا بتفكيكٍ جديد.
وأمّا القطاراتُ فلم تكن قطاراً واحداً يكرّر رحلةً من القاهرة إلى الخرطوم؛ فالخطُّ بُني على مراحل، ولم يبلغ الخرطومَ إلا في آخر 1899 بعد سقوط أم درمان. فكانت المنظومةُ نظامَ مكوكٍي (شتل): قاطراتٌ وقطاراتٌ كثيرةٌ تروح وتجيء على المقاطع المكتملة، يُنقَل الحملُ عند رأس الخطّ إلى البواخر النهريّة. ومسيرةُ القطار في السودان بدأت من وادي حلفا — المتّصلةِ بشبكة مصر عبر بواخرَ على النيل المصريّ — لا من القاهرة مباشرةً. وبين أوّل تحرّكٍ للسكة في الحملة (بناءُ الخطّ الصحراويّ من مطلع 1897) ووصولِ بوارج كتشنر إلى أم درمان (مطلع سبتمبر 1898) نحو عشرين شهراً؛ ثمّ اكتمل الخطُّ إلى الخرطوم في آخر 1899، أي زهاءَ ثلاث سنواتٍ من مبتدأ الحملة سنة 1896.
انتزاعُ أبو حمد ومعركةُ عطبرة
لم يكن الطريقُ إلى كرري مفروشاً، بل انتُزع محطّةً محطّة. فحين اقترب الخطُّ الصحراويُّ من أبو حمد وهي بيد الأنصار، أرسل كتشنر رتلاً طيّاراً، أي طابور زاحف سريع الحركة، بقيادة الجنرال أرشيبالد هنتر (عمادُه لواءُ المكدونالد السودانيّ) زحف من مروي محاذياً النيل نحو مئةٍ وخمسين ميلاً في ثمانية أيام، فبلغها فجرَ السابع من أغسطس 1897. اصطفّ نصفَ دائرةٍ تُسنِد ظهورَ المدافعين إلى النهر، ثمّ اقتحم حاميتَها، دون الألف مقاتلٍ بقيادة محمد زين، فأبادها أو شتّتها في نحو ساعة، وأُسر محمد زين. وبهذا أمِن رأسُ الخطّ فاكتمل مدُّ السكة إلى أبو حمد، وهي العقدةُ التي بغيرها ما تقدّم الجيش [3][4].
ثمّ جاء ما يجيب سؤالاً مهمّاً: هل كانت عطبرة خاليةً من الأنصار؟ الجوابُ في شقّين. أمّا بلدةُ بربر وملتقى نهرِ عطبرة بالنيل، حيث أقام كتشنر معسكرَ عطبرة (فورت عطبرة)، فقد آلت إليه في أواخر 1897 من غير قتالٍ يُذكَر، لأنّ الأنصار انسحبوا جنوباً؛ إذ نهى الخليفةُ قوّاته بقيادة محمود ود أحمد عن التقدّم شمالَ المتمّة بعد كتلة المتمة وتمشيط ما حولها، فأُخليت بربر. فالبلدةُ والملتقى استُلما فارغَين عمليّاً من المقاتلين.
لكنّ المنطقةَ لم تكن خاليةً من الأنصار؛ فقد ظل جيش محمود ود أحمد في المتمة بعد المذبحة في يوليو ١٨٩٧ إلى أوائل عام ١٨٩٨، فلما أذن له الخليفةُ تحرك شمالا بجيشِ غرب السودان (نحو عشرةٍ إلى اثنَي عشرَ ألفاً) شمالاً، ومعه عثمان دقنة، فضرب محمودٌ زريبةً محصّنةً عند النخيلة على نهر عطبرة على مبعدةٍ من الملتقى. ولمّا رأى كتشنر أنّه لن يهاجم، بادره هو: اقتحم الزريبةَ في الثامن من أبريل 1898، فمزّق جيشَ محمود في نحو خمسٍ وأربعين دقيقة، وقتل منه ألوفاً وأسر ألوفاً، ووقع محمود ود أحمد نفسُه أسيراً بينما أفلت عثمان دقنة. كانت عطبرة نقطةَ التحوّل الكبرى في استرداد السودان: بعدها انكسرت شوكةُ المهدية شمالَ أم درمان، وصار الطريقُ إلى كرري مفتوحاً [3][4].
وفي عطبرة إرهاصٌ بما سيقع في كرري: فمحمودٌ رابط خلف زريبته ينتظر أن يُهاجَم، فاختار له كتشنر لحظةَ الاقتحام وأرضَه، نقيضَ ما فعله المهديُّ في شيكان حين فرض هو على عدوّه الأرضَ والتوقيت. ومرّةً أخرى كان الخيطُ الرابطُ هو السكةَ الحديد: هي التي حملت جيشَ كتشنر ومؤَنَه إلى قلب السودان، فخاض معاركَه موفورَ العتاد والماء، لا كحملةِ هكس التي كادت تموت عطشاً قبل أن تُقاتَل.
شهاداتُ الطرفين، العسكريّون والساسةُ والمؤرّخون
عن جيش هكس قال اللورد إدموند فيتزموريس في مجلس العموم البريطاني، وقد صعقت بريطانيا هولُ الكارثة، إنّ العالم لم يشهد فناءً كاملاً لجيشٍ كهذا منذ أن أغرق البحرُ الأحمر جندَ فرعون. وكان تشرشل أقسى: فقد وصف قوّةَ هكس في «حرب النهر» بأنّها من أسوأ الجيوش التي زحفت إلى حربٍ قطّ [3]. وهو الحكمُ نفسه الذي همس به هكس عن جنده في برقيّاته الخاصّة قبل أن يُساق بهم إلى حتفه، كما تكشف رسائله التي نشرها الأرشيف البريطاني [5].
وعن خطّة الخليفة عبد الله التعايشيّ لمعركة كرري استقرّ في الأدبيّات وصفُها بأنّها بدت «عبقريّةً ومركّبة»، تطويقٌ من مرحلتين وأربعة محاور مع احتياطيٍّ ضخمٍ مدّخر، وهو الوصفُ الذي أطلقه ونستون تشرشل في «حرب النهر» [3]. أمّا كتشنر نفسه فقد أدرك أنّ الخليفة يريد أن يجرّه إلى فخّ صحراويٍّ على غرار شيكان، فاختار أن يفرض عليه معركةً قرب أم درمان تعمل فيها نارُه وبوارجُه بكامل طاقتها.
وعن جنود الخليفة قال تشرشل شهادتَه الخالدة، وهو الذي شهد المذبحة بعينه ضابطاً في كتيبة الرماحة الحادية والعشرين: إنّهم كانوا من أشجع مَن مشى على وجه الأرض، وإنّهم دُمِّروا ولم يُقهَروا — إنّما هزمتهم قوّةُ الآلة لا نقصُ الرجولة [3]. وهي شهادةٌ يردّدها زلفو بارتياحٍ، لأنّها تصدِّق أطروحته: أنّ الفارق بين شيكان وكرري لم يكن في معدن المقاتل السودانيّ، بل في الأرض والسلاح والقيادة.
الروايةُ من الداخل، ما كتبه السودانيّون
وإذا كان تشرشل وفيتزموريس صوتَ المنتصر، فإنّ للرواية السودانية صوتَها الذي اتّكأ عليه زلفو. فأوّلُ من أرّخ للمهدية «من الداخل» إسماعيلُ عبد القادر الكردفاني في «سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي»، أوّلِ كتابٍ يؤلَّف في تاريخ المهدية، كتبه معاصرٌ من كردفان عاش أحداثَ الأبيّض وحصارها وما تلاها، ونشره محقَّقاً محمد إبراهيم أبو سليم. وقيمتُه أنّه يروي قيامَ الدعوة وأوّلَ انتصاراتها بعين رجلٍ من داخل المعسكر المهديّ لا بعين المؤرّخ الغربيّ [8].
ثمّ مذكّراتُ المقاتل بابكر بدري «تاريخ حياتي»، وهو ممن حمل السلاح وحضر كرري بنفسه. وأصدقُ ما فيها شهادةٌ على تبدّل الحال: فقد كان بدري في حصار الخرطوم يتعرّض عمداً لنيران السفن الحربية طلباً للشهادة، حتى وُكِّل به حارسٌ يمنعه؛ فلمّا جاءت كرري احتال، كما روى، لينجوَ من الموت لا ليطلبه. وفي هذا الانقلاب، من طلبِ الشهادة إلى التحايل للنجاة، أبلغُ تعبيرٍ من داخل الصفوف عن هول ما فعلته النارُ الحديثة بالأنصار في ذلك اليوم [9].
ومن طرازٍ نادرٍ شهادةُ القبطيّ يوسف ميخائيل، ابنِ أسرةٍ مصريّةٍ قدِمت لخدمة الإدارة بالأبيّض، فنشأ محاسباً ثمّ صار في عهد المهدية ملازماً للإمام المهديّ نفسِه، فكاتباً للراية الزرقاء (من أقوى ألوية الجيش عُدّةً) ولبيت المال العموميّ بأم درمان. فمذكّراتُه «شاهد عيان» من قلب الإدارة المهدية: يصف فيها مجيءَ المهديّ إلى كردفان والتفافَ الناس حوله، ثمّ يفرد فصلاً لِما أصاب أم درمان من فوضى بعد كرري، فهو يشهد على انهيار الدولة من داخلها، لا من ميدان القتال وحده [14].
ويكمّل الصورةَ مؤرّخون سودانيّون محدثون: عبد المحمود أبو شامة الذي فصّل في «من أبا إلى تسلهاي» الهرمَ القياديّ لحملة هكس وتكوينَ جندها [11]، ومحمد إبراهيم أبو سليم الذي جمع منشورات المهدية ووثائقَها ونشرها محقَّقةً، فأتاح للباحثين قراءةَ الثورة بلغة أصحابها وأقلامهم.
الجانبُ المصريّ، مخابراتٌ وسجلّاتٌ ومذكّرات
وأمّا الجانبُ المصريّ فمصدرُه الأوثقُ ما حفظته المخابراتُ الحربية المصرية وسجلّاتُها. وهنا يبرز نعوم شقير، وهو لبنانيٌّ من الشويفات، ضابطٌ في تلك المخابرات وعضوٌ في حملة كتشنر، الذي استولى في أم درمان على وثائق الخليفة عبد الله ومراسلاته فأثبت كثيراً منها بالنصّ في «تاريخ السودان»، حتى صار كتابُه خزانةَ وثائقَ مهديّةٍ بين دفّتين، وإن قُرئ بوعيٍ لموقع صاحبه في جيش الفاتحين [10]. وإلى جانبه مذكّراتُ الضابط المصريّ إبراهيم فوزي باشا «السودان بين يدي غردون وكتشنر»، تنقل تجربةَ الجيش المصريّ من داخله [12]. وبين ما نُشر من هذه السجلّات وما بقي منها في الأرشيفات غيرَ منشورٍ مادّةٌ لا يستغني عنها باحث.
من معسكر الأسر، شهودٌ أوروبيّون
ووصف معسكرَ المهدية شهودٌ أوروبيّون وقعوا في الأسر وعاشوا بين الأنصار سنين، أوثقُهم النمساويّ رودولف سلاطين باشا في «السيف والنار في السودان» [13]، والأبُ النمساويّ يوسف أورفالدر في «عشر سنوات من الأسر في معسكر المهدي». وهي شهاداتٌ ثمينةٌ لأنّها من داخل الدولة المهدية، لكنّها تُقرأ بحذرٍ لأنّ لكلّ أسيرٍ زاويتَه ومرارتَه.
منهجُ زلفو الشفهيّ، لماذا صارت الشهاداتُ مصدرَ قوّته
وفوق هذا المكتوب كلِّه، تفرّد زلفو بأنّه لم يكتفِ بالوثيقة، بل نزل إلى الذاكرة الحيّة: جمع شهاداتِ من أدرك من رجال المعركة وأبنائهم، ملازمين وشيوخَ قبائلٍ ومؤرّخي مهدية، ثمّ وضع كلَّ شهادةٍ في ميزان وثائق الحربية البريطانية وتقارير المخابرات، فما وافقها أثبته، وما خالفها محّصه. وثمرةُ هذه المقابلة تصحيحاتٌ لا تقلّ أهمّيةً عن الرواية نفسها فمثلاً: أنّ عليّ ود حلو لم يُصَب في الميدان البعيد، بل في رئاسة الخليفة بشهادة ملازمه؛ وأنّ نبأ مقتل يعقوب قربَ صفوف ماكدونالد بلغ الخليفة سريعاً فهزّه هزّةً لم يُفق منها؛ وأنّ مشهد الفروة إنّما وقع في أمّ دبيكرات لا في كرري. وهنا مكمنُ قوّة الكتاب: أنّ هذه الشهادات ردّت إلى الأنصار عقلَهم ومبادرتَهم، فلم يعودوا في روايته قطعاناً تندفع، بل رجالاً يخطّطون ويقرّرون ويُخطئون؛ وأتاحت قراءةَ وثيقة العدوّ بعين المهزوم، فاجتمع في صفحةٍ واحدةٍ ما رآه الضابطُ البريطانيّ من خندقه وما عاشه الأنصاريّ في هجومه.
خلاصةُ الميزان
تنتظم المقارنةُ كلّها في جملةٍ واحدة: انتصرت المهديّةُ حين فكّرت كقوّةٍ غير متكافئةٍ تُطابق وسائلَها مع الأرض والعدوّ في (شيكان)، وانكسرت حين قاتلت كجيشِ دولةٍ تقليديٍّ يقذف بالعدد الغالب في وجه نارٍ حديثةٍ على أرضٍ مكشوفة في (كرري). لم يكن نصرُ شيكان كرامةً بلا فاعل، ولا هزيمةُ كرري لعنةً بلا سبب؛ كانت الأولى ذروةَ ملاءمةٍ بين الخطّة والظرف، والثانية ذروةَ سوءِ ملاءمةٍ بينهما [4][7]. وتلك هي هديّةُ الضابط/المؤرّخ: أن يعيد إلى الرواية السودانيّة عقلَها، فلا يجعلها كرامةً حين تنتصر ولا خذلاناً حين تنكسر، بل، أرضاً، ومدىً، وناراً، وقراراً.
المراجع
[1] عصمت حسن زلفو، شيكان: تحليل عسكريّ لحملة الجنرال هكس، كرري للطباعة والنشر، السودان، 1984.
[2] عصمت حسن زلفو، كرري: تحليل عسكريّ لمعركة أم درمان، جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، 1973.
[3]. Winston S. Churchill, The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan, Longmans, Green & Co., London, 1899.
[4]. P. M. Holt, The Mahdist State in the Sudan 1881–1898, Clarendon Press, Oxford, 1958.
[5]. M. W. Daly (ed.), The Road to Shaykan: Letters of General William Hicks Pasha, Centre for Middle Eastern and Islamic Studies, University of Durham, 1983.
[6]. Hansard, House of Commons Debates — remarks of Lord Edmond Fitzmaurice on the Hicks expedition, 1883–1884.
[7]. Donald Featherstone, Omdurman 1898: Kitchener’s Victory in the Sudan, Osprey Publishing, London, 1993.
[8] إسماعيل عبد القادر الكردفاني، سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي (تحقيق محمد إبراهيم أبو سليم)، دار الجيل، بيروت، 1982.
[9] بابكر بدري، تاريخ حياتي، الجزء الأول
[10] نعوم شقير، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، دار الجيل، بيروت، 1981.
[11] عبد المحمود أبو شامة، من أبا إلى تسلهاي: حروب حياة الإمام المهدي، المطبعة العسكرية، الخرطوم، 1987.
[12] إبراهيم فوزي باشا، السودان بين يدي غردون وكتشنر.
[13] رودولف سلاطين باشا، السيف والنار في السودان (الترجمة العربية).
[14] مذكرات يوسف ميخائيل: التركية والمهدية والحكم الثنائي في السودان (شاهد عيان)، تحقيق أحمد إبراهيم أبو شوك، مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، أم درمان، 2004
