باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 12 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عادل سيد احمد
عادل سيد احمد عرض كل المقالات

كَافُوتَة- 1

اخر تحديث: 12 سبتمبر, 2026 10:05 مساءً
شارك

بسم الله الرحمن الرحيم
شَذَرَات مِنْ تَاريخ وتُراث المَقَل والحِجِيْر
مُؤانسة مَع العَم أحمد الفَضُل
تحرير عادل سيد أحمد

كَافُوتَة الموقع:
كافوتة تقع بين المدارس وطاحونة ود علـــي (علي محمد علي)، وهذه المسافة تقريباً تساوي كيلومتر واحد أو أقل. تحدُّها من الناحية الشمالية المدارس ومن الناحية الجنوبية طاحونة ود علي. ومن الناحية الشرقية بعد البيوت فوق درب الجمل الذي صار يُسمى الآن (درب العربات).
وهذا الكلام قديم في الخمسينيات وبداية الستينيات، وعندما نأتي إلى الأحداث الراهنة ستتغير الحكايات.
تبدأ الأراضي الزراعية، وهي خاصة بالزراعة الموسمية لمحاصيل الذرة والقمح، وبعد أراضي الزراعة الموسمية يجيء النخل ثم الجروف فالبحر (النيل).
النيل يكون مرتفعاً في الدميرة، وعندما ينخفض تظهر فيه جزر في المنتصف، وهي جزر رملية تمتد إلى أن تتصل بجزيرة (بَجْبُوج)، ثم بعد ذلك تظهر جزيرة مساوي، وهي مقابلة لنا مباشرة في الضفة الأخرى. ويعتبر هذا هو موقعنا.
جوار كافوتة من الناحية الشمالية مباشرةً تقع (كَلَحِيَّة)، وكلحية تعتبر توأم لكافُوتة، يعني كافوتة وكلحية هما امتداد لبعضهما بعضاً، وعلاقات الناس فيهما مع بعض والصداقات والعلاقات الأسرية متينة، فنحن أهلنا المسوداب القبب في كلحية، أهلنا في كافوتة أولاد عبد الرحمن، وفي كلحية أولاد جدنا عبد الرحيم يعني خلطة، فتجد ناس عبد المطلب وناس شِليعة عندهم علاقات في كافوتة، وعندهم نسب، وكلها علاقات متداخلة مع بعض بعضاً.
كافوتة وكلحية تعتبران عصب المقل والحجير، وهم أكثر المناطق التي ينتشر فيها الوعي في منطقة المقل والحجير. وكنا نسمي كافوتة عاصمة المقل والحجير لأن فيها الإدارة الأهلية، فيها الشيوخ وهي فعلاً العاصمة فأنت تشعر بأن فيها حياة عامرة أكثر من المناطق الأخرى.
الطفولة الباكرة:
كافوتة هي مسقط الرأس، هي المولد هي الأم هي بداية الحياة.
نبدأ في الطفولة نتعلم السباحة بعد المشي مباشرةٍ. وكان عندنا هناك في البلد اثنان يعلمون السباحة وهما ولد عمتنا (عبد العاطي عبد الحفيظ) والثاني ولد عمتنا بت المدني عثمان خلف الله وهو أخ لمحمد علي خلف الله، هؤلاء كانوا يعلمون الناس السباحة.
أما أنا شخصياً فقد تعلمت السباحة كما مشيت، وأنا لا أدري ولا أتذكر أي شيء عن تعلمي السباحة. وقد كانت هذه ظاهرةٌ نادرة، يعني تعلمت قبل أن يتعلم الناس الكبار، مثلاً قبل أن يتعلم عبد العاطي عبد الحفيظ المعلم ذاته، وهو نديد أخينا الكبير.
وبعد أن نتعلم السباحة يجيء دور المدارس.
كانت هناك مدرسة صُغرى في الأوَّل، كل الناس يذهبوا ويدرسوا فيها، ثم جاءت بعدها المدرسة الأوليَّة.
كذلك كانت هناك أنواع من الألعاب التي كنا نلعبها، فقد كنا نلعب طَقْ الدوم، ونعوم نقطع البحر (النيل)، وفي الصيف تظهر رمال في منتصف، فنذهب لنلعب هناك. نطق الدوم، نلعب (قِيْرة)، نلعب الطفَّة، نلعب كَعُوت من ضمن ألعابنا، نلعب الطَّاب. كل هذا كان في طفولتنا.
ومعظم وقتنا كنا نقضيه في البحر (النيل)، يعني نعود من المدرسة فنخرج ونلعب في النيل نسبح ونلعب.
من الأشياء الغريبة أنه كنا عندما تظهر الرمال في الصيف نجري فيها ونلعب فيها الدوم (الكُدَّة والعصا) ونقطع مسافات بعيدة إلى أن نصل جزيرة بجبُوج حيث نبحث هناك عن بيض الوزين (الأَوِز) ونطارد حمد لبد وأبو السعن هناك. هذه كانت لمحة عن أيام الطفولة.
ومن المواقف التي لا تُنسى كان هناك حيوان يسمى (الصِّفِيْرَة) وهي أنثى التمساح وطويلة كنا نجدها متمددةً فوق الرمال، وفي مرة كنت واقفاً بجانبها ومقابلاً لها، على مسافة متر واحد تقريباً، حتى أنني فكرت أن أنط (أقفز) فوقها، ولو كنت فعلت لضربتني بضنبها (ذيلها) ولكن أظنها كانت نائمة.
هذا في الأيام الأولى من الطفولة، قضيناها هكذا إلى أن أصبحنا شباباً وانتهينا من فترة المدارس.
الصيد:
قبل قليل تكلمت عن الألعاب التي كنا نلعبها في الحلة (الحي) بالنهار. نلعب الطفَّة بالليل، نلعب كَعُوتْ في الليالي المقمرة، ونتسابق. لكن كان عندنا نشاط مهم، من الممكن أن تسميه الصيد، فقد كنا نصطاد بطريقتين: بالشَّرَك، نصطاد الطيور، والطيور ذاتها أنواع. وأيضا نصطاد بالجَبَّادة (السنَّارة) وهي طبعاً لصيد السمك. وسأتكلم عن صيد السمك في فقرة، وعن صيد الطيور بالشَّرَك في فقرةٍ أخرى.
في الصيف حين يكون النيل قد نزل وابتعد فيكون السمك الكبير غير موجود. كانت هناك في ذلك الزمن سمكة اسمها السِّلبَاية (الشِّلبَاية)، السلباية طبعاً رأيتموها، لحمها حلوٌ جداً وطعمها لذيذ.
هذه السلباية عادةً ما تكون قريبة من شاطئ النيل، وهي ذاتها نوعين: السلباية الصفراء الصغيرة والسلباية أم سنكيت. وأم سنكيت هذه كبيرة وسمحة. وفي الصيف بالذات نَكُر (نسحب) بالتوب. وكنا نأتي بالسمك الصغير (الصِّير) لنربطه في الجَبَّادة. والجَبَّادة عبارة عن خيط طويل فيه سنارات، والسنارات طبعاً معروفة للكل.
ثم يجيء الوقت صيد السمك الكبير بعد البحر (النيل) يبتدئ يرتفع على الجروف، وعادة يكون فيها فضلات البقر، بقايا الحشرات، بقايا الزواحف الصغيرة، فالسمك يكون قريباً في ذلك الوقت، فنصطاد السمك الكبير. ونستعمل الجبابيد ونرميها، وكنا نصطاد أنواع كثيرة جداً من السمك، نفس السمك الموجود الآن لكن بأسماء مختلفة. نصطاد أولاً سمك الدشكوك، والكَانْكِيل وهن متشابهات تقريباً. الدشكوك يسمونه هنا بالكَبَرُوس، وإذا اصطاد أحدنا من هذا الدشكوك فذلك يعني إنه اصطاد سمكة كبيرة جداً يعني. ثم نصطاد الكنكيل، ونصطاد الكُور، والكور حيوان ضخم، طويل وأسود وقبضه دائماً سهل فهو ضعيف ويكون موجوداً في الحَجْرَة. ثم سمكة البقرة، وكانت صيدها نادراً جداً وهي قوية جداً فإذا أمسكت بالجَبَّادة لتجرها فيجب أن يكون ذلك بأسلوب معين حتى تقدر أن توصلها للقيف أو تقطع هي الجَبَّادة. وسمكة البقرة يسمونها الآن (العِجِل) لكننا كنا نسميها البقرة. وكنا نصطاد الدَّبِس، والدبس أيضاً نوع معروف من السمك، ونصطاد أيضاً أم درينقة (وهي السلحفاة النيلية)، ولحمها يؤكل وهو لذيذ، ونصطاد البَرَدَة أيضاً وهي مشحونة بالكهرباء وتصقع من تصادفه داخل المياه، وأيضاً سمكة صغيرة الشوك اسمها العَرَّة (البُلطي)، وهناك سمكة ذات ذيل أحمر اسمها (الكاس) ولها أسنان.
وكل هذا نصطاده بعد أن يرتفع البحر، وطبعاً الصيد يومياً بعد الرجوع من المدرسة، ننزل بجَبَابِيدنا هذه وفي مرات نترك الجَبَّادة لتبيت في البحر. فتنهض في الصباح الباكر قبل الذهاب للمدرسة، وتتفقد الجَبَّادة وهل قبضت أم لا.
ولأجل هذا التَّبييت لا بد أن يكون عندنا طُعم جيد للسمك، فكنا نصطاد السحالي، نطاردها ونقبضها فنربطها في السنارة، ونملأ السنانير بالسحالي ثم نرميها في البحر وفي الصباح نجيء لنر ما رزقنا الله به وغالباً نجد الجَبَّادات قد قبضت بعض السمك. هذا عن أنواع السمك وطريقة صيده.
أما الصيد بالشرك، فهو طبعا نفس القصة أيضاً يكون في مواسم، ونصطاد بالدُّودَة ونصطاد بالحَبَّة. فمتى كنا نصطاد بالدودة؟
دائما بعد حصاد الذرة، وبين قَوَام عيش الريف واللوبة (اللوبيا) تجد الدودة في القندول، فتربطها في الشرك، فنصطاد بها طائر صغير اسمه (القيردون). والقيردون يجيء في الشتاء، وفي البداية يظهر القيردون الأصفر. تظهر كثيرة جداً، وبعض الطيور كالسيجة والفِرَّة والمرعة وهو طائر طويل الساقين، إذا كان عندك شركين تضع شرك هناك بالقرب من البقر فيقبض، ثم تذهب لتلحق بالشرك الثاني، فتجده قد قبض هو الآخر، وفي اليوم الواحد يمكنك أن تقبض بين خمسة عشر إلى عشرين طائر. ونشويهم بالشواية وذلك شيء جميل جداً.
غير القيردون نشرك لطائر اسمه الرَّغَاي. نشرك له بالدودة أيضاً، الترتار، الحمراني، أبو شميلي، الرَّهُّودِي هذه كلها طيور نصطادها بالشرك.
بعد القيردونة الصفراء، في النهاية، تظهر القيدونة أم سوميتة. وأم سوميتة هذه قيردونة أليفة جداً تجيء في البيوت، أيضاً نصطادها وهي جميلة جداً.
ونسمي أم سوميتة أيضاً بأم قيردون الحَاجِّي (الحاجة)، ومن المؤكد أنكم قد رأيتم صوراً لها، طائر جميل جداً. وكنا نغني لها ونقول:

  • القيردون الحاجة
    ترعى وتقيف الحاجة
    في ضل الصريف الحاجة
    وفي عيش الريف الحاجة.
    هذا كلام مختصر عن نشاطنا في الصيد، ثم يأتي الصيد بالحبة. والصيد بالحبة عند دَق العيش، وكنت قد حدثتكم عن التَقَاة، وعندما ينظفوا العيش يتبقى بعضٌ منه مشتت حولي التَقَاة. فنشرك للقمري، والقمري يجيء في أفواج كبيرة، بكميات كثيرة جداً. ويحوم حول بقايا العيش في التَقَاة فنشرك له بالشرك. يعني لو قبض أحدنا قمرية كل كذا يوم، فإن ذلك يكونُ أمراً عظيماً. القمري هو الدباس. وليس الأحمر (الحمّير) فهذا موجود على مدار السنة، ونشرك له تحت النيم وفي مراح الغنم ونسميه الحِمِّير وهو متواجد في البيوت. لكن القمرية (أم سُومِيتَة) طائر فخم جداً.
    ويقوقي القِمْري الحمير في سقف البيت في الصباحات وكأنه يقول:
  • أحمدو رَبَّكُم…
    فترد عليه ست الدار وهي تحمل حليلة اللبن (حلة صغيرة):
  • حامدنو وشاكرنو
    إن كان خيرن لينا وليكِ
    وإن كان شر شيليهو في جِنْحِيكِ
    بعد ذلك يجيء موسم القمح، بعد أن يحصد الناس القمح وينظفوه تظل هناك بقايا من الحبوب فيجيء الدَّبَاس. والدباس الأحمر، ودباس التمر أو الدباس أم سُومِيتي (سُوْمِيتة)، يعني هي ترك في رأس التمر، وعندها صوت جميل جداً، أيضاً نصطادها ونقبضها.
    وهذا قليل من كثير وغيضٌ من فيض عن الصيد، ولكن نختصر إن شاء الله، وندخل في الموضوع التالي.

كافوتة الموقع والسُكَّان:
تمتد كافوتة من طاحونة ود علي (محمد ود علي) إلى المدارس أو الساقية نمرة إتنين (2) من الحجير. الساقية نمرة واحد من الحجير هي التماس، فيها سكينجاب، يعتبر جزء منها من كافوتة والجزء الثاني يعتبر من كلحية. لكن نقول كافوتة تمتد حتى المدارس.
وسكان كافوتة من الناحية الشمالية وهي حسب التفاف النيل تكون الجنوبية، من الناحية الجنوبية. ناس ود طمبل (محمد علي ود طمبل)، هؤلاء هم الطَّمْبَلاب وهو أول سكان في كافوتة. بعدهم الصلحاب، وهم ناس (خليفة وداعة الله) وناس عمنا (فتح الرحمن) ومجموعتهم.
وبعدهم مباشرة تجد أولاد الحاج وهو أخ الفضل، وناس طنبولي وناس الجرجاوي، وناس بخيت ود عبد الله، وأولاد الحاج وهم متخالطين مع بعض بعضاً يعني كلهم أسرة واحدة. كل هؤلاء الناس إما أن تكون أمهم مسودابية أو يكون أبوهم مسودابي من الطرفين في كافوتة. بعد ذلك بعد أن تنتهي من أولاد الحاج تدخل على الكساسيب، وهؤلاء الكساسيب هم طبعاً في الساقية نمرة عشرة، يعني في كافوتة وهم أيضاً سكان فيهم ناس عبد العاطي ود جيب الله، وناس محجوب ود حسن. ثم تدخل الساقية نمرة تسعة، ومعظم سكانها من المسوداب وهم أهلنا، أولاد الفضل، وناس خلف الله ود عطا الفضيل، وناس محمد أحمد الفضل، وناس ود ترو (حسن محمد صالح)، وناس زايد:

  • يا سلام، وسنأتي لناس زايد لاحقاً!
    وفوق منه سعد العَنُود ومعهم عمنا خلف الله ود عطا الفضيل وهو رجل شهير. بعد ذلك تدخل على العتامين، ناس عبد الله ود عثمان، وناس سمير الفنان ثم الحداديد آدم الحداد وإخوانه، كلهم من العتامين هؤلاء، الغريبة أنني كنت أعتقد أنهم ناس أجانب لكن هم من أصل البلد وجدهم الفكي توم. بعدهم مباشرة يجيء الشيوخ ناس عبد الرحيم عبدو الكاشف، وأحمد عبدو الكاشف، وعثمان عبدو كاشف وأصلهم من الأراك ولكن جدهم كان الشيخ عندنا، وتزوج حبوبتنا بت المدني وكان سكنهم مكان الخلوة الحالية. في البداية وقد رأينا حركتهم في الأول فقد كانوا يميلون إلى جانب من السُّورجاب من منطقة الأراك، تزوج أبوهم منا (بنت عبد الرحيم المدني)، وسكن معنا، وهم شيوخ البلد. في البداية لم تكن لديهم علاقات هنا فكانوا كثيراً ما يذهبون إلى الأراك، حتى أولاد أحمد عبد كاشف ديل لم تكن لديهم علاقات مع الشباب بالرغم من وجود شباب كثيرين في سنهم، وعبد الرحيم أحمد في سننا ولم نره وهو يلعب معنا ومحمد في عمر ناس جمال الدين خلف الله، وناس الياس عثمان ووداعة عوض هناك يلعبون في الشارع أو ينزلوا البحر لم نره معهم.
    لكن الآن أولاد عبد الرحيم أصبحوا جزءاً من كافوتة، وينتمون إليها وللبلد أكثر من انتمائهم للأراك. أيضاً أولاد عثمان، وأولاد عثمان أمهم من عندنا وهي فاطمة الفضل (حد الريد)، أيضاً نفس الحكاية ينتمون لكافوتة أكثر.
    بعد ذلك يجيء أولاد الفكي الفكي ود آدم، وعيسى ود آدم والفضل ود مهيدي ومنهم حسن الشيخ والد سعادة اللواء طه. وفي نفس المنطقة أولاد الشفيع، أحمد الشفيع وإخوانه وهم أحفاد إساحق اللحاق.
    نتقدم قليلاً فنجد الدناقلة، نحن نسميهم الدناقلة وهم ناس عمنا الحسُّوني، وعلي ود عبد الله، العوض ود عبد الله، وناس الكيك، هؤلاء كلهم ليسوا دناقلة في الحقيقة، هم ناس عندنا لكنهم هاجروا من منطقة قريبة من ديار البديرية، وهم أساساً بديرية، هاجروا من زمن بعيد وأصبحوا شايقية، والآن هم مشلخين شلوخ شايقية وأمهاتهم كلهن مشلخات شايقية، وكل هؤلاء الموجودين شايقية ولا يقدر أحد أن يقدح في ذلك، لأن الشايقية أرض وليست مجرد اسم.
    بعدهم مباشرةً يجيء ناس جدنا ود فحل، وناس ود فحل عائلة كبيرة جداً، ثم أولاد عبد الرحيم ود صالح، عبد القادر وعلي ثم أولاد أبنعوف، محجوب وإخوانه، بعدها تجيء بقية المجموعة إلى أن تصل إلى المدرسة.
    هذه هي مجموعة كافوتة، لو أخذنا منها جزء من الجماعة التي تسكن حول المدرسة، ناس عمنا خلف الله، والبابكراب، وبعدهم جزء من السكينجاب أيضاً.
    هذه هي كافوتة الأرض والسكان. وسأكلمك عن المجتمع فيها، والترابط بين أهلها، وكيف كنا نحن الشباب.
    شباب كافوتة:
    نحن كشباب في كافوتة كنا وحدة واحدة، فأنت لا تفرز ابن العم من ابن الخال من الأخ من الصاحب، حياتنا كلها نلعب فوق وننزل تحت للبحر نعوم فيه، ونصطاد السمك والطيور، نشارك في المناسبات، وإذا كانت هناك حفلات نحضرها.
    نحن كمجموعة من أبناء جيلي كان بيننا واحد قائد اسمه القطبي إدريس، وكان مغلبنا غلبة شديدة جداً، كان صاحبي وعلاقتنا متينة، هو أكبر مني، وعنده قصص كثيرة جداً، وكنا عندما نسمع بعرس في المقل أو مناسبة فرح، وأنا كنت أكره هذه المناسبات كراهيةً شديدة، وما أن يتبقى على العرس أسبوعين تقريباً نسمع بالنقارة دقت، ويقول الناس:
  • خلاص، عرس ناس فلان في المقل قرَّب!
    وفي هذا الأسبوع الأخير، تبدأ الحفل، فيصر القطبي، وقد كان في الرابعة عشر من عمرة، أكبر منا بسنة أو سنتين، يصر على أن نذهب للعرس. ودائماً ما تكون معظم الأعراس بعد حصاد القمح، في الصيف أو جزءٍ منه، يعني القطبي عنده توب (ثوب) دائماً ما يلبسه ويتطاير في الهواء، ويتقدم أمامنا ويصر على أن يغني:
  • سألت العلما والمتعلمين
    البقلبو النحو يبقو مترجمين،
    سألت العلما لا ناس الضبيلان
    وسأَلْ سيدي الحسن ود سيدي عثمان!
    ونصفق ونحن نسير وراءه لمسافات طويلة، فنمشي مثلاً من كافوتة إلى المقل.
    ولم تكن عندي أي رغبة في أن أشارك، فأذهب وأجلس على حائط، أتكل عليه، وأنوم. وعندما تنتهي الحفلة، واصحى تعب جداً بعد أن أكون نائماً، وأسير معهم إلى أن أصل البيت.
    وكان القطبي صاحباً مقرباً لي جداً، شقي شقاوة الأطفال، ولم يدخل مدرسة، وقد قرأت لواحد من أولاد حبوباته (جداته) أولاد أمهاته كان قد كتب عنه وعرض له صورة، وأسبغ عليه وصف (شيخ فلان)، وافترقنا لأنه ذهب لإخوانه في كسلا وهو من أسرة دينية وأبوه شيخنا إدريس ود عامر الشهير الذي له خلوة علمت أجيال من أهلنا، ولا أستبعد أن يكون القطبي هذا قد تعلم فيما بعد عن طريق مجالس العلماء، وكان يعمل مزارعاً، وأنا كنت في الدراسة ومقيم عند عمي، وطول اليوم أكون مرافقاً له في الزراعة، هو صغير وعنده زراعة كالألعوبة، وعنده بقرات وهو الأروتي بالإضافة لكونه المزارع، وأعطاني حوض كنت دائما أزرع فيه عيش الريف والخضروات وكنا نذهب نُبيِّت جبابيدنا مع بعض أنا وهو، وأنا طبعاً أذهب للمدرسة وهو يذهب ينزل البحر في الصباح، وعندما أعود من المدرسة يخبرني بأن جبادته قبضت سمكة، وتركت لك نصيب منها في البيت.
    وفي يوم شككت بأن السمكة لا تقبض في جبادته هو، وإنما يأخذها من جبادتي أنا. وفعلاً ذهبنا في يوم الخميس بيِّتنا الجبابيد، وفي صباح الجمعة قلت له:
  • نمشي البحر بدري لنرى الجبابيد!
    فسبقني أيضاً، المهم مشينا، وعندما لحقت به، طلب مني أن أسونق (أسحب) الجبابيد وأخرجها من الماء، جبادته وجبادتي، فأمسكت جبادته وكانت في البداية مرخية، وبعد قليل جاءتني سمكة تعبانة طبعا لأنها كانت بايتة وملأى بالماء، فأخرجتها ولكن انتابني الشك لأن من المفروض أن تشد هذه السمكة الجَبَّادة بقوة، وقلت هذا يعني إن هذه السمكة أُخرجت ثم أُرجعت مرة أخرى، وأُلقيت في البحر، ولم تتحرك، لذلك لم تقدر على أن تشد الخيط، وفتحت فمها فوجدت فيه ثقباً آخر، مما يعني أنه كان فيها شوكة أخرى (سنارة) هي سنارتي، فقبضته بالثابتة، وقلت له:
  • والله هذه السمكة كانت قابضة في جبادتي، إنت يا زول، يا زول أنت ملعون! يا أخي لا تغشني.
    وعلى العموم مرت الحادثة، وفي مرةٍ أخرى ذهبت إلى المدرسة ورَجعتُ، وكنا قد بيَّتنا جبابيدنا أيضاً، فقال لي:
  • يا أخي فلتذهب معي لبيتنا، فقد قبضنا سمكة كبيرة.
    وفعلاً ذهبت معه، وكانت أمه تحبني جداً، فأعطتني قطعة من السمكة أكلتها، لكنني شككت فيه أيضاً، وكانت عماتي بنات عبد الجليل يذهبن في الصباح الباكر ينزلن تحت لحش القش قبل أن ينزل القطبي للبحر، فسألت إحداهن، ست زينب أو نفيسة لا أذكر، سألتها وقلت لها:
  • هل كنت البارح (أمس) قاعدة في البحر؟
  • آآي (نعم).
  • من أي جبادة قبض القطبي السمكة؟
  • من هناك.
    وأشارت ناحية جبادتي.
    هو صاحبي وعزيز عليَّ ولم أره منذ زمن طويل والآن أنا مشتاق لرؤيته.

الزراعة والمحاصيل الزراعية:

تنقسم فترة زراعة المحاصيل أو أنواع الزراعة إلى ثلاثة مواسم.

  • الذرة:
    وبنسميها المَرِيْق. وبعد قطع المريق يقوم في محله (البُتِّقْ). ويصلح (البُتِّقْ) علفاً للمواشي والبهائم وهو مفيد جداً. وخلال مرحلة (البتق) وفي محله يزرع الناس اللوبي (اللوبيا). واللوبي أيضاً يصلح علفاً للماشية، ومن حبوب اللوبيا تصنع البليلة (بليلة اللوبيا الخضراء). وللبليلة أغنية جميلة جداً:
  • البليلة أم ملحاً نظيف
    حبة لوبة وحبة عيش ريف
    اليشوفك يحرن يقيف
    يا حَلاتِك في الشلاليف
    وهي قصيدة طويلة لا أحفظها كلها.

عيش الريف (الذرة الشامية):

بعد اللوبي يزرع عيش الريف (الذرة الشامية). وهي كلها مراحل بعد الذرة وهي نبات شتوي.
الذرة الشامية لا تزرع كثيراً، ومع ذلك هناك إنتاج لها يستفيد منه الناس ويشووا القندول في محرقة من الفحم، ويمكن أن يسلقوه في الماء المغلي، وبعض الناس يصنعون من الذرة الشامية عصيدة وهي لذيذة جداً خاصةً مع الروب (اللبن الرائب)، وتعُوس الناس منه قُرَّاصة.
وموسم الذرة يبدأ من يوم 15\7. الفترة قبل 15\7 طبعاً هي فترة الصيف (Dormant season)، وقد تكلمت عنها، وتبدأ من شهر 3 لحد 15\7 وفيها لا تكون هناك أي زراعة، ويكون النيل قد نزل وشرد بعيداً بحيث إن الساقية لا تقدر أن تسحب الماء من تلك المسافة البعيدة. ولكن طبعاً حلت هذه المشكلة بوجود الوابورات، والموتورات الحاليةوالكهرباء.
على العموم يبدأ موسم الذرة هذا فيبتدئ الناس يصلحوا الأرض ويقسموها لحيضان ويحفروا فيها حفر صغيرة (اسمها النَّقْحَة)، ثم يرموا العيش في عملية اسمها (رمي العيش) في تلك النقحة ويقفلوها، ثم يسقوا الحيضان.
زراعة الذرة العادية تستمر تقريباً إلى شهر نوفمبر بعد ذلك تنضج قناديل الذرة، في الأول يقولون لك إن الذرة بدأت تفتح القندول، ويكون أخضراً، وبعد قليل يعمل حب بعد أن يلبن فيصبح حبة مكتملة. خلال هذا الوقت تتوقف السقيا عنه، ثم يبدأون حصاده. ويحصد بطريقة معينة تقطع فيها سيقان الذرة كلها من الأرض. ثم تُرَص في جنبات في نهايتها القندول. وتجيء النساء فيقطعن القندول. فالرجال هم الذين يحشون والنساء هن من يقطعن القندول ويجمعن القناديل كلها، إلى أن ينتهين منها يجمعنها في جوالات فيذهبوا بها إلى مكان اسمه التَقَاة. والتَقَاة مساحة من الأرض دائرية كبيرة جداً، تنظف وتسقى ثم تدك. (ولا أعرف ما إذا كانت تدك بالماء أم تدع ليجف الماء فيها). وتبلط كما البلاط الذي تُجلَّد به الحوائط والسقوف بروث البقر.
بعد أن تجف التَقَاة تنظفها النساء بالمُقشاشة (المكنسة البلدية وتصنع من جريد الدُّوم -الحَنْقُوق)، ثم يأتوا بالقندول كله فيضعوه في تلك البَرَازَة. بعد ذلك تُدق بالعصي، فتدق النساء تلك القناديل الجافة ليفصلن منها الحبوب. ثم يَضَرُّوا تلك الحبوب (أي يعرضنها للهواء). وفي ذلك الوقت بالذات يهبُّ هواءٌ معين، فتنفصل الحبة من جسم القندول. بعد ذلك يجمع، فيلموا حبوب الذرة في جوَّالات، وتُرَص ليستفيد منه الناس.
في الضفة الشرقية عندنا نسمي الذرة بالمريق. والمريق هو أفضل أنواع الذرة. تقريباً هو أفضل نوع ذرة في السودان كله. ولو أتى أهلنا بذرة من الجزيرة كجزيرة (بَجبُوج) التي كانت تنتج الكثير من الذرة، ولكننا لا بنحبها بل نحب الذرة من الشرق هذه. بل كل الناس يحبونها، ولكن إنتاج المريق ليس بالكثير، ومن المحتمل ألا يكفي كل الناس، في هذه الحالة فإنه يلجؤون إلى الذرة من تلك الجزائر، ولو كان عند ناس ما يكفيهم، فلا يزيدون عليه. وفي حب الناس للذرة هناك قصة جميلة جداً. وهي أن الفنان النعام آدم سئل في برنامج تلفزيوني:

  • لماذا لم تغنِ لمايو (يقصدوا نظام نميري)؟
    فقال لهم:
  • يا أخي أنا المايو في العيش بآكله.
    وفعلاً، الناس عندنا لا يأكلون الذرة (المايو).
    باختصار تكلمت عن الموسم الأول (موسم الذرة) ومعه موسم (الذرة الشامية) و(اللوبيا) في تلك الفترة. لكن الموسم الأهم والأصعب هو موسم القمح. لأن القمح يعتبر هو المحصول النقدي بعد البلح (Cash Crop).
    وتحتاج زراعة القمح لتحضير مكثف، لأنه موسم صعب جداً، وأي تراخِي أو تكاسُل في أي مرحلة من مراحله تضيع الموسم كله، وضياع الموسم يعني أن هناك مجاعة ستحل على الناس.
    لذلك هذا القمح، منذ أن ينتهي موسم الذرة الشامي واللوبي لا بد أن تكون الأبقار التي ستسوق الساقية شَبِعَة ومُسَمَّنة جيداً.
    بعد ذلك يحضر الناس حبال الساقية ويراجعوها من الأول. أي حبل يعيدوه، ويغيروا الحبال القديمة لتكون الساقية قوية، ولا تكون عرضة للتوقف، حبل فايت، أو انقطع أو ما شابه ذلك، تجد الناس جالسين تحت ويدقوا الجريد ويدقوا العرجون ويفتلوا الحبال كلها ليحضروها للساقية. بعد أن تجهز الساقية تماماً، يتجهوا لتحضير الارض.
    وأول اعتبار إن أرض القمح ليست كأرض الذرة وعيش الريف واللوبي، وهي الأرض الخصبة التي تمتد من البحر إلى (درب التُرُك ) أو بعده قليلاً. يعني أثناء ما أنت تقرع ترى الساقية أمامك هناك، أو الأروتي (الشخص الذي يركب فوقها). والعمل ليس صعباً أبداً يعني.
    والقمح يزرع في منطقة اسمها الكَرُو، تقع على مسافة بعيدة، وجدول الساقية ذاته يكون بعيد جداً ويحتاج إلى حراسة، وهو يمر من الساقية من تحت ويتعدى منطقة زراعة النخل ومنطقة الذرة وعيش الريف واللوبي، ثم ينحدر الجدول إلى يصل منطقة الكرو. والكرو قريب من درب الجمل أو درب العربات.
    أرض ليست خصبة كما الأرض الفوق البحر مع إنها صالحة. لأن القمح إذا زُرِع في منطقة خصبة وبعد أن يرتفع قليلاً، يكثر فيه الورق، فيقع فوق بعضه بعضاً فيعفن، فلا ينفع حتى لو مَتَّقُوه (أي قطعوا منه بعض الورق لتخفيف الحمولة على الساق).
    لتحضير الأرض يجب أن تقلب، وبعد ذلك تختلف الطريقة عن زراعة الذرة، فيشتتوا حبوب القمح. في المريق يضعوا الحبوب في حُفر. لكن القمح لا يوضع في حفر بل يشتتوه في الحوض، والحوض يجب أن يُقلب كله، وشغله ذاته صعب للشباب أو الناس الذين يحفرون ليقلبوا الحيضان، ويفتحوا جداولهم، ثم تبتدئ الساقية تشتغل.
    وإذا كانت الساقية تسقي لإثنين، فكل واحد بيكون عنده نصف، فهناك الفَجْرَاوي والعِشَّاوي، والفجراوي يبدأ منذ الصباح من الفجر إلى الساعة الثانية عشر ظهراً، والعشَّاوي يبدأ من الساعة الثانية عشر حتى الليل. وتقسَّم المياه حسب ما يملكه المزارع من أرض، يعني كنت تأخذ الربع فلك ربع المياه، وهكذا…
    لا بد أن يُسقى القمح كل مرة ثلاثة أيام، يعني بعد أن سقيته المرة الأولى السقية الثانية واسمها (التيلان) تكون بعد ثلاثة أيام، إلى أن يرتفع القمح رغم إنه يكون في الكرو، لكن هناك شيء هام جداً وهو المَارُوق (السماد البلدي) يعني رغم إن الأرض ليست خصبة تماماً لكن لا بد من إضافة الماروق لتقوية ساق القمح وجعله مستقيماً.
    بعد إضافة هذا الماروق، وفي حالة إن القمح أنبت ورق كثير، فيمتقوه. فيقطعوه من فوق لكيلا يقطعوا القلب، وذلك حتى لا يميل الساق من ثقل الورق على الأرض. وتستمر المراحل إلى أن تظهر السنبلة. والقندول للعيش وعيش الريف، والسنبلة للقمح، تظهر السنبلة فدتخل مرحلة شيل الموية (أي إن الحبة تمتلئ بالماء)، وإذا لم تحرص على سقاية القمح وحراسته، وعطش (بعد أن يشيل الموية) تنطفئ الحبة ويفسد محصول القمح كله. لذلك الناس يسوقون الساقية ليل نهار، إلى أن تجيء مرحلة النضج. ويترك ليجف وهو عاري ويصفر من بعد الاخضرار، وحشه ليس كحش الذرة، ففي الذرة يقطعوا الساق كله من تحت، ولكن في القمح يقطعوه من المنتصف ومعه السنبلة. يقطعوا البتاع من النص ومعاها السنبلة فلا يقطعوها. ويربط في كتل، وحدات وحدات تسمى (الرِّيسِين) وبعد ذلك يربطوه لينورقوه في البرازة. والبرازة مخصصة للقمح وهي تشبه التَقَاة الخاصة بالذرة الشامية. والبرازة تكون نظيفة ومجهزة ويشتتوا هذه الريسين (رُبط سنابل وسيقان القمح) ويفرتقوها (يفكوها) فوقها.
    ومساحة البرازي نفس حجم التَقَاة، وهي أيضاً دائرية وكبيرة جداً، ولكن فيها عود في مركزها يربطوا فيه البقر، وبعدهم الحمير.
    ويبدأ الناس من بدري، من بعد صلاة الصبح، يطاردوا تلك الحيوانات ويطاردوهم ويطاردوهم ليمشوا فوق السنابل في البرازة، في الأول تكون عالية جداً والمشي فيها صعب إلى أن يهرسوها. بعد الهَرْس، ويواصل الأولاد في المطاردة للحيوانات حتى حوالي الساعة الثانية منتصف النهار، إلى أن تتفتت السنابل وتصير كلها (تِبِن)، فلا تُرى حبة القمح.
    ثم تجيء الضرَّايات (النساء اللائي يضرن بالطبق)، والطبق ذاته مصنوع من سعف الدوم أو النخيل. تحمله المرأة وتعرضه للهواء فتنفصل حبة القمح من التبن، وتنزل الحبة في هذه البرازي. بعد ذلك يُجمع، إلى أن يصير أكواماً ثم يعبأ في جوالات. وسأتحدث عن كيفية توزيعه لاحقاً.
    هناك من يعبئه في الجوالات، ولكن إذا لم تكن عندهم جوالات تكفي، أو نحن بالذات، جدنا كان عنده قساسيب كبيرة جداً. أمام بيت جدي أحمد كانت هناك ثلاثة قساسيب، ضخمة جداً، أعلى من رأس البيت (السقف)، وكنت أسميهم (الصوامع) وهي فعلاً كصوامع القمح الموجودة في بورتسودان. وكانت واحدة للقمح، وواحدة للبلح، وواحدة للعيش (الذرة)، وفيهم فتحة في الأسفل. بعد ذلك يعبا في الجوالات أو يوزَّع في القساسيب كما قلت لك، وينتظر الناس أن يبيعوا منه، ويأكلوا منه. وهكذا يستمر الحال في موسم القمح.
    سأتكلم أيضاً عن التَقَاة والبرازي، لأنهما يحتاجان لفقرة منفصلة.
    وأريد أن أكرر الكلام عن القمح لأنه أهم موسم مربوط بحياة الناس، تبدأ المرحلة الأولى بتحضير الأرض، يقلبوا الحوض، ثم يشتتوا حبوب القمح، بعد ذلك يسووها لكي يعم القمح المشتت كل الحوض، وليس كالنقحة في زراعة المريق الذي يقوم حفرة بعد حفرة. ثانياً: هو ينبت كله مجموعة كالقش، ويرتفع. بعد المرحلة الأولى وبعد أن يرتفع ويخضَر، يرفعوه في هذه المرحلة فيحضروا له السماد، هذا السماد اسمه (الماروق)، ويحضروه عادة من زريبة الحمير أو الغنم، تعب شديد جداً، وينقلوه بالحمير ويشتتوه تحت عيدان القمح، وهناك نوع آخر يحضروه أيضاً اسمه سماد الخلاء وأيضاً هي نوع من الماروق، يأتوا به من الخلاء حيث يحفروا حفر يستخرجوا منها هذا التراب الأخضر ويوزعوه تحت القمح، وما أن يخرج القمح السنبلة تضرب عليه حراسة لصيقة جداً، وعندما يشيل الموية لابد أن يكون المزارع واقفاً عليه، الحبة تشيل الموية، والمزارع يسقى القمح، وهذه الفترة تسمى (وحم القمح) وهو كما عند النساء اللائي يتوحمن، فتجد الواحدة منهن تعبة طوال الوقت، والقمح أيضاً يتعب إذا لم تتم رعايته، ولم تحضر له المياه، وخلال هذه الأيام، بالذات، تكون السواقي شغالة فجرية أو من بعد الصبح إلى الساعة الثانية عشر فلو شعر الزارع إن الماء غير كافي يجيء بعد العشاء ويربط بقره، ويشغل الساقية حتى الصباح، وكان عندنا (الأَرْوَتِّي)، والأَرْوَتِّي هو الولد الذي يجلس خلف بقر الساقية ويزجرها باستمرار حتى لا تتراخى وتخف حركتها فيقل الماء، ولابد أن يكون زول صاحي وعادة يكون شخص مستأجر من غير أهل الساقية، وحكي لي أحد الناس وقال لي:
  • أهلك كانوا يكْرُوني ويعطوني خمسين قرشاً لكي أعمل عندهم.
    بعد أن يكون القمح قد (شال الموية) وبدأ يقوي ليجف، في هذه الفترة تهب (رياح أمشير) وفيها هواء يجفف الحبة، والناس عادةً يكونوا مبسوطين منها، بعدها تجيء رياح (جاد الخال) التي ينشف (يجف) القمح بعدها ويصير جاهزاً للحصاد.
    وكان للأروتي هذا أغنية، يرددها وهو جالسٌ فوق الساقية دي وتعبان تعب شديد جداً، يقول فيها:
  • متين يا الله جاد الخال تجينا
    ونَحَدِّر طواقينا
    ونَجَدِّع طوارينا
    ونقول لعنة الله على الكان كارينا
    يدخل موسم الصيف، وموسم الصيف طبعاً موسم أعراس، وهو موسم جميل. الناس بعد أن يحصدوا القمح تتحسن صحتهم، وتبدأ حفلات الأعراس، ومن يريد أن يطهر (يختن) يطهر، ومن يريد أن يعرس (يتزوج) يعرس، كل ذلك بعد حصاد القمح وبعد أن يبيع القمح، فكما قلت لك إن القمح محصول نقدي حر مع البلح، وتجيء فترة الصيف وهي فترة جميلة جداً وهي موسم الراحة ولا عمل فيه، وتكثر فيه مناسبات الأفراح.
    الفرق بين التَقَاة والبرازي:
    سأتكلم عن الفرق بين التَقَاة والبرازي.
    والناس عادة يخلطون بينهما. فهما الاثنين في حجمٍ واحد في شكل دائرة. هذه الدائرة كبيرة جداً، قطرها كبير، وتشمل عدة حيضان.
    أولاً: التَقَاة:
    بعد أن تسقى الأرض وتثبت تأتي النساء فيبلطنها كما تُبلط الحيطان في البيوت، البلاط كله يكون طبعاً من الزبالة. تتماسك هذه الزبالة لدرجة أنه لو صبَّ فوقها المطر فلن يؤثر فيها. بعد ما تنشف (تجف) وتأخذ مدتها الكافية، تجيء النساء وينظفنها بالمقاشيش، ينظفوا ويشتغلن لمدة طويلة جداً، يزيلن منها الأوساخ إلى أن تصير كالبلاطة، وهذا ضروري لأن الحبوب ستوضع فوقها، وتنتهي هذه المهمة الشاقة من كنس ونظافة التَقَاة.
    بعد ذلك ينزلوا فيها قندول الذرة ويضربنه يدويَّاً بالعصي، وهو عمل ليس بالسهل. ويستمرن كذلك إلى أن تنفصل الحبة عن القندول.

البَرَازة:

بالنسبة لنا كشباب وأطفال، بعد أن ينتهي الناس من حش القمح وربطه في ريسين، في وقت جفافه، يضعون فوق البرازي (مساحة دائرية) جزءاً من بقايا سيقان القمح، وبعض رَوَث البقر، ثم يسقوها ويسقوها بالماء لمدة ثلاثة أيام. وبعد ذلك، في اليوم الرابع، يواصلوا السقي إلى أن تختلط هذه المكونات مع بعضها وتتماسك مع الطين وتترك لمدة يومين أو ثلاثة يوم. بعد هذه الثلاثة أيام يأتي دورنا نحن كشباب. وهو أن نلعب فيها لعبة (حَرِّينا)، وهي من أجمل المواسم عندنا وأجمل اللعبات. وكنا ننتظرها انتظاراً.
بعدد المغرب، نتقسم إلى فريقين في كل واحد ستة أشخاص، فريق هنا وآخر هناك، وفي بعض الأحيان نقيم مباريات مع أولاد يجيئوا من هناك ويتباروا معنا لكن في بعض المرات نتقسم لفريقين نحن أبناء الحي. وكل فريق عند فرد منه يمثل العروس، يجلس وأمامه الخمسة الباقيين، ومواجه لهم الستة لاعبين من الفريق الثاني، فيعترضوهم، وكل يمسك رجله وينط برجل واحدة (وتسمى هذه الحركة بالشدة). ويحاول العروس أن يتخطى بأي طريقة، أفراد الفريق الثاني ليصل إلى الجانب الآخر واسمه (الميس)، وأن تصل الميس فقد انتصرت أما أذا قبض الفريق الثاني على العروس فيكون الأول قد هزم، وكل الصراع يدور لحجز الفريق من الوصول للميس. أما إذا قبضت العروس فيعني الهزيمة، ويأتي الدور على الآخرين. ونستمر نلعب، نلعب، ونلعب ولا نكتفي من اللعب حتى الليل. وفي مرات نتقسم إلى مجموعات، بحيث يلعب الصغار والكبار يتفرجون. ومن أثر لعبنا فوق البرازي تدكك، وتدكك، وتدكك لقرابة الأسبوع ونحن نلعب في هذه البرازي. فهذه البرازات كانت محددة عندنا، فعندنا برازي بيقولوا عليها:

  • هذه برازة جدي بساقية ود الفكي.
    ولكن هذه لم أشهد فيها لعباً بالمرة، وهي ذاتها كانت في منطقة صخرية، أو يبدو لي أن الصخرية كانت مساعدة في ألا تحتاج تلك البرازة لتدكيك كثير. وقد شهدت النوريق فيها وأنا صغير.
    بعد أن تدكك البرازي، كما قلت لك، يأتوا فينظفوها بنفس الطريقة التي ينظفون بها التَقَاة. ثم يضعوا عموداً في المنتصف، ويحضروا القمح مروبط في شكل كتل، كليقات…. كليقات، كتل يسموها (راس قمح)، ورؤوس القمح يشتتوها ويملؤها كلها، ثم يربطوا فيها تور (ثور) قوي، ومعه أكبر عدد من البقر تربط بعده، ثم بعدها تربط الحمير. في النوريق، نحن ننهض منذ الصباح الباكر، ونجري ونجري وراء البقر والحمير يكونوا إثنين أو ثلاثة ولا بد أن تنهر (تهش) لتسير مع بعضها بعضاً فوق البرازة. وفي البداية تكون كميات (روسين القمح) منفوشة، ولكنها تنكمش رويداً رويداً عندما يهرسوه. وهذه العملية اسمه (النوريق)، وهي صعبة جداً.

amsidahmed@outlook.com

Author
عادل سيد احمد

عادل سيد احمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
كلمات سودانية معجمية مهجورة في لغة الكتابة (٣)
منبر الرأي
العودة لنظام مجانية التعليم العام الخطوة الأولى نحو الإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية!!!
منبر الرأي
مسرح البرهان وجمهوره
منبر الرأي
ترمب يحمر للبرهان ويهدده بالكيماوي ؟
منبر الرأي
الحرب الاقتصادية اشد فتكاً وضراوة من الرصاص !

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

( 30 يونيو 1989) .. بقلم: صالح فرح /أبوظبي

طارق الجزولي
منبر الرأي

ثورة حدثت بغتة .. وليس لأحد هدف ذهبى .. بقلم: طه احمد ابوالقاسم

طارق الجزولي
منبر الرأي

معضلة الخروج من الأزمة: بين ماضٍ يسكننا ومستقبل ننشده

د. الهادي عبدالله أبوضفآئر
منبر الرأي

نام مفلساً واستيقظ مليونيراً!! .. بقلم: فيصل الدابي

فيصل علي سليمان الدابي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss