زرياب عوض الكريم
(وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلاً ، ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين).
آل عمران : 145.
نعى الناعي في فضاء الإسفير ، أمس السبت ، وفاة ضابط الصف ، الشاب والمثابر ، في مؤسسة الشرطة السودانية ، الذي شغل من آخر مواقعه ، إدارة الشؤون القانونية في رئاسة شُرطة الجوازات الإتحادية ، المُقدم شرطة دكتور النور شرف الدين النور ، يوم الجمعة ، الحادي عشر من سبتمبر 2026. إثر علة مفاجئة.
كنت قد شَرفتُ بمعرفة الفقيد ولقاءه ، أثناء سفره إلى خارج البلاد قبل نحو عامين ، وتواصلت معرفتي به ، بعد ذلك بلا إنقطاع.
في تلك اللحظات دارت بيني وبينه في أثناء ضيافتي له ، من محطات سفره الخارجي ، أكثر من مرة ، حوارات طويلة عن تاريخ تكوينه المهني في الشرطة السودانية ، قبل أزيد من عقدين ، حين إبتدر مسيرته برتبة جندي ثم رقيب أول ، ريثما يتمكن من إكمال تعليمه العالي و دراسته الجامعية.
ولم يتوقف في مسيرته التي مازت بالصبر والتجرُد وسمو الخُلق إلى أقصى الدرجات ، عند حصوله على شهادة البكالوريوس في القانون ، بل اشبع شغفه بالترجمة في الحصول على دكتوراة الآداب في اللغة الإنجليزية.
وقد إستمعتُ إليه لساعات طويلة ، من الإثراء التوثيقي والسردي ، حول شهادته عن واقع مؤسسة الدولة الشُرطية ، وإمكانية إصلاحها.
فادركتُ فيه صاحب رؤية وبصيرة ومستقبل واسع الأفق ، أعادت إلى نفسي الثقة في جيل قيادي سابق من شاغلي الخدمة المدنية والعسكرية ، الذين لطالما تجاوزوا وتساموا فوق الآلام الطويلة والإشكاليات المريرة التي إعترت مسيرة دولة الإستقلال ، وأفسدت سيرة هذه المؤسسات المعطوبة ، من الشخصنة إلى الفساد المؤسسي.
وقد إقترحتُ عليه مساعدته في الإنتقال إلى دولة قطر ، والإفادة من نقل خبرته المهنية وتطوير شغفه بالترجمة إلى مؤسسة الشرطة القطرية ، وطلبت منه إنتظار جهود أبذلها في سبيل تحقيق ذلك ، إلا أن المنية واقدار الله النافذة عاجلته بالرحيل (المُبكر).
الفقيد الدكتور النور شرف الدين النور ، المُثقف الصامت ، واسع الإطلاع متواضع السمت ، واحد من أبناء ولاية جنوب كُردفان ، البررة والمُخلصين ، الذين إختاروا الإيثار في الخدمة العامة ، في محراب مؤسسة الشرطة ، دون إنتظار مُقابل حقيقي ، وقد ظل إلى آخر لحظاته باحثاً غير زاهد في طلب العلم وسبر مرجعياته.
وقد أذهلني تماسُك تديُنه ، وسمو قناعته الدنيوية الزاهدة في ميدان الأخلاق الخاصة ، في الوقت الذي تحولت فيه مؤسسة الخدمة العسكرية خلال أزيد من ثلاثين عاماً ، إلى مغنم في غير موضعه ، وجزءاَ من دولة الغنيمة التي يتهافت عليها الناس.
كان الراحل في هُمومه الشخصية ، شديد التمسك بتعليم أطفاله ، وحريصاَ على منزلة التعليم في أهله ، وارجوا الله القدير مبتهلاً ومتوسلاً ، أن تتحقق أمنيته في تفوق ذريته بالتذليل والتيسير والتوفيق.
التعازي مبذولة وموصولة إلى أسرته الكريمة ، إلى زوجتيه وأطفاله واشقاءه.
والتضرع إلى الله تعالى أن يلهمهم الصبر والسلوان ، ألا يحرمنا أجره ولا يفتنا بعده.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
زرياب عوض الكريم
- سبتمبر 2026.
northernwindpasserby94@gmail.com
