باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 19 سبتمبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي عرض كل المقالات

كَجَّنْتُ دي الحارَة

اخر تحديث: 19 سبتمبر, 2026 9:54 مساءً
شارك

كَجَّنْتُ دي الحارَة

بنت الخالة، أختنا زينب بنت ود الحسين — رحمها الله

بقلم د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

أهدي هذا المقال لكل ذوي الأصول، “أبناء السودان داخل وخارج الوطن الحبيب”.

قلّما يكتب الناس عن سيرة أقاربهم. وعندما يفعلون على منبر عام أو تلفزيوني أسمعهم يقولون: “مشاركتي مجروحة”! على العكس، “لماذا الجرح؟ وأنت تقول وتشهد على الحقيقة فتوثق لها؟”. أشجع الآخرين ليكتبوا بصدق وشفافية عن كل ما تختزنه ذاكرتهم من قصص وأحداث وذكريات وأفضال أهليهم وأصدقائهم وأساتذتهم، لأن التاريخ هكذا يُكتَبُ ويُوَثَّقُ. حتى اختلاف الرأي يجب التوثيق له بشجاعة لأجل المراجعة والتصحيح والفائدة للجميع.

مع حدوث وهول هذه الحرب المجرمة الغادرة المدورة، مدمرة الوطن ومشردة السكان من أوطانها، تتجلى أمام المرء وفي ذاكرته معالجات الإنسان لتداعيات مآسي الحياة قديمها وحاضرها، في الحصول على وصفات تخفف آلام النزوح والاغتراب وفقدان الغالي والنفيس بل الوطن كله، مثلما تخفف جرعات البانادول آلام المفاصل وجهد الحمى. يلجأ الإنسان ليترك العنان لمشاعره لكي تعبر حرة بما شاء الله لها من مقالات أو دوبيت أو قصيد، يظل يتداوله الناس إرثاً يخلده التاريخ. فقصة إعدام المستعمر الغاشم للبطل عبدالقادر ودحبوبة، رغم مرارتها وبشاعتها، وثّقت لها القصيدة المناحية المشهورة التي مدحته فيها شقيقته رقية بت حبوبة، فظلت وستظل تمجد شخصه وشجاعته كبطل قومي يفخر به السودان. والقصيدة طويلة تغنى من كلماتها الراحل بادي محمد الطيب، رحمه الله، من قولها:

“بتريد اللطام أسد الكداد الزام
هزيت البلد من اليمن للشام
سيفك للفُقَرْ قَلَّام
ديّم فى التقر أنصاروا منزربين
بالصفا واليقين حقيقة أنصار دين
بالحرب أم طبائق قابلوا المكسين
في وش المكن رقدوا التقول نايمين”

رحمة الله عليه مع الشهداء والصديقين، ورحمة الله على شقيقته.

قبل نشوب هذه الحرب كان السودان بخير، وطناً لم يسع فقط أبناءه بل وسع المهاجرين والعابرين لأوروبا، ووسع الباحثين عن اللجوء أو الاسترزاق من دول الجوار مصر وإثيوبيا وإريتريا وسوريا. كان الاستقرار في أي جزء منه متاحاً للجميع. وأنا في طفولتي أذكر أن لنا من عمنا أحمد حاج العربي رحمه الله، بنتان من ضمن أبنائه الستة، استقرتا مع أزواجهما في مدينة الأبيض إلى أن قُبِرَا تحت ترابها رحمهما الله. وما شاء الله وتبارك الله، فمن الأبناء والأحفاد خلّفتا الأطباء والمهندسين والصيادلة والفنيين والاقتصاديين والزراعيين والتجار، واندمجوا كلهم مع غيرهم من سكان عروس الرمال، فتكونت هكذا الأبيض الجميلة المضيافة بحسن أخلاق وجمال أهلها. ولنا أقارب كذلك كانوا يعملون في النهود وفي لقاوة وشركيلة، وتندلتي والرهد ونيالا، وكوستي والدويم وودمدني وحتى واو البعيدة.

زينب بت ود الحسين، ابنة خالتي، عندما وعيت وشاهدتها كانت امرأة مكتملة ومتزوجة. كانت كأي امرأة سودانية غيرها، وهي في عز شبابها الغض وجمالها يغترب بها زوجها داخل الوطن في بلاد الصعيد. كانت لأول مرة تفارق أهلها وأحبابها وقريتها الوادعة على ضفاف النيل، في زمن الناس غنوا فيه للقطر الناقل الوحيد يشكون من ألم الوداع والسفر (القطر القطر نويت السفر ودعت حبيبي والدمع انهمر، رحم الله سيد خليفة وكذلك عثمان الشفيع للقطار المرَّ، مرَّ فيه حبيبي). ورغم أن اغترابها كان “في الصعيد البعيد وقريب” على ضفاف النيل الأبيض، فقد كان الفرق لها كبيراً مقارنة برحابة النيل (الْعُوْدْ) الذي يشق طريقه في مسيرة قوية ومنعة وجمال، وشطئان له يشهد التاريخ عليها بالخلود ورهبة جعلت الفراعنة يهدون له كل سنة أجمل بنت لديهم قرباناً عرفاناً بعظمته وجزيل عطائه.

الشابة زينب “أختي في ترتيب شجرة العائلة” لم تتحمل أصعب أنواع الاغتراب عندما يكون داخل الوطن نفسه، لأنها غربة تشعر الإنسان بأنه ينعزل منطوياً مسجوناً داخل مساحة جسدية قابضة يصعب الخروج منها. رغم حسن الجيرة والترحاب من نساء الحي عند وصولها، لم تتحمل. فشدها الحنين إلى ربوع طفولتها وشبابها ووجوه لكل واحد منها كان لها معه قصة جميلة أو ضحكة رائعة تفرح أو كلمة حب لا تنساها الذاكرة.

ظلت حبيسة مسكنها الجديد بين أربعة جدران غرفتها، أو أربعة جدران مطبخ المنزل، أو حتى جدران الحوش نفسه الأربع العالية التي تحيط بذلك المنزل الصغير المتواضع المحكم إغلاق مدخله بباب من الحديد الزنكي. حتى الأشجار الصغيرة المجاورة والطيور التي تعشش عليها تختلف أنواعها عن تلك الموجودة في ديار أهلها وجدودها.

فكان لا بد أن تتدفق شاعريتها الفريدة الفطرية في زمن لم تكن قد بدأت فيه النساء في السودان يدخلن المدارس ليتعلمن القراءة والكتابة. لم تكن تعلم أن فراق الأمكنة والأهل والأحباب كان ملهم شعراء كثر سابقين منذ عصر الجاهلية، الذين من روعة قصائدهم أن منها ما قيل كتب بماء الذهب وعُلِّق على أستار الكعبة، فصارت نفسها المعلقات المعروفة ملهمة شعراء وأدباء كثر معاصرين. وفي عصرنا الحاضر نجد في السودان نفسه مئات الألوف من قصائد الشعر الشعبي والعربي الغنائي والمنظوم الذي يصور ويرسم بالكلمات ما تختزنه تلك الدواوين من كنوز ولوحات فنية رائعة معلقة على جدران دهاليز لوعة العشاق ولوعة فراق المكان وحتى لوعة الحنين لزمن كان رائعاً وحنوناً. فمثلاً حمد الريح رحمه الله، فنان السودان الراحل الرائع بصوته العذب الذي يذوب رقة وحنية، غنى لنار البعد والغربة وغنى لوداع المسافرة وللحمام وللرحيل، وأم كلثوم كم أبدعت وتجلت عندما غنت للدكتور الطبيب إبراهيم ناجي جوهرته رائعة تلحين السنباطي “الأطلال” (غربة المحب مع نفسه وضياع كل الحب):

يا فُؤَادِي لا تسلْ أين الهَوَى
كَانَ صَرْحًا مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى
اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلاَلِهِ
وارْوِ عَنِّي طَالَمَا الدَّمْعُ رَوَى
كَيْفَ ذاكَ الحُبُّ أَمْسَى خَبَرًا
وَحَدِيْثًا مِنْ أَحَادِيْثِ الجَوَا

وفيروز: غنت للقدس المحتلة، ومن كلمات الأخوين الرحباني للأوطان والنزوح والفراق، مثلاً مخاطبة الجبل في لبنان بأغنيتها المشهورة التي تتدفق رقة وحنانا:

“يا جبل اللي بعيد خلفك حبايبنا
بتموج مثل العيد .. وهمّك متعّبنا
اشتقنا ع المواعيد .. بكينا .. اتعذبنا
ياجبل اللي بعيد .. قول لحبايبنا
بعدوا الحبايب.. بيعدوا
بعدوا الحبايب
ع جبل عالي بيعدوا
والقلب ذايب
بعدوا الحبايب.. بيعدوا .. بيعدوا”

وشوقي في رائعته لرواية مجنون ليلى:
“جبل التوباد حياك الحيا
وسقى الله صبانا ورعى
فيك ناغينا الهوى في مهده
ورضعناه فكنت المرضعا
وعلى سفحك عشنا زمنا
ورعينا غنم الأهل معا
هذه الربوة كانت ملعباً
لشبابينا وكانت مرتعا
كم بنينا في حصاها أربعاً
وانثنينا فمحونا الأربعا
وخططنا في نقا الرمل فلم
تحفظ الريح ولا الرمل وعى
لم تزل ليلى بعيني طفلة
لم تزد عن أمس إلا إصبعا”،

وعنترة بن شداد ” في معلقته هل غادر الشعراء من متردم:
هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِن مُتَرَدِّمِ
أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ
يَا دَارَ عَبْلَةَ بِالجَوَاءِ تَكَلَّمِي
وَعَمِي صَبَاحًا دَارَ عَبْلَةَ وَاسْلَمِي
فَوَقَفْتُ فِيهَا نَاقَتِي وَكَأَنَّهَا
فَدَنٌ لِأَقْضِيَ حَاجَةَ المُتَلَوِّمِ”.

والحديث يطول في هذا الباب، أختمه بأروع ما قيل في الاغتراب والشوق للمكان (الوطن) في شعر العصر الحديث، قصيدة “وطن النجوم أنا هنا” وإن كانت طويلة، التي قالها الشاعر إيليا أبو ماضي معبراً عن حنينه الجارف في مناجاته لوطنه الأم لبنان، وهو يخاطبه بـ “وطن النجوم” عندما زاره عام 1948 بعد غياب دام خمسين سنة في الولايات المتحدة الأمريكية:

“وطنَ النجومِ: أنا هُنا
حدّقْ، أتذكرُ مَن أنا؟
أَلَمَحتَ في الماضي البعيدِ
فتىً غريرًا أرعنا؟
جذلانَ يَمرحُ في حقولِكَ
كالنسيمِ مُدندِنًا
المُقتَني المملوكُ ملعبُه
وغيرُ المقتَنَى!
يتسلّقُ الأشجارَ لا ضَجَرا
يُحسُّ ولا وَنَى
ويعودُ بالأغصانِ يَبريها
سيوفًا أو قَنا
ويَخوضُ في وحلِ الشّتا
مُتهلّلا مُتيَمِّنًا
لا يتّقي شرَّ العيونِ
ولا يخافُ الألسنا
ولَكَمْ تَشيطنَ كي يَقولَ
الناسُ عنه “تشيطنا”
أنا ذلكَ الولدُ الذي
دُنياه كانت ههنا!
أنا مَن مياهِكَ قطرةٌ
فاضتْ جداولَ مِن سَنا
أنا مِن ترابِكَ ذرّةٌ
ماجَتْ مواكبَ مِن مُنَى
أنا مِن طيورِكَ بلبلٌ
غنّى بمجدِكَ فاغتنى
حَمَلَ الطّلاقةَ والبشاشةَ
مِن ربوعِكَ للدُّنى
كم عانقَتْ رُوحي رُباكَ
وصفّقتْ في المُنحنى؟
للأَرْزِ يَهزأُ بالرياحِ
وبالدهورِ وبالفَنا
للبحرِ يَنشرُهُ بُنوكَ
حضارةٍ وتمدّنًا
لليلِ فيكَ مُصلّيًا،
للصبحِ فيكَ مُؤذِّنًا
للشمسِ تُبطئُ في وداعِ
ذُراكَ كيلا تَحزنا
للبدرِ في نَيسانَ كحّلَ
بالضّياءِ الأعينا
فيذوبُ في حَدَقِ المَهَا
سِحرًا لطيفًا ليّنًا
للحقلِ يرتجلُ الرّوائعَ
زَنبقًا أو سوسنًا
للعشبِ أثقلَه النّدى،
للغُصنِ أثقلَه الجَنَى
عاشَ الجمالُ مشرّدًا
في الأرضِ يَنشُدُ مسكنًا
حتّى انكشفتَ له فألقى
رحلَه وتوطّنَا
واستعرضَ الفنُّ الجبالَ
فكنتَ أنتَ الأحسنَا
لله سرٌّ فيكَ، يا
لِبنانُ، لم يُعلنْ لنا
زعموا سلوتُكَ.. ليتَهم
نسبوا إليّ المُمكِنَا
فالمرءُ قد ينسى المُسيءَ
المفترِي، والمُحسِنَا
واللهوَ، والحسناءَ، والوترَ
المُرنِّحَ، والغِنَا
ومرارةَ الفقرِ المذلِّ،
بل ولذّاتِ الغِنَى
لكنّه مهما سلا
هيهاتَ يسلو الموطِنَا”

رحم الله عميد الفن أحمد المصطفى الذي أجاد في تلحين وغناء قصيدة “وطن النجوم”. وهيهات تسلوا ابنة خالتي زينب بت ود الحسين موطنها الصغير لو كانت لا تزال على قيد الحياة ، وربما كانت في زمنها ذاك تسمع عميد الفن عبر الراديو يغنيها، فماذا بدورها قالت ؟ وعلى لسانها الأمي وفصيح أحاول تجميع ما جاء في قصيدتها التي زادت روعة وحنيناً عندما كانت تغنيها لنا بصوتها الفني الجميل في لحن جداً حزين ومؤثر (والتنوين ورسم الكلمات هنا بهذا الشكل ضرورة كيفما كانت تتلفظ بها شخصياً تلك الشاعرة والملحنة ومغنية في نفس الوقت ):

قَعِتَّنْ حارَّة وطويلة
من الأعمال بلا قِيلَة
متين العودة ليهلنا

وِكْتْ الدور عَلَيّْ صَنَّا
طِرِيت حِبَّان المَحَنَّة
متين العودة ليهلنا

إشتهيت الدَانْقَة ومَقِيلا
والعمارة المتين بنمشيلا
متين العودة ليهلنا

الكريم يا صاحب الجُبَارة
إشتهيت الوالدة وجوارها
أنا كَجَّنْت دي الحارَة
وإلا العِيشَة جَبَّارة
متين العودة ليهلنا

متين يا سيد العقيدة
من دي الصَنَّة الشديدة
زُنْبَة تعود لي فريقا
تجاور ناس أم عزيزة
متين العودة ليهلنا

قعدت براي في خلايا
بقت دموعي جَرَّايَا
فراق ناس فوق شاق معايا
وكيف ما حلحل عُضَايا
متين العودة ليهلنا

ياالله الكريم الحَيّْ
بيعودة البلد تِم لَيّْ
واروح لي نَقَزُو بي كُرْعَيّْ
واشوف ناساً يَهِّفُوا لَيّْ
متين العودة ليهلنا

هنا لا حِبَّان ولا طَلَّة
الكريم بحالي يتولا
وفُرَاكُمْ حار يا أم بَلَّة
ليه اللوم يا أم بخاري
وليه تنقطعي طوالي
وتقولي أمروبة في بالي

غادرت أختنا (زُنْبَة) الدنيا، ونقول إنها محظوظة لم تعش طويلاً حتى ترى كيف خُرِّبَ السودانُ، يحرق ويباع، والحمدلله أنها لم تعش وتر، وليتنا كلنا لم نعش ونر ويلات هذا الهوان والدمار . ذهبت غنية النفس فقيرة الجيب، فلم تترك شيئاً وراءها من مال وولد، ولم تأخذ معها شيئاً سوى كفنها، وذهب معها زمن كم كان جميلاً. كان فيه الاستقرار والرخاء يعمان كل البلاد، وكان السودان مرفوع الرأس وله شأن داخل أفريقيا وخارجها. الآن شعبه يجوع والموت من الجوع والفقر والمرض يهددهم، والنزوح له مالاته العصيبة (فقر، جوع ومرض وموت وتفلتات وإكتئاب ). والمسؤولية الأساسية بدون مجاملة ولا جدال في ذلك تقع على عاتق طرفي الصراع في السودان (القوات المسلحة السودانية وحاضنتها المدللة، الدعم السريع)، وأيضاً المجتمع الدولي نفسه، لأن من مسؤوليته العمل على وقف الحرب، وبسبب عجزه عن ذلك عليه تمويل ما يحقق توفير الإغاثة الإنسانية الفورية وبشكل كافٍ. والأهم أولاً وآخيراً على مستوى طرفي النزاع: وقف الحرب فوراً وفتح المجال لحكم مدني رشيد يكونه الشعب الواعي بنفسه واختياره

ختاماً بعودة للعنوان أعلاه:
فإذا كانت أختنا زينب قد كَجَّنَتْ (كرهت) حارتها الجديدة في الصعيد السوداني واشتاقت لوطنها الصغير في الشمال، فإن ملايين السودانيين اليوم يُكَجِّنُونَ كل حارة وكل مدينة وكل مخيم نزحوا إليه قسراً، (وإن كان ذلك في قاهرة المعز أو الإسكندرية أو غيرهن لا فرق)، لم يذهبوا بحثاً عن الرزق أو السياحة والترفيه ، بل هرباً من الموت. وحينما بكت وتغنت زينب من أعماقها ب”متين العودة ليهلنا”، فإنها كانت تغني مشتاقة لأهلها وناسها الذين كانوا لا يزالون باقون ينعمون في أوطانهم وبيوتهم، أما اليوم فإن السودانيين يغنون “متين العودة ليهلنا” للوطن كله، في شوق رغم الدمار وفقدانهم كل شيء . وليست عودتهم المنشودة للخرطوم وبحري فقط، بل لود مدني والأبيض والفاشر ونيالا والجنينة والقضارف وأتبرا وللوطن الكبير الجامع الجريح ، لكل شبر فيه . ولو فرضنا أن تلك الشاعرة زينب بت ود الحسين قد عاصرت هذه الحرب اللعينة، فماذا يا رب كانت ستقول من شعر؟ . رحمها الله فقد كان نزوحها داخل الوطن اختيارياً لطلب الرزق، لكن نزوح اليوم البغيض قد فُرض على الملايين من السودانيين قسراً، فكان مؤلماً ومهيناً. ولو كان بأيديهم الخيار والمقدرة لكانوا قد كسَّروا الصخر العصي وحققوا المُحَال. لكن للأسف المجد صار اليوم فقط لمن يملك البندقية، وسلة المهملات صارت مصير العلماء والنجباء والمفكرين والأدباء والمثقفين . لكن تبقى الحقيقة التي لا تنسى “أن ابن آدم إذا ولد بليداً فسيظل بليداً مدى الدهر حتى يُقْبَرُ”، والعقول النيرة هي التي تصنع الأمم والحضارات وتوفر السلام وتحقق مجتمع الرفاهية

هامش توضيح بعض كلمات الشاعرة زينب:
قَعِتَّنْ: قَعْدَةً ، وتعني فترة زمنية طويلة ومستمرة كانت هي مدة إقامتها في تلك المنطقة من بلاد الصعيد
وكت: أعتبرها ظرف زمان، تعني “في ذاك الوقت”
كَجَّنْتُ: كَرِهْتُ
الصَنَّا (الصَنَّة): الهدوء شديد الصمت
إشتهيت: إشتقت
الكريم صاحب الجبارة : الله الكريم الجبار
الدانقة: غرفة الضيافة للنساء والعائلة في ذلك الزمن، وكانت واسعة مضافاً لها مخزناً صغيراً يسمونه “المرقون”، له باب يفتح داخل الدانقة
زُنْبَة: زينب
طِرِيت حِبَّان المَحَنَّة: تذكرت الأحباب الحنان
العودة ليهلنا: (العودة لأهلنا)
أم عزيزة: بنت خالة زينب (والدة الطفلة عزيزة)
ناس فوق: يقولون:ناس الفوقانية وتعني القرية التي تجاور لكنها تقع في منطقة مرتفعة من ناحية الشرق
عضايا: أعضائي
براي في خلايا: خلاؤها من الأهل والصحبة جعلها وحيدة تعيش في خلاء مع نفسها فقط، بدون أنيس
نقزو: من أحياء بربر
أمشي بيكرعي: أسير مشياً على الأقدام (مفردها:كُرَاع)
سيد العقيدة: لعلها تقصد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم
زُنْبَة ترجع ليفريقا: تعود لربعها من الأحباب (الكويتيون يقولون الفريج)
الحارَة: بفتح الراء مخففة ، جزء من الحي السكني قد تسكنه عائلة واحدة أو عدة عوائل تجاور بعضها (مثلاً نقول حارة ناس فلان، ومع الراء المشددة: تحمل صفة السخونة وهنا المعنى المقصود الغربة القاسية وحار تحملها)
وفُرَاكُمْ حار يا أم بَلَّة: فراقكم تجربة صعبة، لا يطاق (أم بلَّه، الشقيقة الأصغر للشاعرة)
أم بُخَاري: أحد نسوة الحي، صادقت زينب لكن مع المشغوليات صارت زياراتها متقطعة لذلك تعاتبها زينب بأنها قصرت فتلومت
أم روبة: ذات الشعر الكثيف (تعني نفسها، كان شعر راسها هكذا)
مصدر بعض القصائد:
قوقل: موقع الديوان
https://www.aldiwan.net

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
drabdelmoneim@yahoo.com
سبتمبر عام 2026

Author
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
عن رحيل التجاني عبد القادر: فقد أليم على المستويين الخاص والعام
منبر الرأي
نظرية الصندوق حول التعافي الاقتصادي .. بقلم: د. حسن بشير محمد نور – الخرطوم
بيانات
بيان السفراء والدبلوماسيين السودانيين المناهضين لانقلاب ٢٥ أكتوبر
منبر الرأي
مرونة
٢ تريليون لأهل ولاية نهر النيل.. بقلم: بشرى أحمد علي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

التكفير بوصفه فعلاً عشوائيا .. بقلم: د. النور حمد

د. النور حمد
منبر الرأي

وردي …ستظل نسمة ربيعٍ ينتظره نخل الشمال .. بقلم: د. محمد بدوي مصطفى

د. محمد بدوي مصطفى
منبر الرأي

يوسف القعيد .. الشعب والثقافة .. بقلم: د. أحمد الخميسي

د. أحمد الخميسي
منبر الرأي

التطور في السودان .. بقلم: إدوارد عطية .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss