بشير عبدالقادر
لكي تنجح محاولات ومبادرات وقف الحرب في السودان، لا بد من فهم أساس المشكلة السودانية، المتمثل في الخلاف حول شكل الدولة والصراع القديم المتجدد حول السلطة والثروة، وقد أضيفت إلى ذلك الآن مسألة مستقبل المؤسسة العسكرية، دون إغفال ارتباط استمرار الحرب أو توقفها بمصالح دول إقليمية ودولية. وبالطبع، لا يمكن إيجاد حل سحري للأزمة بعصا موسى، لكن فهم أساس المشكلة ووضع خطة متكاملة ومتدرجة لها يمكن أن يساهما في الوصول إلى الحل.
غير أن شكل الدولة وطبيعة السلطة لا يمكن مناقشتهما “تحت ظلال السيوف”، ولذلك يمكن إرجاء هذا الإشكال مؤقتًا، والتركيز أولًا على بقاء السودان وطنًا، وبقاء الشعب السوداني، الذي يقتتل الجميع بدعوى رعاية مصالحه، حيًا وقادرًا على مواصلة حياته، وهذا أمر لن يتحقق والأسلحة مشرعة من جميع الأطراف، وفوق ذلك يسعى حملة السلاح إلى تعزيز مقدراتهم ومواقعهم، والقضاء على الطرف الآخر إن أمكن.
والحقيقة الأجدر بالتوقف عندها هي أن أصحاب المصالح الإقليمية والدولية قد لا يعنيهم كثيرًا من ينتصر في هذه الحرب أو من ينهزم، بقدر ما تعنيهم مصالحهم في السودان، فإذا انتهت الحرب بإفناء الشعب السوداني، أو بإضعاف أحد الطرفين المسلحين أو كليهما، فقد يجد أصحاب تلك المصالح الفرصة للتدخل بصورة أكبر، والسعي إلى تحقيق أهدافهم في السودان وسرقة كل موارده.
لذلك، على جميع الأطراف السودانية أن تدرك أن السكاكين الإقليمية والدولية قد شُحذت سلفًا، وأن المصالح الإقليمية والدولية تنتظر مآلات الصراع، وأن الطرف الذي يصل إلى نهايته منهكًا أو منتصرًا عسكريًا قد يجد نفسه لاحقًا أمام ضغوط ومصالح خارجية لا تقل خطورة عن الصراع الداخلي، وفي أحسن الأحوال قد يتحول المنتصر إلى مجرد وكيل يخدم المصالح الإقليمية والدولية، وإذا تجرأ واحتج يومًا ما، فسيطاح به قتلًا أو يتم استبداله بآخر، والناظر إلى تجارب دول الجوار يستطيع أن يستوعب هذه الحقيقة.
إذا استوعب الطرفان المتحاربان هذه الخلاصة، فسيدركان أن استمرار صراعهما لن يؤدي إلا إلى مقتل مزيد من السودانيين، وتدمير ما تبقى من البنية التحتية، وإهدار موارد البلاد، ومن ثم قد يجد الطرفان نفسيهما في نهاية المطاف أمام مصير شبيه بمصير “الثور الأسود”.
يمكننا هنا، القول إن السودان ومنذ استقلاله في عام 1956م عاش فترات طويلة تحت الحكم العسكري، ففي خلال نحو سبعين عامًا، ظل الحكم العسكري لنحو 52 عامًا، بينما استمرت الحروب بين السودانيين أنفسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على مدى يقارب نصف قرن.
هذا الواقع يدعو إلى استيعاب العلاقة المتبادلة بين الحكم العسكري والحرب، فالحكم العسكري كان أحد العوامل التي أسهمت في إنتاج الأزمات والحروب، كما أن استمرار الحرب يوفر بدوره مبررات لبقاء الحكم العسكري، وهكذا تتشكل حلقة مفرغة يصعب كسرها ما لم يُفتح الطريق أمام حكم مدني مستقر.
إذن لا نجاة للأطراف العسكرية المتحاربة نفسها من مصير “الثور الأبيض” او “الثور الأسود” إلا بالقبول بمسار يقود إلى الحكم المدني، بحيث يُستبدل الصراع حول السلطة والثروة بالسلاح بالتنافس السياسي السلمي حول كيفية إدارة السلطة والثروة واستثمارهما لمصلحة الشعب، كما أن إيقاف الحروب التي استمرت زهاء خمسين عامًا يمثل فرصة للمحافظة على حياة من تبقى من الشعب وإعادة إعمار السودان، وبناء مستقبل للأجيال القادمة، بدلًا من أن يُترك لها وطن ممزق ومثقل بصراعات لانهاية لها.
إن المسار نحو الحكم المدني يبدأ بخطوة أولى ضمن آلية متكاملة، قابلة للتعديل والتكيف مع الظروف والأوضاع الداخلية والخارجية، وأولى هذه الخطوات هي بناء قدر من الصدق والثقة بين الأطراف المسلحة، من خلال تنفيذ هدنة حقيقية قابلة للتمديد، لا يسعى أي طرف إلى استغلالها لتوسيع نفوذه على الأرض.
وتشمل هذه الهدنة وقف القصف المتبادل، بما في ذلك الهجمات بالطائرات المسيّرة، وفتح الطرق أمام المساعدات الإنسانية، وضمان السلامة والأمن للمواطنين في جميع المناطق، وإتاحة حرية التنقل داخل السودان وخارجه، ولمزيد من بناء الثقة، يمكن أن يوافق الطرفان المسلحان على وجود آلية مستقلة لمراقبة وقف إطلاق النار، بمشاركة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة.
هذه الهدنة لن تكون مجرد توقف مؤقت لإطلاق النار، بل يمكن أن تشكل بداية لاستعادة شيء من الاستقرار النفسي والاجتماعي وتهيئة الظروف لعودة السكان إلى حياتهم الطبيعية ودوران عجلة الاقتصاد والحد من التدهور الاقتصادي ولا سيما تدهور قيمة العملة.
خلال هذه المرحلة، يمكن أن يكون هناك تعاون عملي بين سلطات الأمر الواقع المدنية في الخرطوم ونيالا، في حدود ما تسمح به الظروف، يركز على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين : مثل مياه الشرب والكهرباء والخدمات الطبية، والعمل على إعادة النازحين إلى مناطقهم.
بعد تثبيت الهدنة وبدء استعادة قدر من الاستقرار، يمكن إطلاق حوار سوداني واسع يبدأ من الأحياء والقرى والمدن، ويجري في أجواء من الحرية والأمن بهدف إتاحة الفرصة للسودانيين لتبادل الآراء حول مستقبل بلادهم، ويشمل القوات المسلحة وغيرها من القوات حاملة السلاح والقوى السياسية المدنية ومنظمات المجتمع المدني، والهدف من هذا الحوار هو اتفاق الجميع على وحدة السودان ورفض خطاب الكراهية وضرورة الحكم المدني وضرورة وجود مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، ورفض وجود تعدد للجيوش والمجموعات المسلحة.
ومن ناحية أخرى، يمكن تشكيل لجنة وطنية فنية تضم عددًا من قدامى ومعاشيي القوات المسلحة، إلى جانب شخصيات وطنية مدنية متخصصة في مجالات الدراسات الدفاعية والاقتصاد والسياسة والاستراتيجية للعمل على التفكير خارج الأطر التقليدية ووضع تصور عملي لإخضاع جميع القوات والمجموعات حاملة السلاح لوزارة دفاع وطنية واحدة.
وفي إطار هذا التصور، تكون هناك مؤسسة عسكرية موحدة تضم القوات البرية والجوية والبحرية، إلى جانب الأسلحة والوحدات المتخصصة، مثل سلاح الصيانة، وقوات الدفاع الجوي، وحرس الحدود، وغيرها، وفق هيكل تنظيمي واضح يخضع للسلطة المدنية.
أما عناصر المجموعات المسلحة الأخرى، فيمكن دمج المؤهلين منهم بصورة فردية في مختلف أفرع القوات المسلحة وأجهزتها، بينما يمكن إعادة بقية العناصر إلى الخدمة المدنية، مع توفير برامج مناسبة للتأهيل والتدريب وإعادة الاندماج في المجتمع.
إن الهدنة المقترحة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما يمكن أن تكون حجر الأساس لمسار سلام واقعي في السودان، يسعى إلى المحافظة على حياة كل مواطن سوداني والحفاظ على وحدة السودان من التفكك إلى دويلات ضعيفة لا شأن لها بين الأمم.
