في تذكُّر الخــاتم عــدلان:
سياسي و أديب رحل خلسة..
بعد أكثر من عشرين عاما على الرّحيل
جمال محمد إبراهيم
خليلاي دون الناس حزن و عبرة على فقدِ من أحببت ما لهما فقدُ
تلج ّ دموعي بالجفون كأنما جفوني لعينَيْ كل باكية خد ُ
“المتنبي”
1-
هي رحلة عمل سياسية إلى الولايات المتحدة ، ثم أوبة إلى لندن حيث يقيم . بين الذهاب والإياب ، وعكة تفاقم أمرها وأخذته واقفاً إلى مغادرة الفانية المغادرة النهائية . . يماثل رحيله ، رحيل كل النوَّار خلسة ، وقد ترك فينا بصمة و خلف جرحا .
2-
عرفته زميلاً في جامعة الخرطوم ، أوائل سبعينات القرن العشرين ، قويّ الشكيمة السياسية ، ثابت عليها ، يقود اليسار الطلابي في جامعة الخرطوم ، قيادة ربان حاذق ، و” ثورة مايو” في أسابيعها الأولى ، بعد أن وثبت على السلطة في انقلاب أبيض كاسح . كنتُ في كلية الإقتصاد و كان الخاتم في كلية الآداب ، و لكن الصلات و الوشائج تتوطد بين طلاب الكليتين ، كأقوى ما تكون الصلات والوشائج ، و كذا الحال مع طلاب القانون و العلوم و الهندسة . و تتقاطع هذه الصلات بل تتلاقى في الإنتماءات السياسية . ظننا أن ذلك ، بسبب من السكنى في داخليات “البركس ” ، وتلاقينا على الموائد وغرف المطالعة ، فتزداد العلاقات وثوقاً وحميمية ، تضم أطـيافاً من اليسـار، وأخرى من اليمين ، وآخرين في وسط الإعتدال ، تيارات مركزية ، وأخرى من الوزن الخفيف أو من الأطراف غير المؤثِرة . كان الذي يجمع هذا الشتات المتنافر ، تسامحٌ راسخ في الوجدان، وعقدٌ طلابي مُلزم لا نكاد نتبيَّن تفاصيله ، لكنَّا نستنشق هواءه . لقد كان للإقامة المستديمة في داخليات “البركس”للطلاب، والداخليات التي خصَّصتها الإدارة للطالبات، الأثر المبين في استدامة هذا التسامح الذي أحدِّثك عـنه ُ.
في جانبٍ آخر، كانت “قهوة النشاط،” ساحة للمعارك السياسية والفكرية ، وصحف الحائط فيها ، تتقاتل قتالاًً مريراً ، تسقط معه في أحايين كثيرة إلى دركٍ من الشجار الشخصي غير المهلك . في آخر اليوم يتفرّق الجميعُ ، ثم يتجالس الرِّفـاقُ والأخوان والزُّملاء عند صالون “حمودة”، أو يتحلقون حول “عنقريب” عـمِّ السّــر ، غشتْ قبره – و من رحلوا معه من نجوم ذلك الزمان البهيّ- غمامات الرحمة والمغفرة . تلك كانت ملامح البيئة المتسامحة التي سادتْ في جامعة الخرطوم ، على زماننا ، أوائل سبعينات القرن العشرين .
كان الخاتم عدلان من أكثر قيادات اليسار الطلابي، حظاً في انتزاع الإحترام من طرف الجميع ، بل ومن طرف قيادات التيارات الحزبية الأخرى في سنوات السبعينات تلك . رجلٌ على مثل خلقه ،وعلى مثل احترامه للآخرين ، وعلى مثل إجلاله لأساتذته ، وتقديره لزملائه ورفاقه ، ومن هم على تياره السياسي ، أو من هم في الضفَّة الأخرى ، يظلّ رمزًا نبيلا ً لتسامحٍ كان سِمة المرحلة ، بل كان وصلاً لقيم تواترتْ إلينا من جيلٍ وطني ، كانت جلّ رموزه قد رحلت في سنوات الستينات من القرن العشرين . . جيلٌ تساقى التسامح جرعات مترعة ، وتوطدتْالعلائق الشخصية بين أفراده لتسمو في عفوية ، على تناقضات وخلافات السياسة ومماحكاتها .
3-
في الجانب الآخر ، كان الخاتم مبرّزاً في دراسته الأكاديمية في كلية الآداب . كان حريّ بالكلية ان تستوعبه معيداً فيها ، غير أنه كان في شغل عن ذلك بحال تيـاره السياسي ،وقدر هو أن حاجة التيار أكثر إلحاحا من حاجة كلية الآداب إليه ، يدرّس فيها، أو يسعى لبعثة للتأهيل الأكاديمي أو الجامعي العالي .
هذا القادم من قلب الجزيرة في وسط السودان، ألم يخطر بباله أن أهليه هم في أشدّ حاجة إلى يده يمدُّها إليهم و قد أكمل دراسته الجامعية ؟ كان الخاتم أوسع نظـراً، و أشمل رؤيةً، و أعمق بصيرةً، وأطول يـدا . من تلكم القرية ، بدأت رحلة السُّكنى في همِّ الوطن ترسخ في قلب الخاتم ، وما انتهتْ الرحلة ،ولن تنتهي في قلوب أبناء الوطن ، جيلاً إثر جيل . لكن الخاتم لبَّى نداء ربه ورحل خلســة عنا . .
4-
حين التقيته في لندن عام 2001م – بعد انقطاع سنوات – ما أشعرني أن بيني وبينه ذلك المدى الواسع من الخلاف المتـوهّـم . . فأنا في لندن أمثِّل حكومة السودان في سفارتها في لندن، سـفيراً ثانٍ، وهو معارض عتيد لها . لكن الذي قابلته في الحقيقة، كان الخاتم الذي تساقى مع جيل كنا نحن من المنتمين إليه في صبانا في جامعة الخرطوم ، تسامحاً أصيلاً راسخاً في الوجــدان . فوق ذلك ، فإنَّ للودّ متسعاً ، فحين استفسرته عن صديقٍ قديم ضيَّعته السنوات الأخيرة منّى ، هو فيصل مصطفى (له الرحمة والمغفرة )، وفيصل هو الشقيق الأكبر للسيدة تيسيرمصطفى – أرملته الآن – تضاعف الودُّ بيننا . بدا لى الخاتم أول مقابلتي له في لنــدن ، أكثر شبابا و نُضرة . أنيق أناقة مفرطة . خطر لي ان حياته في لندن ، قد اكتستْ بأشياء جديدة من المحيط الأنجلوفوني ، وإنْ بقيت شخصيته المميّزة على تمّيزها ، وعقله على ذكائة الوقَّـاد . كان في صحيفة “الشرق الأوسط” اللندنيـة ، يشرف على قسم الترجمــة فيها . قليلون يعرفون أنَّ في داخل الخاتم ، يقيم أديب حصيف ومترجم حاذق ، يتسربل في كسوة سياسية ، إسمها “حــق” .
ما أنصفت “دار الساقى” في لندن الخاتم ، إذ لم تضع إسمه كمترجم على غلاف رواية “المترجمة” ، التي نشرتها تلك الدار للروائية السودانية التي تكتب بالإنجليزية ، الصديقة الأستاذة ليلى أبو العلا . إغتظت أنا واغتاظتْ ليـلى ، ثم حدّثته أنا في ذلك ، لكنه لم يعـر الأمر كبير اهتمام . ثم عرفنا بعد ذلك انَّ للناشرين سياسات وتكتيك في التسويق ، لا يتاح لأمثالنا وأمثال الخاتم ، فهم خباياه أو قل خبـائثه ! ليسَ ذلك بالأمر المهم . بل الأهم عندي انَّ الخاتم أنجز ترجمة رصينة ومحكمة للرواية ، شرّبها بعـامية سودانية محبَّبة . بعض الذين قرأوا الرّواية ولا يعرفون ليلى ، حسبوا أن الرّواية كتبتْ في الأصل باللغة العربية ، وصدرت عن “دار الســـاقي” في لنــدن . وهكذا يبقى الخاتم في حياءٍ خلوق وأصيل ، متسربلاً بكسوته السياسية حتى الرَّمق الأخير، أديبـاً خفـيـاً في لنــدن . .
5-
قدر السودان أن يرحل عن دنيــاه ، بنوه الحادبون ، في لحظات الحاجة والوقفات الحرجة وفي المنعطفات الحاسمة . زار الخاتم الخرطوم عام 2004 ، بعد سنوات الهجرة واللجؤ الطويلة في لندن ، فرأى الخرطوم كما لم يرها من قبل . إستنشق دفء صداقاته القديمة ودفء البلاد . وجدها مقيمة على حال متغيِّر ، بل تتهيأ لإستقبال أيام قادمات حبلى بفجر جديد ، بتاريخ جديد . قدرُ السودان أن تلوح تباشير السلام ، فيودعنا رجل صادق صدوق ، ظل يحلم نيابة عن بسطاء بلاده ، بسودان يسمق عاليا ، بتميز مكوناته الثقافية والسياسية والاقتصادية و الاجتماعية . هو من رجال المرحلة الذين يظل فقدهم كبيرا فادحا . الذين تابعوا مقالات الراحل الأخيرة ، بهرتهم دون شك – إلى جانب قوة الطرح – اللغة السامية وسلامة التعبير ورصانة التراكيب اللغوية ، في زمان لم يعد يلتفت فيه جلّ أهل السياسة كثير التفات أو قليله ، لتحسين أساليب الخطابة ، أو أفانين الكتابة ، وفوق ذلك وضوح الرؤى والطروحات .
6-
رحل الخاتم و فقــدنا أديباً لم نكد نتعرَّف عليه جيدا. .
رحل الخاتم وفقدنا سياسياً عاش ما يزيد عن خمسة عشر عاماً من الغياب الجسدي عن البلاد، ثم هو الآن يعود جسداً مسجياً في طائرة لندنية ، ليرقد في هــدأة أبديـة عند “دكة الجعليين”مسقط رأسه في أطراف المناقل . . لكن يبقى حلمه غير مسجيّ . .
رحل الخــاتم ، ففقدنا سياسياً وأديباً ، لن يتبيّن جيلٌ ناهض من أبنائنا في السودان ، فداحة خسارتنا فيه ،إلا بعد إدراكهم لاحقاً، أن أحلامهم كانت من بعض أحلامه ، وأن رؤاهم لســودان معافى ، هي من رؤى رجل مميز اســمه الخاتم عدلان .
ألا رحم الله الراحل الخاتم ، و ألهم آله-ـ وأسرته الصغيرة والكبيرة – و محبيه ورفاقه وأسرته السودانية الكبيرة ، حسن الصبر. . و يسر الله سبحانه و تعالى مرقدا له مع الشهداء و الصديقين ، إنه سميع عليم .
القاهرة 1/10/2026
نشر في الخرطومعام وفاة الخاتم عدلان – مايو 2005
