بقلم : امين محمد الجاك عامر -المحامي
استهدفتنا المسيرات، نحن المواطنين الأبرياء العُزّل، الذين لا نطلب من هذه الحياة سوى حياة هادئة وبسيطة، وذلك عندما استهدفت محطات الكهرباء، فقطعت عنا شرياناً من شرايين الحياة، وأعادتنا قسراً إلى زمن لم نكن نتصور أننا سنعود إليه.
فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة من الخدمات، بل أصبحت ضرورة لا يستغني عنها أحد، الغني والفقير، نعتمد عليها طوال اليوم في حركاتنا وسكناتنا. فهي التي تلطّف الأجواء وتخفف وطأة الحر، الذي لم يعد يعرف فصلاً من فصول السنة، حتى صار الصيف ضيفاً مقيماً في الصيف والشتاء والخريف، بفعل التغيرات المناخية.
وهي التي تنير ليالي المرضى في المستشفيات، وتعين طلاب العلم على المذاكرة، وتشغّل المعامل والأجهزة الطبية، وتحفظ الطعام في ثلاجات المنازل، التي حلت محل المشلعيب في حفظ الأطعمة وتبريدها، كما تحفظ الأدوية والأطعمة في المحلات التجارية. وهي أيضاً التي تشغّل أجهزة الكمبيوتر التي حلت محل ماكينات الطباعة، وتدير كثيراً من تفاصيل حياتنا اليومية.
باختصار، أصبحت الكهرباء عصب الحياة، وبانقطاعها تتعطل مصالح الناس، وتتوقف تفاصيل كثيرة من حياتهم، حتى يخيل إليك أن الحياة نفسها قد توقفت.
وأمام هذا الواقع، لم نجد بُداً من العودة إلى الطبيعة، والجلوس تحت ظلال الأشجار التي نجت من الحرب، ولم تمتد إليها الفؤوس، وكأنها هي الأخرى كانت تنتظر عودتنا إليها.
وأنا جالس تحت إحدى تلك الأشجار، عادت بي الذاكرة إلى أيام الطفولة، حين كنا نقضي ساعات النهار تحت ظلال الأشجار، نلهو ونمرح، ونناحي ونصطاد الطيور بالنبال. تذكرت تلك الطيور البريئة التي كانت تحط على أغصان الأشجار، بعد رحلة طيران طويلة، لتستريح قليلاً وتأمن من عناء التحليق، فإذا بحجارة نبالنا تفاجئها، وتكدر عليها صفو راحتها، وتفسد عليها لحظات الأمان.
وعندها أطلقت ضحكة طويلة، ضحكة اختلطت فيها مرارة الحاضر بذكريات الماضي. فقد اكتشفت أن حالنا اليوم مع المسيرات يشبه إلى حد بعيد حال تلك الطيور في أيام صبانا. كنا نطاردها ونفزعها بحجارة النبال، واليوم صرنا نحن المطاردين، تكدر المسيرات صفو حياتنا، وتوقف معاشنا، وتبث الرعب في نفوسنا، وتحرمنا هدوء الليل ولذة المنام.
وللحظة شعرت بأن علينا أن نراجع أنفسنا، وأن نعتذر لتلك الطيور البريئة التي آذيناها في غفلة من طفولتنا، ونطلب منها الصفح عما اقترفته أيدينا الصغيرة في حقها. فقد علمتنا الأيام، وإن جاء الدرس متأخراً، أن لكل كائن حي حقاً في الحياة والأمان، وأن في الإحسان إلى كل ذي كبد رطبة أجراً.
ولعلنا اليوم نتذكر المثل القائل: «كما تدين تُدان»، فالديّان لا يموت، وإن طال الزمن.
إلى طيور طفولتنا البريئة، أينما حلّقت وحطّت: تقبّلي اعتذارنا وتوبتنا، فقد عرفنا اليوم، بعد أن ذقنا شيئاً من مرارة الخوف والحرمان، كيف كنا نكدر عليك راحتك ونفسد عليك لحظات أمانك. سامحينا، فما زلنا نتعلم من الحياة دروساً لم نكن نفهمها ونحن صغار.
وأنا أكتب هذه الكلمات، انتبهت إلى أنني استهلكت جزءاً كبيراً من شحن هاتفي، الذي كنت قد شحنته بالأمس لدى صديق حباه الله بمنظومة طاقة شمسية، تستمد طاقتها من الشمس، تلك الشمس التي أصبحت، هي والطاقة الشمسية والباور بنك، من مستلزمات الحياة وضرورياتها في زمن انقطعت فيه الكهرباء، وأصبحنا نبحث عن بدائل تحفظ لنا ما تبقى من تفاصيل حياتنا.
أما النقود التي نتعامل بها، فقد انتقلت هي الأخرى لتعيش داخل الهاتف، وصارت المعاملات المالية تجري عبره، حتى أصبح الهاتف يحمل من أعباء حياتنا أكثر مما يحتمل!
هكذا أصبحت أحوالنا؛ نبحث عن شحنة للهاتف، وعن ضوء في عتمة الليل، وعن نسمة هواء تخفف عنا وطأة الحر، وعن لحظة أمان لا تعكرها أصوات المسيرات.
ويا لها من حياة!
وكما يقول أهلنا: «تعيش كتير، تشوف كتير».
