كيف لا
moaney15@yahoo.com
الزعيم الليبي معمر القذافي يدبّج نصيحة عبر وكالة الأنباء الليبية لشعب جنوب السودان يدعوه فيها إلى الانفصال . النصيحة تجافي منطق الحق والعدل ،إذ ليس من حق أحد أن يقرر حق مواطن في وطنه من عدمه، وهو بها قد تجاوز قول كل طائفي متحزب ضد وحدة السودان.لكن العيب ليس في إسداء النصيحة ولا في قائلها وإنما في هشاشة الوضع الداخلي الذي سمح لكل مجرّب بضخ رؤاه ومعتقداته الصنمية ومكّنها من أن تجري في شرايين بلدنا.
النصائح هذه الأيام تترى من العدو قبل الحبيب ،والسودان يقترب يوماً بعد يوم من موعده مع استحقاق مصيره بالاستفتاء عام 2011م ،على أن تبقى وحدة جنوبه مع شماله أو تنفصل، وهو موعد اختطته اتفاقية نيفاشا المعقودة بين الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان.
القذافي يعلن تأييده لانفصال الجنوب ، والبلد تتصاعد فيها وتيرة القلق والتوتر والتحفز ، ولا أحد مثل أهل السودان يحس بدقة التوقيت في إصدار الأحكام مع تزايد حجم التعقيدات باضطراد اقتراب موعد الاستفتاء .
القذافي يفتي وتمتد أنفه إلى أوسع من حدود خيمته التي يصر على نصبها بفرض نوع وشكل استضافة جبرية تخالف كل الأعراف الديبلوماسية وتكلف الدول المضيفة لتوفير حمايتها وأمن الزعيم بداخلها بأكثر مما تكلفه أفخم النُزُل الرئاسية له ولحاشيته.
البلد تستحث الوحدة وتحارب شبح الطائفية والتحيز القبلي والإثني والديني،والزعيم الليبي المظفر يقول :" إنّ الجنوبيين شيءٌ آخر ، ليس من السودانيين ولا يشبهون أهل دارفور والنوبة والشرق ولا يتحدثون اللغة العربية".
إخواننا في الجنوب ليسوا أمازيغ ليبيا ، فنحن لا ننعتهم بأنهم مخطط استعماري لتدمير الأمة العربية كما نعت القذافي العشرة بالمائة من أمازيغ الجماهيرية.إن قال القذافي بعدم أحقية الجنوب في المطالبة بالوحدة لعدم عروبية الجنوب فأقصى الشمال لا يتحدث العربية أيضاً وكذلك الشرق وقبائل عدة في الغرب فالأغلبية إذن ليسوا بعرب . وإذا طبقنا منطق القذافي هذا بعدم احترامه واعترافه بالأقليات، فالسودان لن يكون للعرب ولا للأفارقة ، أما إذا ركنا لصوت العقل وميزان العدل فالسودان للسودانيين.
عقب كل تصريح أو كلمة صغيرة للقذافي يساورني شك في مدى جدية القائد الليبي، فكلماته في جلسات القمم الأفريقية والعربية تُبث للترويح وللفصل بين الكلمات العابسة والشاجبة وليضحك على أثرها الحاضرون. لم تكن لتهمني بحال من الأحوال جديته من هزله في شتى ظروفها، أما الآن وقد تعلقت بشأن من شؤون السودان فإنها تفعل. خاصة عندما يعجز عن الحديث عن إرادة شعب السودان في التحول الديمقراطي وهو المسيطر على حكم بلاده إثر انقلاب عسكري منذ العام 1969م .
المظفّر نسي أو تناسى أنه كان يوماً ما داعياً إلى فكرة حكومة إتحادية إفريقية باسم الولايات المتحدة الإفريقية ، مشيداً بالتعدد الثقافي والسياسي لدول القارة الأفريقية، ليتسنى له قيادة 53 دولة أعضاء في الاتحاد الأفريقي.ولكن الدول الإفريقية الكبرى رفضت مشروعه المعلن في قمة سرت 1999م وأعتبرت أن هذه الخطوة لم يأت أوانها بعد ولم تتهيأ الظروف التي تضمن تحقيق نجاحها ، ليخرج من القاعة يملؤه الغضب ثم يرجع بعدها ليقبل بإنشاء سلطة فقط تتعلق بالنواحي الأمنية والعلاقات الخارجية والتكامل الاقتصادي ، وشتان ما بين الحكومة والسلطة في علم السياسة.
السودان كأمة ووطن وعيش مشترك مؤمل له أن ينبني على ما يقرره بنوه . والاستفتاء المنتظر سيقرره الجنوب بمباركة الشمال، وحدة كان أم انفصال.سيادة العقيد والبلد تعاني ما تعاني ، ركّز في نصب خيمتك فالخرطوم هذه الأيام لا ترحمها عواصف السماء مثلما لا تحتمل أكثر مما بها من زوابع على الأرض.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم