أسئلةُ الإنفصَالِ وَنقْصُ الإجابةِ …. بقلم: جمال محمد ابراهيم

 

أقرب إلى القلب:

 

( 1)

        حين قرأت خبراً عن مسئول في حكومة الجنوب أعلن عن ورقة من خمس عشرة صفحة ، أعدت لبحث مرحلة ما بعد الانفصال ، وضعت يدي على قلبي . ليس عن جزعٍ فالجزع يأخذ من دهمته الفجاءة فارتجف، أو الواقعة الطارئة فتزعزع ، وما أمر الاستفتاء بطاريء مفاجيء ، ولا تداعياته تعدّ من النوازل غير المحسوبة، ولكنه الإشفاق على وطنٍ  لم يحظ منا بنظر العقل الفطن، ولا نبض القلب الحاني  . نظرت ملياً في الخبر وحدثت نفسي : أيهون أمر مصير البلاد لنخط له مصيراً،  في صفحات لا تتعدى الخمس عشرة ؟  

        ثمة أسئلة كثيرة تحتاج لجلسات عصف فكري معمق ، يتدارسها الفنيون ويقولون راياً فنيا يرفع من بعد للساسة من أهل الحل والعقد واتخاذ القرارات  المصيرية ، بمشاركة أصحاب المصائر ، لا النخب وحدها التي تستأثر بالقرار. ولعل أهم ما تمخضت عنه جولات مفاوضات نيفاشا التي اسفرت عن اتفاق السلام الشامل، هو ركونها إلى لقواعد تقول رأيها ، انتخاباً واختياراً واستفتاءا ، ذلك أن مصائر الشعوب لا تقرر بمعزل عن إرادتها ، أو بالنيابة عنها ن غيابا مفتعلاً أو تغييباً مقصوداً .  .

 

      ( 2 )

        ظني أن  من الأسئلة الرئيسة، ونحن على عتبات المصير، هو سؤال الهوية  وتعريف من هو جدير بحمل الجنسية السودانية باستحقاق موضوعي . شغل الإنجليز حين أداروا حكم البلاد، بسؤال عمّن هم سكان البلاد، ومن يجوز اعتمادهم كسودانيين . صدر عام 1948 قانون لتحديد معايير من هو السوداني ، وذلك بالركون لمعيار الإقامة قبل 1889 في السودان، المعرّف في رقعة جغرافية بين خطي طولٍ وعرضٍ محددين، وجرى تفصيل في القانون  بعد ذلك، لمعايير منح الجنسية السودانية  عبر الزواج ، أو التجنس المكتسب وغيره من توصيفات إجرائية . كان الحكم الكولونيالي يعدّ العدة للرحيل ، إذ كانت اتفاقية الحكم الذاتي في عام  1953 ، هي بداية تأسيس حكم وطني سيرث الحكم الثنائي الراحل . في عام 1970 إبان بدايات الحكم المايوي جرت مراجعة دقيقة لقانون الجنسية ، تضمن تعديلات كثيرة ، وربما كان ذلك بسبب من حساسية النظام وقتذاك، من وجود أجنبي لم يتم ضبط وجوده في البلاد. شهدت حركة التأميم المعجلة في سنوات السبعينيات تلك، إجبار أسر سودانية عريقة لها امتدادات أسرية خارجية في الخروج من السودان بلا عــودة  .

         حين تم توقيع اتفاق الحكم الاقليمي في جنوب السودان  في اديس أبابا   عام 1972، لم تبرز حاجة لمراجعة قوانين الجنسية أو الإقامة ، برغم أن عدداً مقدراً من أبناء الاقليم الجنوبي قد نزح جنوباً جراء الحرب الأهلية ، إلى كينيا ويوغندا وزائير( الكونغو حالياً) ، وبعد وقف اطلاق النار وتنفيذ اتفاقية الحكم الاقليمي، عادت أعداد كبيرة إلى البلاد . تلك ظاهرة كان ينبغي أن تعالج جوانبها إذ أن معظم الذين جاءوا من ملاذاتهم الآمنة في بلدان جنوبي السودان كانوا يحملون جنسيات وجوازات سفر من تلك البلدان . لكن لم يكن واردا في اتفاقية 1972 أيّ احتمال لفصل الجنوب، ولم يكن في مباحث الاتفاقية من إشارة لحق تقرير المصير . لم يكن مفاجئا أن نكتشف أن أكبر كاتب  يحمل جواز سفر يوغندي ويقيم في كينيا  في سنوات السبعينيات هو تعبان لو ليونق . يحسب مع واثيونقو أهم كاتبين في كينيا . في الحقيقة أن تعبان هو من جنوب السودان ومن قبيلة ” الكو كو ” في الاستوائية ويقيم الآن في جوبا. تعبان لو ليونق هو “طيب صالح” جنوب الوطن لمن لا يعرفه.

       يبقى السؤال الذي على وزارة الداخلية الاتحادية أن تجد إجابة له ومعالجة وفق اتفاق السلام الشامل . ينبغي إعداد العدة الإجرائية  لحدود جديدة ، وتحديد مراحل يتم  وفقها ترتيب التفاعل السكاني بين الشمال والجنوب، فيما إذا أفرز  الاستفتاء واقعا انفصاليا  طارئا. ذلك احتمال أقرب ما يكون الآن إلى الواقع، ونحن على عتبات حق تقرير مصير جنوب السودان ، وسكانه هم من يقررون البقاء تحت مظلة وطن واحد أو الانفصال في دولة جديدة . كم صفحة أعدت الوزارة المعنية  لمعالجة هذا الوضع الذي  ظللنا نتوقعه منذ توقيع اتفاق نيفاشا في نيروبي يناير 2005 ..؟

( 3 )

         يبقى من الأسئلة ما هو مزعج ومقلق في آن، وعلى وزارة الخارجية (الإتحادية) أن تنبري لمعالجته، وطرح مختلف سيناريوهاته على موائد البحث والتدارس، بشفافية  وبعقول مفتوحة   .

        ثمة أسئلة تتصل بانتماء السودان الحالي (القديم) لدوائر وجوده الإقليمية : الدائرة العربية والدائرة الافريقية والدائرة الاسلامية . ترى كيف ستكيف الوزارة وجود “سودان ما بعد الاستفتاء” في الجامعة العربية ، وثلث سكانه وأراضيه إلى ذهاب لقدرٍ جديد ولفضاء أشدّ بعداً ؟ هل ستحسب الجامعة العربية  ومنظمتها الزراعية ، خسارتها وهي تؤمل وتراهن  ومنذ دهور ، على سلال غذاءٍ  في السودان ؟

         ثم يبرز سؤالُ انتمائنا للإتحاد الافريقي ، ونعرف القدسية التي  في ميثاقه منذ أن صاغه الآباء في 1961 في أديس أبابا ، والمتعلقة بالحفاظ على الحدود الموروثة من الاستعمار . بالطبع لن يفقد سودان ما بعد الاستفتاء  عضويته في هذا الاتحاد ، ولكن كيف يجري تكييف هذا الوضع الجديد ، وكيف ستكون تداعياته على دول الجوار الإفريقي من حوله..؟ هل جرى التفكير في مرحلة انتقالية تتولى وزارة الخارجية (الاتحادية) تمثيل جنوب السودان- فيما إذا استقل وانفصل- في الاتحاد الافريقي ؟ هل أعددنا الدراسات  والسيناريوهات فيما إذا جرى استقطاب جنوب السودان إلى دائرة انتمائه الطبيعي مع كينيا ويوغندا والكونغو ، ونعرف تعقيدات مشاكل مياه النيل الأبيض  ومنابعه ، والحساسيات التي نشبت الآن  وقد تتطور لمواجهات لا تحمد عقباها بين دول المنبع ودول المعبر والمصب ..؟

        ثم أنظر إلى عضوية السودان في وكالات وهيئات الأمم المتحدة المتخصصة ، كيف يجري تقسيم ما خصص من موارد لبلد واحد متحد، صار الآن بلدين ؟ لابد من تصور جديد لما ظللنا نتلقى في السودان (القديم) من عون فني  من منظمة الزراعة أو اليونسكو أو الإسكوا،  على سبيل المثال  .

       تلك أسئلة ينبغي أن تكون إجاباتها حاضرة وسيناريوهاتها  مرتبة، حتى لا تخرج قرارات المصير فطيرة  بلا تعقل ، متعجلة بلا تروي. فيما يتكتل الصغار في تجمعات فاعلة ، تجد السودان الكبير يتداعى لانشطارات  كارثية مأساوية . .

( 4 )

        اللافت للنظر في حال الوجود الأجنبي في جنوب السودان، هو أن للسفارات وللقنصليات الأجنبية وجود هناك ، ومكاتب رسمية ن مع ما هو موجود من منظمات أجنبية غير حكومية، ولكن لا نرى لوزارة الخارجية (الإتحادية) من وجود في عاصمة الجنوب . لربما فات على الوزارة أن تنشيء فرعا لها في الجنوب ليشرف على الوجود الدبلوماسي والقنصلي هناك ، فيكون في ذلك ما يجعلنا نظن أن عملا إجرائيا جرى تنفيذه ويجعل من أمر الوحدة ميسوراً جاذبا. على الأقل سيكون مقبولاً أن نرى  هذا الحرص الشكلي على وجود لوائح وضوابط دبلوماسية اتحادية، تراعى في الجنوب، وترعى الامتيازات والحصانات هناك ، إذ الوزارة هي الجهة التي من مسئولياتها هذا الجانب، وفقاً لما نص عليه روح اتفاق السلام الشامل . لو أجرت وزارة الخارجية حساباتها بدقة، لأمكن لها بيسر متابعة مجمل جوانب الاتصالات الخارجية التي تجري في جنوب البلاد، إذ هي التي تشرف عليها اتحاديا ومركزياً، وفق التفويض الدستوري . أعجب أن أرى وزارة الخارجية وقد استوعبت  النسبة المئوية المقررة من دبلوماسيين في صفوفها، من منسوبي الحركة الشعبية ، الطرف الشريك في الإتفاق ، ثم أراها عاجزة عن ابتعاث عدد منهم لإدارة فرع لها يساعد حكومة جنوب السودان في تسيير علاقاته الخارجية والدبلوماسية.. !

         هل أسأل إن كان لمراسم الخارجية أو مراسم الدولة، على سبيل المثال ، أي علاقة بترتيبات لقاء النائب الأول لرئيس الجمهورية بنائب رئيس الولايات المتحدة، والذي قرر أن يكون في العاصمة الكينية ..؟

 

( 5 )

         إن أسئلة الانفصال لكثيرة ومتشعبة ومقلقة . أجل ، قد لا نتوقع أن تقوم القيامة في يناير 2011 ، ولكن من المنطق أن تتداعى الخبرات هنا وهناك ، في الشمال كما في الجنوب، لصياغة خيارات وسيناريوهات تفصيلية ، تتحسب لكل طاريء وكل احتمال . فيما إذا  أفرز الاستفتاء انفصالاً جاذباً ، لا أظن الناس يتوقعون  جداراً يبنى بين الشمال والجنوب، كمثل جدار برلين الذي أصبح في ذمة التاريخ لعقود ولت ، ولا أتوقع أسلاكا شائكة تقام كمثل ما  أقيمت بين الكوريتين . ولكن تبقى الجدية مطلوبة لمعالجة ملفات الوطن وتدارس مئآلاته . لا أصدق أن مثل هذه المصائر تعالج في عدة وريقات تكتب على عجل، فيما يشبه عجلة الحائك وقفة العيد . لن تكون قسمة السلطة بمثل هذه السهولة التي يرسمها لنا السياسيون ، ولا قسمة الموارد هين أمر اقتسامها مثل كعكة من فوق طاولة . نحن على عتبات مصيرية ، ولن تجدي التصريحات النارية تطلق هنا أو هناك. الذين يرون الإنفصال واقعاً أو من يرون الوحدة أقرب الخيارات، عليهم الركون، لا إلى العقل  وحده، بل القلب والوجدان، إن رمنا الصدق مع النفس واستنطقنا الضمائر قبل أن تذهب في إجازة قسرية .  ثمة مساحة لخيار ثالث بلا ريب، حتى وإن اقتضى الأمر فتح ملف نيفاشا من جديد ، فهلا تدبرنا أمرنا نهارا قبل أن يتدبر الآخرون أمورنا بليل.. ؟

( 6 )

          عجبت لقصة دولة مالي في غرب افريقيا ، إذ ما أن أوشكت على إعلان استقلالها، حتى ارتأى أهلوها أن يسموا دولتهم الوليدة  بإسم “السودان” . إن اردت الحق، لربما هم الأكثر استحقاقاً بالإسم منا ، ولكن  ما أن بلغت الخرطوم تلك النيّة عند أهل مالي، حتى انبرت دبلوماسيتنا في هبة مضرية تزود عن الإسم الذي نلناه استحقاقا راسخاً، قبل مالي . تراجع أهل مالي وكسب السودان إسمه الحالي.  ذلك وقع في عام 1958 والسودان يقوده جيل  أفرزته الحركة الوطنية التي قارعت الاستعمار البريطاني وأجلته عن السودان في عام 1956.

        ها نحن الآن  نقف على عتبات المصير ونحن أقل حرصاً ، ليس على الإسم،  بل على التراب نفسه،  فما أبأسها من صورة 

 

 

الخرطوم – يونيو 2010

 

   

 

jamal ibrahim [jamalim@yahoo.com]

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً