كيف لا
تقول الطرفة الشهيرة أن مذيعة خرجت تستطلع آراء الناس حول الزواج المبكر فقابلت مسطولاً على شارع النيل وسألته عن رأيه ، فردّ عليها بسؤال : " مبكّر حوالي الساعة كم يعني ؟" وها نحن من جملة المساطيل نسأل نفس السؤال للإدارة العامة للمرور التي منعت السفر الليلي على الطرق السريعة للحد من الحوادث المرورية : " سفر ليلي حوالي الساعة كم يعني؟ " لأن ساعات الليل الممتدة من الصعب حصرها أو الالتزام بها كاملة .
الإدارة العامة للمرور تحاسب المواطن المسكين برفع مسئوليتها عن حوادث بشعة كحادثتي الدردار والقطينة وإلقاء اللوم عليه لأنه سافر ليلاً. ولو سألنا أي صبي صغير لاستطاع وضع منطق سليم وهو أن منع السفر ليلاً لا يُصلح من حال الطريق نهاراً ، لأن الطريق هو هو بحفره ومطباته الترابية وتعرجاته الناتجة عن إصلاحات لأغراض أخرى بطريقة غير مسئولة تقطع الاسفلت إلى أجزاء ثم تعود وتردمه كيفما اتفق .
إيقاف السفر ليلاً لا يُعد تدبيراً ولا تفكيراً حكيماً لأنه وكما جاء على لسان الإدارة أن (90%) من الحوادث تقع ليلاً بسبب عدم الإضاءة . إذن لماذا نصر على الظلام والإظلام ، ماذا لو أخذت الإدارة جزء من الجبايات غير المقطوعة ولا ممنوعة لتضيء الطرق وتكون أراحت ميزانيتها ورجالها من شكوى عمليات التفويج المكلفة لتكون المسئولية من بعد ذلك على السائق ، فماذا يريد هذا الشقي أكثر من طريق معبد مضاء .
لعل الإدارة العامة للمرور تعلم أن السفر ليلاً ليس بمغرٍ إلى الحد الذي تعقد معه الندوات وتخرج بهذه النتيجة الخطيرة . فبالرغم من أن طقس السودان المعادي للحركة والسفر نهاراً فإن المواطن لم يستطع تغيير ولو جزء يسير من نمط حياته بتخصيص جزء من الليل لأداء بعض المهام الاجتماعية والترويحية وترك النهار للمعايش والمصالح . ولم يستطع تغيير هذا النمط لأنه جُبل على ذلك ولأنه ما من مشجّع على ذلك فلا الطرق مضاءة وممهدة للعابرين داخل المدن ناهيك عن الطرق السريعة ولا الجو العام مشجع على البقاء خارج المنزل إلى ما بعد العاشرة ليلاً ، فهناك هلع وخوف غريب من السهر. فالشوارع تخلو تماماً من المارة وتكسوها وحشة غريبة ، وتنتقل هذه الوحشة إلى داخل البيوت فكل مطفأة أنواره عند العاشرة لأسباب اقتصادية ولتوفير ما تبقى من جمرة اليوم إلى الغد وبسبب حالة نفسية أن الكل ساكن والبلد في مواتها الليلي الرهيب .
هذا الجو والذي لا يغري بالتحرك داخل المنزل فكيف يهيئ لأحد ما بالسفر ليلاً وعلى الطريق السريع ، اللهم إلا أن تكون هناك ضرورة ما كإسعاف مريض أو نقل سيدة على وشك الوضوع إلى المستشفى أو السفر لعزاء وهذه الضرورات تبيح المحظورات وأهمها إباحة حظر السفر ليلاً الذي من المفترض أن يكون مباحاً بالطبيعة مع التسهيلات وتوفير أدوات السلامة . في قرار المنع لم تضع الإدارة أية استثناءات مما يجعل الباب مفتوحاً لمعاقبة متجاوزي زمان الحظر هذا بالعقوبات والجبايات.
قبل خطوة المنع هذه كانت هناك خطوات كتنكر مدير المرور مستقلاً بص كوستي حتى يستجلي أسباب الحوادث ، والأمر لا يحتاج لثياب تنكرية أكثر مما يحتاج لوقوف المدير على طرف الطريق السريع حتى يتبين أي نوع من الطرق الرديئة تنهبها مركباتنا. فالاتهام يجب ألا يوجه إلى السائق وحده ونعته بعدم المسئولية فهذا السائق يمر على نقاط تفتيش ولكن لا أحد يسأله عن إطارات مركبته التي من المفترض أن يتم فحصها دورياً وتكون مطابقة للمواصفات . كل ما يتعرض له في الطريق السريع إن كانت هناك مخالفة ما يدفع ثمنها ويذهب إلى حال سبيله ليقع الحادث بعد ذلك أو لا يقع فما على نقطة التفتيش إلا أن قامت بدورها الجبائي على أكمل وجه.
عن صحيفة "الأحداث"
moaney [moaney15@yahoo.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم