في التـرحيْب بسـفيـرِ لبنـان نَزيْـه عاشـور .. بقلم: جمال محمد ابراهيم


أقرب إلى القلب :

عَنْ بَيْـروْت وَالمَـرْأة ِ والبَحـرِ،  قَصَـصٌ تُحكَـى . .

في التـرحيْب بسـفيـرِ لبنـان نَزيْـه عاشـور

جمال محمد ابراهيم

jamalim@yahoo.com
( 1 )
عن بيروت وعن المرأة ِ وعن البحرِ،  قصصٌ تُحكى . .
قويٌّ هو البحرُ بصخبِهِ و بموجِهِ ،   أقوىَ من أنْ يمْخر عبابَه ُ قاربٌ  صغير . . لكنّه هيّن ، أكثر أحواله ، ليّن منساب ٌ، يفتح مسامَه لكلّ غوّاص يجيد ملاعبته ، و يناور بين أحشاء موجه ِ، جزراً ومدّا  يستجذب في حـراكِـهِ  الدّرَّ الكامن  هناك . .
كذلك تكوْن الأنثى . قوية ٌ هيَ كموجِ البحرِ ، هيّنة منسابة كالصبا قبيل هبوب النسيم . بينها و السماء آصرة ، و في أعماق خلاياها الدُّرّ الثمين ُ مُختبئاً كامنا . .
أعجب لأسطورةِ عروسِ البحر كلَّ العجب ، إذ كيفَ يخرج بحرٌ  من  بحر ٍ ويستولد الماء من صخب موجه، ماءاً بديعا ؟  أهيَ التي أنشأ الربّ ُ لها بحراً تتنفّس فيه ، أمْ هوَ البحرُ  يُنشيءُ بلا حيثيات ، عروساً له ، أقوىَ منهُ ، وأمضىَ  حُكماً  وأكثر سحرا ؟
امرأتي التي حكيتُ لكم عنها ، لم يخرج منها بحرٌ ، و لم تخرج هيَ من بحر ،  مثلما خرجتْ تلك العروس  . هي صِنوُ البحر نَفَسُهُ إن شئت ، تلاقيه مَوْجة لموجة .تلاعبه مـدّاً وجزرا.  تلاصقه كَتِفاً لكَتِف  . تباصره عيناً لعين  . هي امرأة  ترقد قبالة البحرِ ،  لمْ تغصْ بكامل بدنها ، بل بقدميها وبساقيها ، أما باقي بدنها البديع  فهوَ على الساحل ، ترونه وادياً  ممتدا ، و الجبل وسادة خضراءُ  مِن  صنوبرٍ وأرز . . هي بيروت  وتاجها “الروشة”  في ماءِ الذهب الأبيض المتوسط. .
عن  المُدن الساحلية .. التي أحببت  . . تطول الحكايات . .
( 2 )
في تجواليَ الدبلوماسي أوّل عهدي ، كان حظي مع المُدن الساحلية أوفر . نزلتُ في قلب القارة الأفريقية ، تلك البقعة التي سمّاها ونستون شرشل ذاتَ يوم ،  جوهرةَ القارة السوداء . هيَ يوغندا . لو أسقطنا أوشابَ الإقتتال والمنازعات الإثنية التي طوّحتْ بكمبالا في ثمانينات القرن الماضي،  بعيداً عن هذا الوصف ، لهيَ بلا مراء جوهرة لا يَعرف لمْعَ عقيقِهَا إلا القليلون . كنتُ مَحظوظاً أنْ أقتربتُ مِنْ ” عنتبّي ” ، تلك المدينة التي ترقد في حواف بحيرة  فيكتوريا وتحت خواصرها العاصمة كمبالا، متلفعة  بغلالات من نورٍ وباباي وبهار . هي البقعة التي كانت خبيئة في أحلامِ المكتشفين الأوربيين الأوَل، “صموئيل بيكر” و”سبيك”  و”ليفينجستون” وأضرابهم، الذين تعبوا في البحث عن منابع النيل ، ذلك الذي ينبع من جبال القمر، نهراً فردوسياً مُقدسا . للسواحل  الفيكتورية الأفريقية ، سحرٌ أخّاذٌ ، بلا شك، وسطوة طغت ْ على تفكيريَ زمانا .
ثمَ كان حظيَ أيضاً  مع  “قرطاج” في تونس ، و إلىَ شمالها :  عذراء البحر المتوسط: بنزرت ْ.
قبْل حلول ِ المغيب ، كنتُ  أدلف إلىَ ذلك  السّاحل السّاحر . .  يأسرني برمالِهِ الذهبية الصافية ، فأرسلُ  بصري إلى انبساط ِ البحر مُمتدّاً على أفق ِ بنزرت، يشمل بحنوّهِ السفن الماخرة و المراكب العابرة، في هدوءٍ قدسيّ . . ويالهُ  مِن بحر. ثم في “قرطاج” ، آه منكِ أيّتها المرأة الساحلية الشهيّة. لو حدقتُ ملياً  إلىَ الأفق ِ البعيد ، لرأيت غيوم غرناطة و أطلال طليطلة  وصباحات اشبيلية، قبل أن يطلّ عليك وجه “مدريد”.  لقد فتحتْ  لِيْ ذراعيهَا ، تونس ، فكانتْ مُدنُها ملاذي وسواحلها أمان قلبي ، ووحيَ الكثيرِ مِمَا صاغ قلمِي أوانذاك .
( 3 )
للبحرِ المتوسّط  حُنوٌّ  اصْطِفائي ، وَسِحر ٌ طاغ ٍ وآسِر . أمَا كانَ طبيعياً أنْ تقودني بَوْصَلتي إلىَ عروس المُدن الساحلية ، المرأة البديعة التي تحدّتْ ليونة  البحر بحنوّ نسائِها ، ومَوْج البحر بقوّتِها ، وصخب البحر باحتدام  نَفَسِها السياسي  والإقتصادي ، وتنوّع أطيافها القزحيّة ، مثلما برعتْ في تحدّيها لاتساع البحر باندياحِ الثقافة منهَــا ؟ قالتْ لموجِ البحرِ ومُرْجانه : أنا زُمرّد الفن مِنّي ، و لئآليُ  الإبداع  مِلءُ رئتيّا ، وُدررُ  الفكر ِ مِن أصدافي . تلكَ هي َ بيروت .
ليسَ مَقصَدي أبداً أنْ أفسّر لِمَه تقترن المرأة في خاطري مع البحر، أو لِمَه جاءَ عنوان مجموعتي الشِعرية الأولـــى هكـــذا  :  “امرأة البحر أنت . .”، بيدَ  أنّي رأيت  تكوينَ صوتي ، قد جاءَ وفقَ ما تواءَم عليه التراب الذي مشيت عليه ، واليَم الذي سبحتُ في أمواهه ، عربياً وإفريقياً.  ثمَّ  أتجوّل في فضاءاتي، عن غير قصدٍ سِوَىَ ما اقتضته مهنتي التي امتهنت ، فوجدتني أستكشف سحرَ البحر وسِحر الحياة ، فأرىَ خيطاً ينتظم تجربتي ، ثُم َ كتبتُ  ما كتبت . لكلّ ترابٍ كثافة ، ولكلِّ بحرٍ مَذاق ، ولكلّ مياهٍ لون :  نهرٌ أبيض وآخرُ أزرق – مثلما عندنا في السودان – و بحرٌ أحمر ٌ في سواحلنا الشمالية الشرقية ، أو بحرٌ أبيض يتوسط الكون ، مثل الذي  تستلقي فيه بيروت ، فسمّوه الابيض المتوسط  .
( 4 )
قلتُ لأصدقائيَ مِنْ  السُفراءِ، وقت حلولي ببيروت سفيراً فيها قبيل سنوات : أنتم تذهبون إلىَ المُدن بأوراقِ اعتمادكم ، فيكون أول منْ تلاقون هُم ْ رصفاؤكُم  السفراءُ ، أما أنا فقد حللتُ ببيروت ، وكان مِنْ بين أول مستقبليّ في مطار رفيق الحريري، شاعر لبناني ضخم إسمه هنري زغيب، هو مِن رفقاء وتلاميذ آخر عمالقة الشعر العربي: سعيد عقل . في رفقة  الشاعر جاء وزير الثقافة السابق وراعي جمعية الأخوة اللبنانية السودانية. عرَّفوني به قبل ذلك، أنّهُ صهر شاعر لبنان الكبير الرَّاحل بشارة الخوري- “الأخطل الصغير”.  في سفارتي التي قصدت،  قبالة  فندق “البريستول” العتيق  وبداية شارع الحمرا في قلب بيروت،  أوّل زائرة رحبتْ بي، كانت الشاعرة اللبنانية الدكتورة سلوى الخليل الأمين .
في بيروت ، عروسُ الشِعر العربيّ ، يقدّم السفراءُ أوراق اعتمادهم لرئيس الدولة ، ولكن أيضاً ثمَّة اعتماداً آخرَ تطلبه منّا  هذه المدينة الإستثنائية  . أجل. . قدمتُ أوراق اعتمادي  لرئيسِ لبنان ، لكن كان عليّ أن أقدم أوراق اعتمادي- إذاً – لبيروت الإبداع ، لبيروت القصيدة ، لبيروت فيروز والرحباني وسعيد عقل وشوقي أبي شقرا وجورج جرداق، وأيضاً طلال سلمان ورياض الريّس. . ولا حدود لبحر الابداع ولا سواحل لجمهورية السِّحر هناك . .
سألتُ بيروت التي عرفت هامساً : هلّا قبلتني ،  يا صاحبة السعادة ، سفيراً شاعراً في بلاطك . . ؟ ثم خفق القلبُ بحبِّ  بيروت، حبّاً مُستداما . . .
أخي نزيه : أمنيتي أن أرى الخرطوم  تأسرك مثلما ستأسرها بشِعرك وبإبداعك، أنْ تحبّها بمثل ما أحببت أنا بيروتك ، وميّزتها عن كلّ عواصم البحار التي عرفت. .

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

من عقيدة مونرو إلى “عقيدة ترامب”

جمال محمد إبراهيم(1) بعد الإقرار بما أقدمتْ عليه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، غزو أراضي …

اترك تعليقاً