أقرب إلى القلب :
jamalim@yahoo.com
( 1 )
لا أحد رأى ما رأى عبر القنوات الفضائية إلا واستهجن وأنكر هذا الذي وقع يوم الأربعاء 14 أغسطس في ميداني رابعة العدوية والنهضة في قلب القاهرة. لن يكون مقبولاً لطرف في الحكومة التي وصفها البعض بأنها علمانية “ليبرالية”، وهو توصيف غير دقيق ويستبطن اتهاماً وتوجّساً – ولا أقول تحريضاً- للوقوف ضد التيار الذي جاء في أعقاب مظاهرات 30 يونيو المليونية. كما أنّه قد لن يكون مقبولاً أيضاً من أطراف المعارضة الإسلامية العريضة، التي ضمّت إسلامويين وغيرهم من المتعاطفين ، يرون في احتجاز مرسي وإزاحته من الحكم- وقد جاء عبر شرعية صندوق الانتخاب- انتقاصاً في مسيرة الديمقراطية الحقيقية التي كانت من أقدس مقاصد الثورة التي أنهت حكم مبارك بشرعية عزيمة التغيير في الشارع المصري، بعد ما يزيد عن الثلاثين عاماً من الحكم بقبضةٍ من حديد، وبعصا من قوانين طواريء. ولقد كان لنظام مبارك أزلامه وطغمته وبقايا فلوله، مثلما كان للفرعون القديم سحرته والسابحون معه حتى طواهم البحر جميعاً، وأنجى الرّب نبيه موسى من بطش الظالمين . وللثورة التي تنتظم مصر الآن، جولات وجولات قادمات . .
( 2 )
ولقد عبّرتُ في مقالٍ سابق لي أن الخروج من جُبّة الشمولية التي مثلها حكم مبارك أدقّ تمثيل، قد يتطلب صبراً طويلا ومعاناة أطول ، بل وربّما انتكاسات مؤقتة ، وعثرات مؤلمة، وجراحات دامية، بمثلما نرى الآن من دماء تسيل في ميادين كانت ساحات لاستعادة الحريات المنهوبة، وتظاهرات أنبل مقاصدها هيَ العزة والكرامة لشعب يقف على حضارات ضاربة في عمق التاريخ ، قبل الإسلام وقبل المسيحية وقبل اليهودية. وما قولهم لمصر “أمّ الدنيا” هو من قبيل الزهو الفارغ أو اللغو المجاني، بل هي على قول “هيرودوت : “مصر هبة النيل” وهيَ كذلك ، بما يحمل هذا الوصف من تميّز في التاريخ وفي الجغرافيا. لكلِّ نبي من أنبياء الله قصة مع مصر ومع فراعين مصر ومع شعوب مصر.
إن الإرث الشمولي الذي انتظم مصر لسنوات طويلة لم يكن إرثا منبتاً عن ممارسات عرفتها مصر عبر تاريخها الطويل المُمتدّ لآلاف السنين . وما نصح الإله لنبييه أن: “اذهبا إلى الفرعون إنّهُ طغى. .” الآية الكريمة، بقولٍ يبعد عن هذا الواقع التاريخي الراسخ. ولن يكون منطقياً أن يقف الفكر السياسي المصري – بلغ ما بلغ من الرسوخ ومن استدامة الاستبداد- عند نقطة في التاريخ لا يبرحها ولا يبذل جهداً سياسياً لتجاوزها واستشراف آفاقٍ تعيد مصر لدورها الريادي في محيطها. .
( 3 )
التحوّل سِمة لازمة في التاريخ البشري، ومصر لن تكون استثناءا. ولربما يستغرق التحوّل فترة وجيزة أو – وهو الأغلب- أو أن يستغرق فترات متطاولة لسنوات بل ولعقود ، وعبر أجيال عديدة متتالية، لا عبر جيلٍ واحد. كنت قد كتبت مستشهداً بما جاء في مقال للمفكر الأمريكي “فوكوياما” في الصحيفة الأمريكية الشهيرة “النيويورك تايمز” ، عدد يوم 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2006 ، عنوانه : “دارفور وبناء الدولة في أفريقيا ” ، وأوردتُ ما ترجمته مقتطفاً من ذلك المقال وضمنته مقالاً لي نشرته صحيفة “السفير” اللبنانية، تحت عنوان “فوكوياما عن دارفور : فرضيات مغلوطة”، في نوفمبر 2006 ، وبعض فقراته أدناه . يقول “فوكوياما”:
(( … ينسى الأوروبيون والأمريكيون ، أن عمليات ” بناء الدولة” تنطوي عادة على قدر كبير من العنف وعلى تغييرات هائلة في حدود بلدانها : المملكة المتحدة مثلاً لم تعد تضم مستعمراتها الثلاث عشرة السابقة . كاليفورنيا وتكساس، لم تعُدا ولايتين ضمن المكسيك . أوروبا تحوّلت إلى ثلاثين دولة في أوائل القرن العشرين بعد أن كانت تضم أكثر من ثلاثمائة كيان مستقل في القرون الوسطى. وصحب كل ذلك ألتحول ما صحبه من تطهير عرقي، فوقع تدافع وتجاذب لإثنيات كثيرة مثل التشيك والبولنديين والأوكرانيين ، نحو بلدان أكثر تماثلاً وتوحداً من ناحية العرق . إن أمريكا وأوروبا تطويان الآن آخر صفحات مرحلة مؤلمة و شاقة في عملية ” بناء الدولة” ، وتوحّدها ، بينما أفريقيا هي الآن في أول عتبات هذه المرحلة، ومع ذلك يتوهّم الأوروبيون والأمريكيون على حد ٍ سواء، أن البلدان الأفريقية لا تقل رصانة عن بلدانهم. ويستطرد “فوكوياما” في طرحه قائلاً : إننا بالفعل قد نكون راغبين في تجنيب الأفارقة ظواهر العنف التي تكتنف عملية “بناء الدولة ” ( فيما إذا بعثنا بقوات لحمايتهم في دارفور مثلاً ) ، ولكننا قد لا نكون قدمنا إليهم سوى ما يبقي أوضاعهم على حالها ، ولا يقدم لهم بديلاً يساعد في بناء دول ٍ قابلة وقادرة على استدامة تماسكها واستقرارها . ))
( 4 )
على أنّ عمق الإرث الشمولي، بما صار يوصف وصفاً غرائبياً بالحديث عن “دولة عميقة” دون الركون إلى معايير بيّنة تشي بالمقصود من ذلك التعبير، لن يجعل مسيرة التحول في مصر رهيناً بإرثها التاريخي، الضارب عميقاً في الشمولية وفي الاستبداد المستدام عبر التاريخ، كما لن يكون من المُسَّلم به أن يقع التحوّل إلى نظام ديمقراطي بذات المواصفات التي تعرفها المجتمعات الغربية، بين يومٍ وليلة. وما كتب المفكر المصري الراحل جمال حمدان سفره عن عبقرية مكان مصر إلا رحلة فلسفية معقدة عن مكان مصر، في الجغرافيا وفي التاريخ. ليس لمصر- أو لأيّ دولة تقع ضمن تصنيف الدول الناهضة- أن تسلك ذات الدرب الذي أفضى بأوروبا أو الولايات المتحدة ، إلى الديمقراطية بالمعايير التي نعرف. ذلك المسعى من قبل شعوب تلك البلدان الناهضة، لا ولن يتجاوز ما توافق عليه المجتمع الدولي الواسع والذي انتظم العالم واعتمدته شعوبه في أعقاب الحرب العالمية الثانية المدمرة، وذلك قد تجلّى -على سبيل المثال- باحتضان هذه الشعوب لميثاق الأمم المتحدة ولشرعة حقوق الانسان المعروفة بالإعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948. كتب حبيب مالك ابن المفكر اللبناني شارل مالك الذي له اليد الطولى والقلم الأوضح في صياغة تلك الشرعة، في مقدمة لكتابٍ عن والده الراحل في مناسبة مرور خمسين عاماً على إعلان حقوق الإنسان، ما يلي :
((على أن شرعة حقوق الانسان لم تجد سبيلها إلى التطبيق الملزم الحازم، بعدما حالت النزاعات السلطوية الراديكالية دون إدراجها في صلب القوانين الدستورية. . فقد أصبحت بالرغم من ذلك الخطر المتعمّد، عرفاً وجودياً يتمتع بامتياز القانون ، بل يمكن القول إنها أصبحت اليوم عنوان الحضارة. .)) (ص11 من كتاب : شارل مالك: دور لبنان في صنع الإعلان العالمي لحقوق الانسان، مؤسسة نوفل ، بيروت 1998). لا أتصوّر أن الدرب الذي ستسلكه ثورة التحوّلات في مصر، يتجاوز مثل هذه المسلمات ، بل وليس ممكناً لثورات الربيع العربي والتحولات الماثلة، أن تغفل عن مثل هذه الثوابت الراسخة التي أنجزتها البشرية بعد تجارب طويلة ومعاناة باهظة تكلفتها . .
( 5 )
لكلِّ ثورة مواقفٌ ومحطات حققت ايجابيات، مثلما لها سلبيات وانتكاسات استوجبت مراجعات وتراجعات، لن تكون محطة واحدة أو موقف واحد معين هو خاتمة مطاف تلك الثورة، أو نقطة الحصول على جائزتها بانتهاء سباق افتراضي من طبيعته أن لا ينتهي بل هو مستدام استدامة الحياة . ما حدث ويحدث هو سير على دروب التغيير والتحوّلات، ولن تسطع شموس التغيير إلا بعد تيهٍ في أنفاق مظلمة، ولن تنتصب الخيول على أقدامها إلا بعد كبوات. تبقى العبرة أن تجد الشعوب القدرة التي تستعيد عبر أنفاقها وكبواتها المحدقة، عزائم التغيير الحقيقي بعيداً عن تأثير الأوصياءِ وعرّابي الثورات المُزيفين، واجتهادات إعلام لبعض رموزه ذهنية تسعى بغير وعي متعمّق، لإحياء سعد زغلول أوعبد الناصر من قبور التاريخ. لن يفلح عرابو الثورات في استنساخ ثورةٍ من ثورة، أو عصرٍ من عصر آخر، بل ستفلح الثورات بإرادة مكوناتها جميعاً لتصنع تفرّدها وبصمتها في التاريخ ، وإن تعثّر ربيعها لحين . .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم