احمد سليمان الوكيل .. بقلم: الصادق عبدالله عبدالله
3 أكتوبر, 2014
منشورات غير مصنفة
42 زيارة
ألقت عصاها واستقر بها النوى
كما قر عينا بالاياب المسافر
نزلت صباح اليوم الثالث من اكتوبر، في يوم الجمعة يوم عرفة.. وقد كان الحجيج في ذات الوقت والحين قد نفروا إلى عرفات يطلبون الرحمة والمغفرة من بارئهم، خالقهم.. ورازقهم.. ها أنذا في ذات اليوم أسأل الله الرحمة والمغفرة إلى روح أحمد سليمان الوكيل .. في هذا الصباح نزلت إلى الخرطوم كالمعتاد أسابق العيد.. فنقل إلىّ فور إيابي أن البروفسور أحمد سليمان الوكيل قد توسد الباردة.. الموت حق.. سبحان الله.. ألا رحم الله أحمد سليمان الوكيل .. لعمري لا أحد لديه عقد للحياة عند الله.. وما علينا إلا لنسلم لرب العالمين.. الله الذي يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت في منامها.. فيمسك التي قضى عليها الموت ، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى .. إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ..
لقد تفي الوكيل عندي من قبل، فقد توفى بكل حسابات الذين من حوله من الزملاء .. وقصته قصة تروى في اليقين والتماسك.. فقد كنت قبل نحو سبعة سنوات مقيماً في نيروبي. نقل إلىّ أحد أن أحمد الوكيل قد توفى .. نعم الموت حق. حتى أتبين قمت بإرسال رسالة للبروفسور ابراهيم الدخيري أسأله عن صحة أحمد الوكيل، وأطلب عنوانه.. فإذا به يجيبني بأن الوكيل قد أصيب بالسرطان ، ذهب للعلاج في تايلاند وجاء معافى تماماً.. وإليك رقم تلفونه.. فتواصلت معه في الحال مطيباً ومسلماً ومحمدلاً له السلامة.. وقد فرحت.
الوكيل ذاته بنبرته وبكلماته (كتر خيرك أخونا الصادق على الاتصال).. وبعثت من طرفي كلمات الإعتذار ، فلم أك أعلم بمرضه، ولا بسفره للعلاج، إلا ما بعد ما نقل لي وقد تبينت. بث الوكيل في مسمعي مفردات وحكمة عميقة لا أزال وسأظل أرددها .. ولا بد أن يحفظها الجميع.. أرددها لكل المشفقين على حال الانقطاع الذي نمارسه أحياناً مع سبق الإصرار والترصد .. ونصنع لأنفسنا العذر ، الذي لا يقبل غلا مجاملة,, الله وحده يعلم السرائر.. إذ يقول الوكيل: (يالصادق الما قدر يصلنا ويواصلنا له منّا العذر.. والما قدرنا نصله ونواصله.. ليجد لنا العذر.. شفت كيف.). رحمك الله أيها الحكيم.. هذا لعمري قول لا يصدر إلا من سريرة نقية.. رحمك الله يا أحمد.. ماذا أقول. عرفت أنه كان بصدد كتابة تجربته مع السرطان.
وقد عرفت أن أحمد الوكيل قد ذهب للعلاج من السرطان بيقين المؤمنين ، بعد أن ألح عليه الناس، كل الناس . كان أحمد على يقين بأن الأمر لا يستدعي كل ما أبداه الناس من شفقة وقلق على صحته. فيستجيب لخاطرهم الغالي.. ليأتي الوكيل معافىً تماماً.. وقد علمت أن طبيبه الذي أشرف على علاجه قد ذهل من جراء استجابة ذلك الجسم القليل النحيل قد استجاب للعلاج.. ذلك العلاج الخارق هو نفس أحمد وسريرته النقية، التي لا السرطان ولا غيره يستطيع المكوث. غلا أن قدر الله نافذ فينا جميعاً.. رحم الله أحمد.
عرفت أحمد الوكيل منذ منتصف الثمانينيات، عندما كان باحثاً ، ثم باحثاً ونائباً لمدير محطة بحوث كادقلي.. مع كوكبة من الدكاترة والاساتذة الباحثين الذين لهم شأن.. بابو فضل الله، ابراهيم هاشم، ابراهيم ضو المدينة، المرحوم عبدالقادر عجيب، سيد احمد حسن بتيك، محمود عوض مكي، فيصل محمد عبدالله، ومحمد عظيم أبو صباح. بعضهم في الانظمة الرعوية، وبعض في محاصيل الحقل وبعض آخر في بحوث المجتمعات الريفية. لقد جاء البروفسور الوكيل تواً لمحطة بحوث كادقلي، بعد أن أكمل بحوثه ودرجاته العلمية في جامعة وايومنق بالولايات المتحدة الامريكية في مجال بحوث المحاصيل والأعشاب العلفية.. أرجو أن يفصل من يعرف الوكيل في هذا الجانب.. وليت بحوثه نشرت.
عرفت وقتها أحمد سليمان الوكيل وزوجته التي كنّا نسميها آمنة الوكيل، فهو من ود مدني وهي من ود النور. وبناته الأثنتين نجلاء وسوزي. وشهدت مولد ابنه المعتز.. أزجي للاسرة المكلومة حار التعازي.. كنت حينها عاملاً في التنمية الريفية بجبال النوبة .. تواصلنا ماشاء الله لنا التواصل.. نلتقي أحياناً في بعض العمل وكثيراً في الأمسيات في مجمعاتنا السكنية.. كانو بسياراتهم الميركيوري يزورون مجمع التنمية السكني .. وكان ميز الباحثين في اقتصاديات الأسرة الريفية من وزارة الزراعة بقيادة بابكر حاج حسن، عبدالواحد، حياتي، كرار وإلى جنبه مسكن الاخوات الباحثات بخيتة محجوب، فاطمة احمد ابراهيم، بثينة. كنا نجتمع في باحة منزل الباحثين نساءاً ورجالاً. وعندما ينام أحد الصغار تاخذ أمه لمنزل الباحثات المجاور. ثم يتحول اللقاء الأسري مرة أخرى إلى منازل محطة البحوث في منزل الوكيل أو ضو المدينة أو عبدالقادر عجيب رحمه الله. أو زيارات منفردة لمنزله أو منزلنا.
ثم افترقنا نضرب في الأرض.. كل يبتغي من فضل الله وقد ذهب هو في إعارة خارجية في المشروع العالمي للثروة الحيوانية في افريقيا ILCA.. عدتُ وسكنت في مدينة بري.. لنلتقي مرة أخر، ونتواصل مرة أخرى.. وتعرفت فيها على شقيقه على الوكيل وزوجته
قابلت بروفسور الوكيل في ورش اعدادة خطة السودان للتنوع الحيوي في مطلع الألفية، ثم مرة أخرى عندما احتدم النقاش حول المحاصيل المعدلة واثياً. وفي هذا العام في ورشة عمل اقامتها الإيقاد بقاعة الصداقة في مارس الماضي، تركت مقعدي الرسمي، وجلست إلى جواره، لكي أحادثه واسائله. طابته وسألته عن حاله و أولاده: أهو نحن ما لاقين أنفسنا. تحدثنا عن الدراسة الخاصة بالتنوع الحيوي في السودان التي راجعها قبل أن تنشر في صورتها الأخيرة. التي هي خطة عمل لسياسات الدولة في خصوص التنوع الحيوي .. قال تعرف يا أخونا الصادق (المنادى المضاف عندنا دوما رغم نصبه ياتي هنا مرفوعا) .. تعرف هذا مشروع كبير يحتاج أن تتواصل فيه الجهود وتخصص له الموارد.. نعم يحتاج لمواصلة الجهود.. نعم تخصيص الموارد.ليت السودان إلتفت لهذه الدراسة القيمة.
الآن يتوسد أحمد سليمان الوكيل الثرى.. وتقفز مرثية صلاح أحمد إبراهيم، كأنها صيغت لتوها في حق البروفسور أحمد سليمان الوكيل:
يا زكيالعود بالمطرقة الصماء والفأس تشظى
وبنيران لها ألف لسان قد تلظى
ضع علىضوئك في الناس اصطبارا ومآثر
مثلما ضوع في الأهوال صبرا آل ياسر
فلئن كنتكما أنت عبق
فاحترق
يا منايا حوّمي حول الحمى واستعرضينا واصطفي
كلسمح النفس بسام العشيات الوفي
الحليم العف كالأنسام روحا وسجايا
أريحي الوجهوالكف إفتراراً وعطايا
فإذا لاقاك بالباب بشوشا وحفي
بضمير ككتاب الله طاهر
انشبي الأظفار في أكتافه واختطفي
وأمان الله منا يا منايا
كلما اشتقتلميمون المحيا ذي البشائر .. شرّفي
تجدينا مثلا في الناس سائر
نقهر الموتحياة ومصائر
هذه أجنابنا مكشوفة فليرم رامي
هذه أكبادنا لكها وزغرد ياحقود
هذه أضلاعنا مثلومة وهي دوامي
وعلى النطع الرؤوس
فاستبدي يا فؤوس
وادخلي أبياتنا واحتطبي
وأديري يا منايانا كؤوسا في كؤوس
من دماناواشربي
ما الذي اقسى من الموت؟ فهذا قد كشفنا سره
واستسغنا مره
صدئت آلاته فينا ولا زلنا نعافر
ما جزعنا ان تشهانا ولم يرض الرحيل
فلهفينا اغتباق واصطباح ومقيل
آخر العمر قصيراً أم طويل
كفن من طرف السوق وشبرفي المقابر
ما علينا
ان يكن حزنا فللحزن ذبالات مضيئة
أو يكن قصدا بلامعنى ،
فللمرء ذهابا بعد جيئة
أو يكن خيفة مجهول
فللخوف وقاء ودريئة
من يقين ومشيئة
ألا رحم الله أحمد سليمان الوكيل رحمة تدخله الجنة
الصادق عبدالله عبدالله
الثالث من اكتوبر 2014
الموافق الجمعة التاسع من ذي الحجة
sadigabdala@gmail.com
////////