الاتجار بالبشر.. وحماقة أصحاب الحاجات .. بقلم: إمام محمد إمام

لم يكن السودانُ يعرف إلى قريبِ زمانٍ، أنه سيكون بوابةً ومعبراً لتجارة البشر من خلال تهريب أصحاب الحاجات من دول أفريقيا إلى دول أوروبا وإسرائيل، إلى الدرجة التي كشفت فيه الحكومة عن تنظيمات إجرامية تعمل في تجارة البشر وتهريبهم، وأن المهاجرين غير الشرعيين الذين تسللوا إلى داخل البلاد، ليس بغرض الإقامة فيه، ولكن لاتخاذه معبراً آمناً إلى دول أوروبية وغيرها، يصل إلى 6 ملايين مهاجر غير شرعي، مما استدعى الحكومة أن تعلن صراحةً عن عجزها لوحدها في كبح جماح هذه الهجرة غير الشرعية، وتُطالب في الوقت نفسه المجتمع الدولي بدعمها بطائرات لحراسة حدودها من تسلل هؤلاء الحمقى أصحاب الحاجات، تصديقاً لمقولةٍ مشهورةٍ “صاحبُ الحاجة أحمقٌ”، الذين يضعون حياتهم في كفة، ووصولهم إلى دول أوروبا وإسرائيل في كفة أخرى، فأيُّ الكفتين رجحت فهم كاسبون. وأحسبُ أنه يتبادر إلى ذهن الكثيرين كيف يكون الموت كسباً مثل الوصول إلى بلاد الأحلام، فالمعنى واضحٌ كما يقول أستاذي الراحل البروفسور العلامة عبد الله الطيب – تتنزل عليه شآبيب رحمات الله –، ووضوح المعنى هنا أن هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين، يُغامرون في هذه الرحلة بحياتهم؛ لأن بقاءهم في أوطانهم والموت سيان، فلذلك أن الموت الزُّؤام أو كسب جنان الدول الأوروبية، عندهم سواء.
وفي رأيي الخاص، أن ظاهرة الاتجار بالبشر من خلال تهريبهم، وبسط الوعود الكاذبة لهم، أصبحت تجارة رائجة في كثيرٍ من دول أفريقيا عبر منظومات تعمل في هذا الشأن، باعتباره تجارةً رابحة، ولم يسلم السودانُ من نشاطهم، من خلال تفويج أعداد من المهاجرين غير الشرعيين في طريقهم إلى بلدان، موعودون فيها بالخير الوفير، كذباً وخداعاً.
أكبرُ الظن عندي، أن ازدهار تجارة تهريب البشر وجدت مناخاً ملائماً في كثير من الدول التي تصدر ضحايا هؤلاء المتاجرين بهم، لجملة أسباب منها أن أصحاب الحاجات ضاقت بهم الأحوال في بلدانهم، واشتدت عليهم المُضايقات المعيشية والاقتصادية، فوجدوا أن مخرجهم مما هم فيه بالهجرة غير الشرعية، والمخاطرة حتى بحياتهم، وهم يهيمون في الفيافي والصّحارى والبحار، ناشدين أراضي الأحلام في أوروبا وإسرائيل، يبذلون في ذلك كل ما يدخرون، ويبيعون كل ما يملكون بثمنٍ بخسٍ، بحُجية أن وصولهم هناك سيُيسر لهم أمر تعويض ما فقدوه من مال وممتلكات. 
أخلصُ إلى أن السودان وجد نفسه بوابةً ومعبراً لهؤلاء المهاجرين غير الشرعيين، مما استشكل عليه الحد من هذه الظاهرة، والقضاء عليها، لقلة الإمكانات المادية، واتساع المناطق الحدودية. فظلَّ يُنادي من أنه حريصٌ على التعاون مع الدول الأوروبية، والمنظمات الإقليمية والدولية، في الحد من هذه الهجرة غير الشرعية، إذا ما توفرت له الأسباب والسبل، ولكن لم يُسمع له نداء، أو يُستجاب له رجاء، إلى أن بلغ السيل الزُّبى في دول أوروبا، فهرولت تبحث عن إمكانية وكيفية الحد من هذه الظاهرة التي شكَّلت مهددات أمنية واجتماعية لها، من خلال المؤتمرات والمُناشدات.
وأحسبُ أنّ الكثيرَ من دول أوروبا، أيقنت أنه من الضروري الإسهام الفاعل في ضبط هذا التدفق البشري غير المُنظم إليها، ورأت أنه من الحكمة، التعاون مع السودان للحدِّ من هذه الظاهرة الخطيرة. ولا يعلم البعضُ أن هذه الهجرة غير الشرعية، تُشكل مُضاغطةً اقتصاديةً، وعبئاً معيشياً لحكومات وشعوب تلكم الدول، إذ أنّه من الصّعب عليها رد هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين – فُرادى وجماعات – إلى أوطانهم الأصلية، على الفور، دون أن يمروا بإجراءات مُطولة في وزارات الداخلية، ومؤسسات الضمان الاجتماعي؛ لمعرفة حقيقة أسباب هجرتهم غير الشرعية، ومعظمهم يَدَّعي أنه مضطهدٌ في بلاده، ويطلب حق اللجوء السياسي بحُجج مختلفة، منها السياسية والاجتماعية والدينية، مما يضطرها إلى مُراجعة هذه الحالات فرداً فرداً؛ للوقوف على حقيقتها، ومن ثم اتخاذ القرار الصائب تجاهها، وتأخذ في ذلك مُدداً زمنية طويلة، يمكث بعضُهم قرابة العشر سنوات، وما تزال السلطات تحقق في أمر بقائه أو إعادته إلى بلاده، مع ضمان حق العيش الكريم له. وهذا مما لا شك فيه يُشكل عبئاً مالياً على موازنات تلكم الدول الأوروبية، إضافةً إلى حدوث بعض المُشكلات الاجتماعية، نتيجةً للفوارق والتقاليد والأعراف الاجتماعية والدينية بين المواطنين والوافدين. من هنا ندعو أن يستجيب مؤتمر مكافحة الاتجار وتهريب البشر، لنداء السودان في المطالبة بتقديم الدعم لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، ويضمنها في توصياته، ويُصدرها فقه أولوياته، حتى لا يكون بوابةً ومعبراً للهجرات غير الشرعية، نتيجة لقلة امكانات مكافحتها.
ولنستذكر في هذا الصدد، قول الله تعالى: “.. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”.
وقول الشاعر العربي جرول بن أوس المعروف بالحُطيئة:
مَن يَفعَلِ الخَيرَ لا يَعدَم جَوازِيَهُ     لا يَذهَبُ العُرفُ بَينَ اللَهِ وَالناسِ
////////

 

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً