وقائع نارية .. بقلم: عثمان محمد صالح

على ذراعيّ وشوم قديمة صمدت في وجه الزمن وقاومت عوامل التعرية وهي عبارة عن علامات خلّفها كيّ البصير عندما أصبت بداء الصفراء في كسلا في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي. 
ما تزال وقائع الكيّ الذي شهده حوش منزلنا في “حي العمال” ذات أصيل جليّةً التفاصيل في ذاكرتي : طريح الفراش، ناحل البدن، مصفّر العينين والبشرة، ذابل الشفتين، كابي النظرات، مستسلماً لمشيئة القَدَر الذي هبط في تلك الساعة والشمس تنحو إلى الغروب متنكّراً في ثياب البصير حاملاً أداة الكيّ تفوح منه رائحة الرماد، ثم سمعته يأمر أهلي بتنور جيء به معبأ بفحم مشتعل. ثم رأيته يدني التنور من موضع سريري ويجلس قبالتي على كرسي من الخيزران. راقبته بفضول تملّكني برغم ما كنت أشعر به من إعياء وهو يلهب النار ويؤجّجها بهواء القَدَر فماهي إلّا لحظات حتى صارت قطع الفحم كلّها جمراً مستعراً يرسل الشرر ويصلي قطعة من الحديد وضعتها يدّ القَدَر هناك حتى حميت وتوهّجت وأخذت طريقها إلى إحدى ذراعيّ حافرة كإزميل نحّات في جلدها ولحمها الحيّ خمسة خطوط مستقيمة : خط عند الرسغ، وخطّان في نهاية الساعد، وخطّان في العضد. وحين فرغتْ من تلك اليدّ جاء الدور على اليدّ الأخرى فمددتها مشيحاً بوجهي عن الوهج الحامي ينفرد بذراعي العزلاء ويترك عليها بصمات ليس يمحوها الزمن : خمسة خطوط موازية لخطوط اليد الأولى. سمعت جراحي وحدها تقاوم السعير المسلّط عليها بفحيحِ جمرةٍ متّقدةٍ تُلقى في الماء. وفاحت في المكان رائحة شواء كريه.

الغريب في الأمر وهو مالم أجد له تفسيراً إلى يومنا هذا أن آلام ذلك الكيّ      
لم تكن مبرّحة بما يتناسب مع توقّعي وما اعتراني من خوف عندما دنا الوهج الحامي من ذراعي ولامس جلدها وانطبع عليه غائصاً في اللحم الحيّ. 

أذكر أنّي صبرت طويلاً على الجروح وهي تأبى الاندمال، الأمر الذي أقلقني وأقضّ مضجعي، إذ كنت وقتها خاضعاً لتأثير ماترويه أميّ في الليالي القمراء عن محنة نبي الله أيوب، فخشيت أن يبتليني الله مثله بجروح لاتلتئم فيعافني الناس ويهجرونني وحدي مع مأساتي. لكن        
جروحي لم تلتئم سريعاً لسببين : 
الأول أنّها انحفرت عميقاً في اللحم الحيّ، والثاني أنّها صارت متنفّساً مؤقتاً لماكان يمور في روحي من أشعارٍ لم تتبلور في ذلك الحين.  

osmanmsalih@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً