دعاء المرحلة .. بقلم: الرفيع بشير الشفيع

أمّنوا معي !!!
اللهم إنّا نسألك وعياً سياسياً وفقها دينياً ، نفرق به بين ما هو وطني وذاتي وحكومي ، ونفرق به بين معارضة إيجابية ومعارضة سلبية ، حتى لا نَأكل بعضنا بعضا ، أكثر ، اللهم هب لنا وقفة مع الحق ووعيا تخرجنا به في هذه المرحلة العصيبة ، إلى بر الأمان ، يوم ان تجلو الأُمم ، وتدفع الناس بعضها ببعض ، لترسم خارطة العالم الجديد ، وهب لنا  حَميّةً للأرض والعرض والوطن ، اللهم إن الأمم حولنا تؤكل والبلدان تُهد ، والحدود في الاخلاق بين الدول تُعصف ، والأرواح تزهق والأمم تُقهر ، والبلدان تهجر ، وأنت البصير القاهر فوق عبادك بيدك مقاليد الأمور،  وانت على كل شيء قدير.
اللهم إنّا في ظلمات بعضها فوق بعض ، تَغَبَشتْ علينا الرؤى وإنسّد أمامنا الأفق ، أفق الحكمة ، وأفق الرَحم والرحمة ، وأفق الحق والإنسانية حتى صرنا كالشياه الماطرة ، نُساق ، يمنة ويسرة ، نَوجه فكرا ، ونقاتل ونقتتل بعقل خديج ، وجهل شديد ، وعداءٍ عنيد ، وشيطان مريد ، وقلب مريض ، ويضرب بعضنا بعضا ، حتى صرنا نرى الموت كيوم الأعياد وفرح الاحفاد ، ونرى الدماء كبساط الأمجاد ، ونستمرأ تفتيت الأكباد وإغتصاب العباد.
اللهم إنّ الشقة بيننا ، قد إتسعت علينا ، وصرنا لا نُفرق بين دين وإلحاد ، ولا بين حيوان وعباد  ، ولا غريب بلاد ، ولا مواطن وأسياد ، إنفرط عقد الحق ، وكثر الفساد ، وعمت الفوضى وانعدمت الثقة  ، حتى صرنا نرى بعضنا عداء وأحقاد ، وصرنا كالعناكب تأكل بعضها وبيوتها وصرنا نأكل بعضنا بلا هوادة ، ولا رحمة ، حتى صار الوطن أرض معركة مُشرع ، وسناريو مفتوح ، لا نقوى على حرزه وحراسته والدفاع عنه ، وصار نهبا للاعداء ونهباً للحاكمين والمحكومين على السواء .
اللهم هب لنا حكومة ، تعي أن القوة وحدها لا تبني  الأوطان ، ولا ترد ولا تصد عدو ، ولا ترضي قريب او بعيد ، وأن إنزال الدين على أرض الدنيا وحده ، لا يسد رمقا ولا يرقع فتقا ، وأن الدين وحده لا يزرع ولا يرقع ولا يحصد  ولا ينمي ، والناس أدرى بأمور دنياهم ، ولو شاء الله لقلب إلينا الأخشبين ذهبا ، ولكفانا مغبة الآصار والكد والكدح ، والترزق ، في جنانه عالية القطوف دانية الرفوف ، لكنها الدنيا والكد والكدح والبحث ، وإعمار الدنيا للاخرة وخير الإنسان ، وكلٌ نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك ، وما كان عطاء ربك محظورا ، والرزق وطريقة جلبه مبسوطة من الله في كلياتها ، موفور من رب العالمين للديِّن والكافر ، والكفور ، والدين ليس جغرافيا وليس علوم  ولا تجريب ولا معامل ولا طائرات تطير ، ولا مال ، ولا بحث يجلب منفعة دنيوية لها علاقة برزق العباد ، إنما يجلب الرزق ، الجد والعلم الدنيوي ، والطلب والكفاح  في الأرض ،  والصراع والمنافسة ، بتقوى  وصلاح  وإصلاح ، في علاقتنا بالله ، وبالإنسان،  في ظل عالم يرفض الله ويرفض الحق ويبغي المصلحة ، والدين وإن جلب بركة ورزقا فبمعناها العام ، ومقاصدها الإلهية العليا ، لتحريك مكينة الخلق كل الخلق ،  تحريكا يعتاش عليه النمل ، والديدان تحت قيعان المحيط ، ويتعاش بها الحيوان والإنسان على السواء ،وأن الدين والاخلاق وحدها لا تفك حصارا ، ولا يوقف دمارا ، ولا تنمي الدول وتقدمها في أمور دنياها ، في ظل عدو متربص ومترصد ، عدو لا شغل له الآن غير هدم الاديان ومعصية الرحمن ، وغزو الآوطان ، وإنما الدين نظام جاء ليرتب نسق الناس وحراكهم الاخلاقي ، وعطاءهم  في الحياة ، ويوجهها لخيري الدنيا والاخرة ، عطاءا إنساني ، وفلاحا إنساني ، ويهذب تعاملهم ويبسط فيهم العدل ويهذب اخلاقهم ،  ليتجهوا لآخرتهم ، بكلياته الدنيوية وتفاصيله الأخروية ، ولهم الحرية المطلقة في ذلك ، وهديناه النجدين ، إنّا هديناه السبيلا إما شاكرا وإما كفورا ، لا تسلط ولا قهر ولا عزل لمؤمن عن كافر ولا عاصٍ ولا ملحد ، عن متعبد في دولة الإسلام التي إستوعبت كل الأديان وكل أنواع البشر والإنسان ، عدلا وفضلا ونصحا وتوجيها ومحاسبة وترقيّا في الأخلاق ، حتى لم يفرق الناس حينها بين عمر  القائد وعمر الصائل والراقد تواضعا وخفض جناح.
اللهم هب لنا حكومة تفرق بينما هو إدارة دولة وما هو قوة وصولة ، وبين ما هو حكومي وما هو وطني ، حتى لا تمتلكنا وتمتلك الوطن وخيراته ووظائفه وحتى لا تحتكره وتحتله داخليا وتعمل ما تشاء ، فقد زاد الوباء وقلّ الولاء وعمّ البلاء وفحش الغلاء ، وأنت رب الأبرياء.
اللهم هب لنا حكومة ، لا ترى عطاء غيرها بوار ، وعطاءها عمار ، اللهم هب لنا حكومة تعي أن كثير ممن ليس معها يعرف حقاً ويملك حقاً ويعرف الله ويتقيه وكثير منهم ذو فكر نافع للوطن ، وذو خلق وتقوى تعِّفه مع الله والناس ، وفيه من الأمانة ومن الحق والعدل ، وفيه من العلم والتجربة وحب الله والوطن ، ما لم يجد له فرصة لبذل ، وعطاء في وطنه ، وأن في الإبعاد ظلم وجريرة امام الله ، وأن تعي أن ليس كل من خالفها فهو متجرد عن الحق وحب الوطن ، وألا ترى فينا جميعا أننا نعتاش بالسياسة ونطلب هذه المقاعد الخاسرة في الدنيا والآخرة ، وألا تدعي أنها أرأف بالعباد وأحق بدين الله وحمايته والوطن وصيانته ، فإن السودان والسوداني فيه الخير الكثير .
اللهم هب لنا معارضة لا تدعونا للتنصل عن الدين كلية ، وتنزعه من حياتنا وإدارة شؤونها  ما يُسهل لنا لقاء الله، عابدين حامدين غير كفورين ولا كافرين ، وما ييسر لنا نماء الاوطان ، ورضاء الرحمن ، ورفاه الانسان ،  وهب لنا معارضة ، لا تزرع فينا فتنا جهوية ولا تثتثير فينا نعرات الهوية ولا تسمعنا صوت بندقية ، والا تختار لنا دين العلمانية ، فقد بلغت القلوب الحناجر ، وغلت الطناجر ، وعمّت الفتن ، وأشتدت الأقواس والنبال وزاد الخبال  وأنعدمت الثقة ، وأنت تعلم الحال .
اللهم أصلح بين إخوتنا الإسلاميين والعلمانيين فإنا صرنا ضياعا تحت بنادق هؤلاء وإحتراب هؤلاء وعداوتهم وانعدام ثقتهم ، وبغض بعضهم ، وكلاهما يدعي أنه أحق بحكمنا وحده ، وبقهرنا وحده ، وإحتكار وطننا وحده ، وبملكيتنا وحده ، حتى تمايزت بيننا الصفوف ، وتساوت الكتوف ، وتباعدت الكفوف ، وصرنا إلى ما صرنا إليه .
إنك ولي الغافلين ورب المستضعفين .
آمين .

rafeibashir@gmail.com
////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً