أقبضهم .. ضعهم في الحبس.. ثم ابحث عن جريمة ضدهم! .. بقلم: عثمان محمد حسن
11 فبراير, 2015
منشورات غير مصنفة
20 زيارة
إما الضحك أو الجنون.. عالم من اللا معقول اجتاحنا منذ دخلت الدبابات القصر الجمهوري معلنة ميلاد سودان ( تعيس).. و من أنواع الضحك ذاك الذي يبحث عنك في مواسم الأحزان.. و يسمعك من العبث الوجودي ما لم تكن تتوقع.. كأن يقول لك أحدهم أنك سعيد جداً بما تراه في البلد! أو أن يتشرَّف أحد المعتقلات باستيعاب الاستاذ\ فاروق أبو عيسى .. و الدكتور مكي مدني بلا سند يتشبث بالقانون.. و فجأة يكتشفون أن القبض على الرجلين تم لأنهما انتويا تكوين خلايا في بلد لا يحتاج إلى تكوين خلايا لمقاطعة الانتخابات.. و كلنا على دراية بأن الخلايا قد تكونت تلقائياً في كل بيت في السودان دون حاجة إلى الرجلين ( الكبيرين) اللذين تبحراً في عالم السياسة و القانون.. و تردداً على المعتقلات الشمولية إبتداءاً من معتقلات الرئيس عبود و انتهاءاً بمعتقلات الرئيس البشير ( النذير) الذي ( ورَّطنا) في الشؤم و أرانا من البؤس ما لم يخطر على بال من ماتوا و استراحوا قبل الثلاثين من يونيو 1989 ..
كنا نعتقد أن التهمة كانت مربوطة بقلم التوقيع على نداء السودان..فإذا بها تصبح تكوين خلايا.. و هي تهمة أقرب إلى قول الشاعر الفلسطيني\ كمال ناصر الذي اغتالته اسرائيل في بيروت في القرن الماضي.. ففي قصيدة له بديوان ( جراحٌ تغني) يقول:- ” يا رفيقَ العمرِ هل أنت شيوعي.. هل تعمدتَ رفيقاً في القطيعِ.. لا تخفْ.. و اسخر من الجرمِ الفظيعِ.. فأنا قدمتُ قربانَ خشوعي.. و أنا اليومَ على رغمي شيوعي.. و سأحكي لك قصهْ.. قصةَ الشعبِ الذي ثارَ أبياً.. وطنياً عربيا فتحدوه جهارا.. و تحدوه شنارا.. و مضوا يحدًّون في ذلٍّ وضيعِ.. و يقولون هنا شعبٌ شيوعي…” و يختتم قضيدته:- ( كلُّ إقطاعي هنا أيضااً شيوعي!”
هذا الديوان أنقذني من تهمة الانتساب إلى الحزب الشيوعي يوم حاصرت الشرطة منزلي بمدينة واو في عام 1963.. بسبب رسائل كانت تأتيني من زملاء شيوعيين بالخرطوم و ملكال و جوبا بيني بحكم الزمالة في الجبهة الديمقراطية.. فقد قام رائد ( شرطة) وقتها بأخذ الديوان كدليل ( ثمين) لإثبات شيوعيتي.. و لحسن حظي أن مدير شرطة بحرالغزال وقتها كان الأديب اللواء ( شرطة) أبوقرون.. الذي أمر باطلاق سراحي لعدم وجود أدلة، بل و علمت أنه قال للرائد أن القصيدة تلك دليل براءة لي لا دليل اثبات!
” متى تفهم؟ متى يا سيدي تفهم؟!” من أين للرجلين الكبيرين بالأديب اللواء ( شرطة) أبوقرون ليستلف منه ( هؤلاء) ما يحتاجونه من فهم.. و يذكرهم بأن الجريمة التي اعتقلوا الأستاذين بسببها هي جريمة كل السودانيين غير الذين يأكلون ( السحت) من موائد المؤتمر الوطني..
القبض على المرء ثم البحث عن ما ارتكب من جرم سمة تتوهج في ربع قرن و نيف من العدالة العاجزة.. و سمة حكومة مجرمة حقيقة و هي تبحث عن مجرمين بلا جريمة..
osmanabuasad@gmail.com