التحية لأنور.. وعلي سلمان .. بقلم: د. عبدالوهاب الأفندي

(1)
لم يكن مفاجأة ولكن صدمة كبيرة لكل الحادبين على ماليزيا، قرار محكمة الاستئناف في كوالا لمبور الشهر الماضي بتثبيت الحكم على زعيم المعارضة أنور إبراهيم بالسجن خمس سنوات حين صدر في العاشر من بتهمة لا يصدقها عقل (ولا غالبية الماليزيين أو العالم) بارتكاب الفاحشة مع مساعد سابق له. وكانت المحكمة العليا برأته في عام 2012 من هذه التهمة التي أطلقت في عام 2008، مباشرة بعد الانتصار المميز لتحالف المعارضة.

(2)

أودع أنور السجن أول مرة في سبتمبر من عام 1998 وهو يستعد لتولي رئاسة الوزارة خلفاً للزعيم مهاثير محمد الذي كان أعلن عن نيته التخلي عن الحكم ورشح أنور لخلافته. ولكن خلافاً دب بين الرجلين حول معالجة الأزمة الاقتصادية التي ضربت دول جنوب شرق آسيا إثر تبني أنور سياسة صارمة لمواجهة نفوذ عدد من أقارب كبار رجالات الدولة وسحب دعم الدولة عن مؤسسات يهيمنون عليها. في الصراع مع كبار رجالات الحزب، أقيل أنور من مناصبه كوزير للمالية ونائب لرئيس الوزراء والحزب، وزج به في السجن، حيث تعرض لضرب مبرح من قبل رئيس الشرطة شخصياً (اضطر الرجل للاستقالة عندما فضح أمره، ثم اعتدر علناً وقام بدفع تعويض لأنور).
(3)
رغم أن المسألة كانت تتعلق بخلاف سياسي، إلا أن أساطين الحزب لفقوا للخصم القوي تهمة اعتداء جنسي وحكم عليه بالسجن تسع سنوات. ولكن المحكمة العليا أبطلت الحكم وأطلقت سراحه في سبتمبر عام 2004. مع استمرار حظر على نشاطه السياسي حتى أبريل عام 2008. وعندما أعلن عن تشكيل تحالف المعارضة، قررت الحكومة عقد الانتخابات قبل شهر من انتهاء الحظر عليه، مما حرمه من المشاركة، ولكن التحالف الذي قاده حقق نجاحاً باهراً حرم الائتلاف الحاكم من أغلبيته المطلقة لأول مرة منذ استقلال البلاد.

(4)
لم تكن مصادفة أن التهمة الجديدة وجهت لأنور وهو يستعد الترشح للبرلمان (ترشح رغم ذلك وفاز بأغلبية ساحقة). وبعد أن برأته المحكمة العليا من التهمة في عام 2012، رفعت الحكومة القضية إلى محكمة الاستئناف العليا. وتصادف ذلك مع إعلان أنور أنه بصدد استمالة بعض نواب الحزب الحاكم ليتمكن من تشكيل حكومة يرأسها.

(5)
تعرفت على أنور لأول مرة في عام 1985، حين كان يشغل منصب وزير التربية. وكان ينوي إلقاء محاضرة الافتتاح لبرنامج الديمقراطية والإسلام الذي أديره هنا في الجامعة في خريف عام 1998 قبل أن يحول اعتقاله دون ذلك. وخلال العام الماضي تشرفت بمشاركته في رئاسة لجنة دولية تنشغل بإعداد معالجات لمشاكل التعليم العالي في الدول الإسلامية، كان آخر اجتماع لها في لندن أكتوبر الماضي. 
(6)
كان أنور يعلم أن النية مبيته لإدانته وحبسه لتعويق مشروعه للتغيير، فالرجل في السابعة والستين، والسجن خمسة أعوام يعني أنه سيكون فوق السبعين حينما يعود لممارسة نشاطه السياسي (إن سمح له بذلك). ولكنه اختار بشجاعة وإصرار العودة لمواجهة المحاكمة الجائرة. وقد كان هدف أنور ضرب المثل للشباب الماليزي في الصمود ومواجهة القمع عبر النضال السلمي، واحترام القانون (رغم أنه وجه إدانة قوية لقضاة المحكمة حتى أنهم اتخذوا خطوة غير مسبوقة بالانسحاب من المحكمة والمتهم ما يزال يتحدث تعقيباً على حكمهم).
(7)
في تعليقه على الحكم، قال أنور للقضاة إنهم أضاعوا فرصة لاستنقاذ شرف وسمعة القضاء، واختاروا بدلاً من ذلك التمرغ في وحل الكذب والبهتان والمرواغة، بحيث أصبحت الروائح الكريهة تفوح من كل ركن وزاوية في قصر العدل. وأضاف: لقد حكمتم علي، ولكني سأدخل السجن للمرة الثالثة مرفوع الرأس، أما أنتم، فالخزي والعار عليكم لأن التاريخ سيذكر جبنكم واستحذاءكم أمام السلطة السياسية. وقد صدق أنور، لأن الشعب الماليزي حكم له حين فاز بثلاثة أربع الأصوات في الانتخابات التي خاضها، وسيحكم له التاريخ بالبراءة من هذه التهمة المشينة في حق من أطلقوها.
(8)
في نفس الشهر، بدأت في المنامة محاكمة زعيم المعارضة البحرينية الشيخ علي سلمان بلائحة طويلة من التهم، منها التحريض على إسقاط النظام بالقوة والتحريض الطائفي وازدراء القانون. وإذا كان أنور من رعاة برنامج الديمقراطية والإسلام، فإن علي سلمان كان من أوائل طلاب البرنامج. وقد سعدت بمعرفة الصديق علي سلمان منذ وصوله إلى لندن في منتصف التسعينات، حيث كان تجسيداً للاعتدال وحسن الخلق. وقد اختار علي الاستجابة في عام 2001 لدعوة الحكومة للحوار الوطني، ولكنه بخلاف معارضين آخرين كثر، استمر في الحوار واختار نهج الاعتدال، وفاز حزبه بأكثرية المقاعد في البرلمان. وقد ظل –بحسب علمنا- محافظاً على نهج الاعتدال والوفاق حتى اعتقاله في ديسمبر الماضي.

(9)
لا تعني صداقتي للشيخين أنور وعلي ومعرفتي الوثيقة بهما أنني على وفاق تام مع نهجهما السياسي. فأنا أرفض فكرة الأحزاب الطائفية والتجييش الطائفي من ناحية مبدئية، وأعتقد أن المعارضة البحرينية لم تنأى بنفسها كما يجب من ممارسات طائفية بغيضة في إيران والعراق وسوريا. كما أن كل من أنور وعلي لم يراعيا بصورة كافية –بحسب رأيي- حساسية الأوضاع المعقدة في بلديهما. ولكن هذا لا يبرر إهانة العدالة باستخدام القضاء كأداة لتصفية الخصومات السياسية، أو تحويل القضاء إلى “ميليشيا” لتصفية الخصوم كما يحدث في مصر. والخطر الأكبر هو أن تؤدي هذه الحملة على قوى الاعتدال في البلدين إلى ما لا يحمد عقباه من دفع الشباب إلى التطرف، مما يؤدي إلى تدمير البلاد ونسف إنجازاتها. وما نتمناه هو أن يبرئ القضاء البحريني علي سلمان حتى يعزز نهج الاعتدال، وأن يعود العقل إلى ماليزيا قبل فوات الأوان. 
awahab40@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً