تتأثر حياتنا بزخم من الرمزيات ؛ إننا في عالم الرمز ، غارقون حتى الثمالة ، القوى المطلقة ، الشياطين ، الجن ، الأخلاق ، الأدب ، الجمال والقبح ، حتى الموت نفسه رمز لبلوغ العدم ، والرموز ننشئها أو هي جزء من مكوننا الإنساني ؛ واستطاع الإنسان أن ينشيء أكبر عالم للرمز وهو عالم القانون ، إن القانون هو مصنع الرمز ، فهو ليس تجسيدا لعلاقات مادية ، بل لعلاقات رمزية ، الشخصية المعنوية مثلا ليست سوى حيلة لمنح مجموع إرادات قوة قانونية محددة فإذا بالمال يتحدث يقاضي ، يتقاضى ، يتهم ويدعى عليه ، ويحكم له أو عليه ، هذا المال الصامت الجماد يتحول إلى كائن حي فأي رمزية أكبر من ذلك ، ولننتقل إلى التفسير وحالة قيام القاضي بمحاولة الكشف عن إنطباق واقعة ما مع نص القانون ، إنه هنا لا يفسر الواقعة ولكنه يفسر النص ، يمدده ليشمل عناصر غير منصوص عليها ، إنه في الواقع يستفيد من الواقع لقراءة النص فيمدده أو ربما ليضيق منه في النطاق الجنائي لكي لا يتسع النص ضد مصلحة المتهم ؛ إن القاضي يتعامل مع رموز ؛ القصد الجنائي ، الركن المادي ، العناصر المفترضة ، وفي نطاق القوانين الأخرى نجد متسعا أيضا من الرموز ؛ كالدولة ، النقابة ، الجمعية ، الشركة ، الهيئة ، لكن من منا جلس ليتناول طعامه مع جمعية أو نقابة أو الدولة ، هذه الرموز يتعامل معها القاضي ككائن حي . لذلك يجادل البعض بأن القاضي ليس له عمل سوى التفسير فيتقابل ذلك مع عمل الفقيه . غير أن الفرق بينهما أن تأثير القاضي يكون مباشرا على حياة الفرد والجماعة. فالقاضي فقيه والفقيه عندما يتأسس تفسيره على منطق قوي ومقنع بحيث يحتكر حقيقة الرمز القانوني فإنه يتحول إلى قاض بشكل غير مباشر. وتتعدد مناهج تفسير الرمز القانوني كالمدرسة التاريخية والأخرى العلمية ومدرسة الشرح على المتون وهلم جرا. وتستخدم الأنظمة الرمز القانون فتوسع منه وتضيق منه بحسب مصالحها ، فإذا كانت دكتاتورية وسعت كتوسيع الشغب ليشمل التظاهر وإذا كانت ليبرالية ضيقت أو وسعت بحسب ديمقراطيتها . إن القانون هو لعبة الرموز ، ولكنها اللعبة الأخطر ، إنها أخطر من الرمز الشعري أو الروائي أو الفلسفي المحض أو الرمز الكيميائي أو الرياضي ؛ فهي لعبة حياة أو موت. حركة وجمود . دكتاتورية أو دمقراطية . حرية أم قيد.
إن الحركة الرمزية القانونية مستمرة في عوالمها المختلفة التشريعية والقضائية والتنفيذية والفقهية ، وهي حركة متجددة ومتحدثة فالمال -على سبيل المثال ، لم يعد رمزا فقط لكل ماهو مادي وقابل للحيازة ، بل اتسع لشمل المعنويات فهناك الإسم التجاري وحق المؤلف بل وحتى المشاعر أصبحت قابلة للتقييم القانوني وكذلك الأفكار والاختراعات والحقوق الشخصية -كما في النظام البريطاني والأمريكي – واللذان يتوسعان في معنى المال توسعا كبيرا ، حتى بلغ ما يسمى بمتمخضات المحاكم ﻷن تكون مالا .
ويتسع الرمز القانوني ويضيق بحسب -أيضا- طبيعة المجتمع وخصائص الدولة الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدينية …الخ . فالنظام العام كرمز لا سبيل إلى معرفة حدوده إلا بعد ﻷي ونظرة شاملة وواسعة .. والقيم الأخلاقية أيضا تلعب دورها لتحشو الرمز القانوني بمزيد من الاحتمالات كالفعل الفاحش وكالسب والقذف.
إن الدراسات المقارنة -أغلبها- في مجال القانون هي لعبة رموز بل وحتى الدراسات التاريخية القانونية لا تعنى سوى بالرمز .. هل السرقة -كرمز- كانت تشمل الحيازة أم الملكية ، وهل كان محلها الأموال المادية أم المعنوية، وماهو الاختلاس منذ القانون الروماني ؛بل حتى في المدونات القديمة ؛ كحمورابي ومانو وخلافه .. وماهي السياسة الجنائية ، واتساع وضيق الرمز القانوني عبر التاريخ وتأثره بالحداثة ومابعدها .. وتأثير الزلالزل السياسية والفكرية على الرمز القانوني كتأثير المدارس العقلانية وغير العقلانية والمدرسة الوضعية بدرجاتها المختلفة …الخ .
فهل هناك لعبة أكبر من لعبة الرمز القانوني .. إن المشرعين والقضاة والمحامين والفقهاء ، هم اللاعبون المحترفون في هذه اللعبة .. لعبة عالم الرمز القانوني.
أمل الكردفاني
30مارس2015
amallaw@hotmail.com
شاهد أيضاً
الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه
عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم