تُوجد بكل مجتمع من المجتمعات أو وسط من الأوساط بعض الشخصيات الظريفة الذين يُعد الواحد منهم فاكهة أو ملح المكان الذي يقيم أو يعمل فيه. ويتسم مثل هذا الشخص بالمَلاحة و خفة الروح والنزوع إلى الطرفة، كما يعمل، دوماً، على نثر الحبور في المجتمع و بين الناس حيثما كان. كيف لا و هو يقوم، عبر سلوكه المشيع للغبطة و المستميل للناس، بنشر الترويح و الحيوية فضلاً عن تحطيم الرتابة بالمجتمع. و بذا فهو يستحوذ على حب الناس و ميلهم التلقائي إليه و ذلك من خلال شخصيته “الاستقطابية” الموسومة بالخلال الجاذبة آنفة الذكر.
و في اعتقادي أن وجود مثل هذه الشخصيات يلوّن المجتمع بألوان زاهية .. تسر الناظرين و تعمل على سريان “الراحة النفسية” في دواخلهم و كذا تجتذبهم إلى الشخصية المعنية. و بالتأكيد سوف يخلق هذا السلوك “جواً” عاماً من “الصفاء” بين الناس يعمل على تزويدهم بكل ما من شأنه أن يعينهم على الصمود أمام ما يعكر صفوهم أو يزرع السأم في نفوسهم.
و من هذه الشخصيات الظريفة د. عبيد خيري – أستاذ اللغة الإنجليزية وآدابها بكلية التربية – جامعة الخرطوم و الذي كان يدرسنا هذه اللغة وآدابها قبل أكثر من ثلاثين عاماً. كان د. عبيد مطبوعاً على الظرف وتعاطي النكتة و السخرية البريئة و كذا العديد من السجايا التي تلوّن كل حركاته و سكناته وتجعل منه شخصية “آسرة”. كما كان يبدو على الدوام مرحاً، هاشاً، باشاً، مهزاراً و ذلك لدرجة لا تعرف الحد الفاصل بين “الأنا” و “الآخر” كما يقول بذلك علم النفس. و من المعروف عنه أنه يتعاطى النكتة مع الكل .. الكبير و الصغير و الفرّاش والبروفيسور وكذا الطالب و الطالبة و ذلك في براءة مطلقة، الغرض منها إشاعة البهجة و السرور ليس إلا. لذا فهو يعمل، عبر “أريحية” ظرفه “المجاني” ذاك على التأكيد على أنه ليس كل الشهادات العليا هي شهادات “ميلاد طبقية” و ليس بالضرورة أن تكون كل “النخب” أو يكون كل الأساتذة الكبار منكفئين على أنفسهم و يعيشون في أبراج عاجية، بعيدا عن واقعنا البسيط.
كان د. عبيد يدرّسنا المحاضرة بأسلوبٍ شيّق، يزيد من إقبالنا عليها و يكون خير معين لنا على تحمل رهق الجلوس لساعات طوال. فمن عادته القيام بترصيع محاضرته بالطرائف و “القفشات” والتعليقات المثيرة للضحك ثم الاسترسال في الحديث على نحوٍ جاد، منتقلاً، بصورة “دراماتيكية”، من جو الطرفة و المرح إلى جو نقيض لذلك تماماً .. و كأنه لم يكن مستغرقاً في تلك اللحظات المبهجة قبل قليل.
فهو يقوم أثناء المحاضرة، و بصورة مفاجئة، بحكي نكتة أو يسمعنا بعض أبيات الشعر العربي أو الشعر الشعبي السوداني و غيرها
و أذكر أنه قال، ذات مرة، أثناء المحاضرة و دونما مناسبة:
قال الشاعر:
و نشرب، إن وردنا الماء، صفواً و يشرب غيرنا كدراً و طيناً
و قال، مرةً أخرى:
قال الشاعر عبيد حاج الأمين
يا كبار البلد الأمين السكات دا حيدوم ليمتين.
و من مواقفه الطريفة أنه دخل، ذات مرة، على طلاب اللغة الفرنسية بقاعة المحاضرات، قبل مجىء محاضرهم، فقال لهم، و دون مقدمات: “يا ناس الفرينش Any questions”، يعني “يا ناس اللغة الفرنسية هل من سؤال” ثم خرج و تركهم مستغرقين في الضحك.
كما حدث أن ساقته قدماه، ذات يوم، إلى شعبة علم النفس، فلمحته الأستاذة سعاد عتباني، أستاذة علم النفس وقتها، و لم تتبيّن شخصه من الوهلة الأولى فتساءلت، “مين دا”: فقال لها: “يعني ما عرفتيني ..أنا عبيد خيري .. صدقيني “فرويد” بتاعكم عارفني”. و يقصد به، بالطبع، عالم النفس الشهير سيجموند فرويد. و قد حدث، في يوم من الأيام، أن قام بتقديم “خوّاجة” لطلاب السنة الثالثة – إنجليزي فعرّفهم باسمه و ذكر لهم أنه أستاذ جديد تم التعاقد معه من قبل الجامعة للقيام بتدريسهم، فعلّق الطلاب على “الخواجة” و وصفوه بأنه صغير السن.
و قد قام ذلك “الخواجة” ذات مرة بإعداد امتحان دراما في اللغة الإنجليزية لأولئك الطلاب، يبدو أنه كان صعباً. و بينما كان الطلاب في حال لا يحسدون عليه و هم جالسون في القاعة، يحاولون الإجابة على الأسئلة دخل عليهم د. عبيد فبدا له جلياً أنهم قد وقفوا حائرين حيال أسئلة الامتحان. استفسرهم عن الأمر فأبلغوه بصعوبة الامتحان، فما كان منه، و هو يغادر قاعة الامتحان، إلا أن علّق على ذلك بقوله لهم “ما قتوا صغيّر.”
و قد جاءه بمكتبه، في إحدى الأيام، سعودي و جلس و إياه لوقت طويل، فنما لعلمنا، لاحقاً، أن ذلك السعودي قد حضر للتعاقد مع د. عبيد للتدريس بإحدى الجامعات السعودية. و قد تم التعاقد معه بالفعل و ركب موجة الاغتراب حيث انضم إلى الأعداد الكبيرة من أساتذة الجامعة الذين عبروا البحر خلال تلك السنوات طارقين باب الاغتراب بعد أن ضاقت بهم سبل العيش بالسودان.
و قد قابله بعض الطلاب نهار اليوم التالي فاستفسروه عن خبر التعاقد فقال لهم: “على فكرة أنا درّست بالمرحلتين الثانوية و الجامعية سنين طويلة و دفعت ضريبة الوطن و زيادة، فآن الأوان إنو ألتفت لنفسي و أشوف “مصلحتي” الشخصية. و أنا طبعاً ماشي المدينة المنورة و على كلٍ حاستفيد، أيضاً، من وجودي بها في الصلاة و التعبد بالمسجد النبوي الشريف”. ثم استطرد قائلاً.
“لكن الواحد برضو ما حا ينسى نصيبو من الدنيا ..حاشوف لي هناك واحدة،تانية، حجازية العينين .. نجدية الحشا، عشان أتزوجها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم