الفصل السادس من كتاب “ما وراء السودان الحديث”: من الحرب إلى السلام (1/2) .. بقلم: هنري سيسيل جاكسون .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


الفصل السادس من كتاب “ما وراء السودان الحديث Behind The Modern Sudan”
من الحرب إلى السلام (1-2)
Henry Cecil Jackson هنري سيسيل جاكسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مقدمة: هذه ترجمة للجزء الثاني والأخير من الفصل السادس من كتاب “ما وراء السودان الحديث Beyond the Modern Sudan”، للإداري البريطاني هنري سيسيل جاكسون. نشرت دار نشر ماكميلان الكتاب في لندن عام 1955م.
عمل جاكسون في مجال الإدارة بالسودان لأربعة وعشرين عاما متصلة، وحكم مديريتي بربر وحلفا، ولخص تجربته في الحكم والإدارة في عدد من المقالات والكتب التي وصف في بعضها عادات السودانيين وأمثالهم في مختلف المديريات التي عمل فيها، وأرَّخَ في بعضها الآخر لبعض الشخصيات السودانية مثل عثمان دقنة والزبير باشا رحمة. وقد ترجمنا من قبل بعض فصول هذا الكتاب، ومقتطفات من بعض كتب ومقالات مختلفة لهذا الإداري الكاتب.
المترجم
****** ******** *********
لن يكون بمقدور أي شخص تقدير مدى صعوبات تلك الأيام الباكرة سوى الذين كانوا على إطلاع على السجلات الرسمية. كان رجل الشرطة الذي يقوم آمنا بالطواف في دوريته، وموظف الحكومة الذي يؤدي أعماله الروتينية، والبائع المتجول الذي يدور ببضائعه، والمرأة التي تحمل قدرها على رأسها، كل أولئك كانوا معرضين للاعتداء عليهم أو على ممتلكاتهم بصورة فجائية.
لم يستطع الدراويش أن يخضعوا الجنوبيين لسلطتهم قط. لذا لم يكن رجال الجنوب على استعداد لتحمل أي نوع من السيطرة عليهم، رغم أنه لم يكن لديهم بالتأكيد أي أسباب للشكوى من المراقبة اللصيقة. ولم يكن بوسع تلك القلة من الضباط البريطانيين المنتشرين في بلد مساحته أكبر من مساحة فرنسا أن يفعلوا شيئا أكثر من مجرد تحذير القبائل في مناطقهم وتذكيرهم بتصميم الحكومة الجديدة على أن ترى مستقبلاً كل السكان وقد تحرروا من الخوف من القتل وسرقة المواشي. وأحس بعض زعماء القبائل بأن سلطاتهم قد قُلِصَتْ الآن، بينما كان بعض المحاربين الجنوبيين يرغبون في نيل إعجاب نسائهم بإظهار قوة شكيمتهم في المعارك، رغم أنهم كانوا يفضلون تكتيك حرب العصابات، وقلما يثبتون لقتال مباشر إلا عندما يرون أن الموقف في صالحهم تماما.
وفي يوم 18 يناير 1902م بلغ مدينة واو (عاصمة مديرية بحر الغزال) نبأ مقتل الرائد اسكوت – باربور غِيلةً وخيانة على يد الدينكا الأقار قبل نحو 8 أيام في مَخاضَة بحر النعام، على طريق شامبي – رمبيك. وكان أحد زعماء الدينكا الأقار (واسمه ميان ماترانج) قد نهب بعض أبقار رجال الدينكا القار من فخذ بان (Ban). ولما أمر الرائد اسكوت – باربور ذلك الزعيم الدينكاوي برد ما نهبه من أبقار لأصحابها فورا لم يستجب للأمر بل قام بقتله.
كان الرائد اسكوت – باربور قد غادر شامبي يوم 5 يناير في قافلة مكونة من 9 من الجهادية، و9 جنود مصريين يقومون على قافلة حيوانات النقل المكونة من 28 من الإبل وحمارين وبغل واحد. وعندما بلغ الرائد المَخاضَة ذهب للنهر كي يلتقط صورا فتوغرافية لبعض أفراس النهر، وليصطاد بقرة وحشية أو ظبيا لرجاله. ثم تَوَلَّى إلى راكوبة كان رجال الدينكا قد أقاموها له. استراح فيها قليلا ريثما يتم اعداد إفطاره، بينما تجمع بعض رجال الدينكا الأقار وهم يحملون الحراب، وجلسوا في مجموعات صغيرة (تتكون الواحدة من 3 – 4 رجال) حول الجمال وهم ينظرون في دَهْشَة وفضول للجمال – تلك المخلوقات التي لم يَرَوْنَهَا من قبل. أقبل بعضهم على اسكوت – باربور وهم يحملون قدحا من اللبن وبعض الدجاج، وفجأة، وبإشارة من أحدهم، استولى واحدا منهم على بندقية الرائد، بينما أعمل بقية الرجال فيه حرابهم حتى فارق الحياة. وقتلوا كذلك كل رجاله الذين كانوا منتشرين في السهل فيما عدا 3 أو 4 من الجهادية الذين أفلحوا في الهرب إلى شامبي أو رمبيك. تعطي الظروف التي وقعت فيها هذه الحادثة فكرة جيدة عن الأخطار الدائمة التي تعرض لها المسؤولون قبل أن يتم في النهاية بسط سلطة الحكومة.
وبمجرد سماع الأميرالاي هنتر (الذي مات بعد فترة قصيرة بحمى الماء الأسود) بنبأ موت الرائد اسكوت – باربور غادر مقر قيادته في واو ومعه 16 من الجنود السودانيين النظاميين، والبمباشي هيمس من فيلق الخدمات الطبية (الذي مات لاحقا في عام 1904م متأثرا بجروح أصابته في حملة سابقة). وجمع الأميرالاي هنتر وهو في طريقه لموقع الحادث نحو 53 من الجنوبيين غير النظاميين من التونج ورمبيك، تاركا تلك النقطتين بلا رجال يحرسونها، وكانت تلك فرصة ثمينة للدينكا لو أرادوا مهاجمتهما. ثم انضم إليه لاحقا 58 من الجنود السودانيين النظامين تحت قيادة البمباشي آرماسترونق (والذي قتله فيل في العام التالي وهو يحمل هدايا لسلطان يامبيو). ولاحقا ضَمَّ الفان من الدينكا أنفسهم لسرية الأميرالاي هنتر (كقوات “صديقة”) وهم تحت حماية بنادق جنود الحملة، فيما يبدو على أمل أن يظفروا ببعض الغنائم (إذ أنهم لم يشتركوا حتى في قتال أربعين من رجال العدو ظهروا أمام جنود هنتر). ولم يكن رجال الدينكا هؤلاء عونا لسرية هنتر، بل شكلوا في الواقع تهديدا أمامها بسبب إعاقتهم لساحة الرماية. ولم يغادروا السرية إلا بعد أن هدد هنتر بإطلاق النار عليهم إن لم يظهروا “صداقتهم” له بالانصراف بعيدا عن سريته.
وفي ذلك الأثناء كانت السلطات في الخرطوم قد أرسلت حملة أخرى للمساعدة في دحر دينكا الأقار. وعُرِفَتْ تلك القوة بـ “قوة شامبي الميدانية”، وكان يقودها القائمقام لي ستاك بيه، الذي غدا فيما بعد حاكما عاما على السودان، واُغْتِيلَ في شوارع القاهرة عام 1924م. ضمت تلك القوة ضابطين بريطانيين مع مائة من الجنود السودانيين من مختلف الرتب في الفرقة العاشرة، مع 33 من رجال المدفعية المصريين، ومدفعين مكسيم تحت قيادة البمباشي شارلتون. وعندما اشتبكت القوتان الحكوميتان كانت قوتهما المشتركة تتكون من ستة ضباط بريطانيين، ونفس العدد تقريبا من الضباط السودانيين، و253 من الجنود الجهادية. وبالنظر إلى أن هدف الحملة كان هو إخضاع آلاف الدينكا المحاربين، يتضح أن عدد أفراد القوات الحكومية كان قليلا بالفعل.
تعرضت تلك الحملة لأخطار جمة، وواجهات صعوبات جِسام. وفي أول يوم بعد مغادرة شامبي تُوُفِّي ضابط سوداني بسبب ضربة شمس وإرهاق بالغ. وقاسى كل الجنود من العطش. واضطرت قيادة الحملة لفرض حراسة على الماء الموضوع حول أجزاء البنادق الأنبوبية (gun barrels) المُشَحَّمة لمنع الجنود من شربه. وحتى إن وُجد الماء، فقد كان معظم الجنود يعافون شربه بسبب رائحته المُتَعَفِّنة. وعلى كل حال، كان على من يرغب في شرب مثل ذلك الماء أن يقوم أولا بتصفيته عبر قطعة قماش للتخلص من المخلوقات الصغيرة الكريهة التي كانت تسبح فيه. غير أن حيوانات الصيد كانت كثيرة لحسن الحظ، وكان الجنود يجيدون صيد الظباء والبقار الوحشية والطيور. واصطادوا في تلك الحملة ثلاثة أفيال. وصُرف للضباط بعض البسكويت الجاف (القرقوش؟) الأقل استساغة. وكان لازما على الضابط أن يكسر القطعة من ذلك البسكويت الجاف لجزئين، ويخبطهما على الطاولة للتخلص مما بداخلها من سوس قبل أن يلتهما. وكانت تلك هي المقدمة غير السارة التي تسبق كل وجبة!
وكثيرا ما يصحب هطول الأمطار عواصف استوائية عنيفة. وكانت الأمطار قد هطلت بغزارة في 24 يوما من أيام الحملة التي بلغت 48 يوما. وكان على الضباط والجنود النوم على الأرض المتشربة بالماء دون أي فرش أو أي حماية من الغمر، وملابسهم وأجسادهم مبتلة. وكان أوجههم وأياديهم وكل جزء مكشوف من أبدانهم مرتعا للبعوض المَنهُوم كبير الحجم. وإن أفلح رجل في سحق واحدة منها على وجهه، سرعان ما يجد أن ست بَعوض أخريات قد حللن مكانها. ونتيجة لتفشي البعوض في المنطقة كان كثير من أفراد القوة يقعون فريسة للملاريا. وفي إحدى المرات أصابت الملاريا 28 من 101 من الجنود السودانيين، و27 من 35 من المصريين في فرقة شامبي الميدانية وحدها.
وكانت الليالي التي تعقب تلك الأيام المرهقة غير مريحة وقاسية على قوات الحكومة. غير أن الدينكا قل ما كانوا يهاجمون قوات الحكومة ليلا. وعندما كانوا يهاجمونها كانوا سرعان ما يلقون الهزيمة ويرتدون على أعقابهم بعد إطلاق قوات الحكومة لقذائف مدفعي المكسيم. وواصل الدينكا في ممارسة تكتيكات حرب العصابات، متحاشين للصدامات المباشرة. وأَمَرَ الجنود بالاستيلاء على بعض أبقار وأغنام وذرة الدينكا ومصادرتها، وحرق بعض قطاطيهم عقابا لهم على قتل الرائد اسكوت – باربو. وكان من رأي السلطات الحكومية أن ذلك يمثل ردعا كافيا لهؤلاء المُعَانِدين المنفلتين، وأن أسابيع العمل الشاق الذي ستستغرقه عملية جمع المواد اللازمة لإعادة بناء القطاطي المدمرة ستشغل هؤلاء الدينكا الأقار عن التخطيط لأي أعمال عدوانية أخرى. ولكن وأَسَفاه! فقد عادوا بعد أقل من ستة أسابيع بعد عودة الحملة إلى مركز قيادتها إلى طريق الحرب بهجومهم على فخذ آخر من أفخاذ قبيلة الدينكا بالقرب من رمبيك كان من “أصدقاء” الحكومة.
وكانت الحملة الحكومية ضد الدينكا الأقار هي الحملة الثانية في القائمة الطويلة للحملات التي كان على الحكومة القيام بها قبل أن يستتب الأمن أخيرا. وعلى الرغم من أن تلك الحملات لم تكن في عنف كثير من العمليات الحربية في السودان – إذ لم يجرح فيها ضابط بريطاني سوى النقيب هيمز – إلا أن تلك الحملة لم تخل من إراقة للدماء، إذ جُرِحَ فيها ثلاثة من الجهادية، وقُتِلَ ستة وجُرِحَ عشرون من القوات الصديقة، بينما قُتِلَ نحو أربعين من جنود العدو.
******** ******** ********
على الرغم من أن بعض القبائل أو أفخاذها كانت معادية للحكومة، وأن بعض الأفراد حاولوا إثارة المشاكل ضدها، إلا أن معظم السكان لم يتأثروا بتلك الاضطرابات، التي كانت في بلد شاسع (كالسودان) بعيدة عنهم، ولم يكن لها تأثير مباشر على حياتهم الشخصية. وفي الواقع كان لحجم وكمال الكارثة التي حاقت بالسودان، وذكرى تلك الأيام التعيسة التي سبقت سقوط حكم الخليفة عبد الله، بعض المزايا السياسية التي عوضت عن الصعوبات الاقتصادية وغيرها التي ورثناها عن ذلك الحكم.
وكانت القبائل في شمال السودان، على وجه العموم، سلمية وملتزمة بالقانون. وبعد أن عاش السكان تحت ظروف وأوقات عصيبة (في العهدين السابقين) كان هم السكان الأكبر هو الاستقرار والعيش بسلام والاهتمام بزراعتهم وبأحجام عائلاتهم. وفي جنوب الخرطوم، وغربا إلى كردفان كان هنالك الكثير من الأهالي الذين كان طِمَاحهم الأساس هو الأوبة للمناطق التي هُجِرُوا منها قسرا بأمر من الخليفة عبد الله، وإعادة نسج ما تبعثر من خيوط حياتهم. لذا لم يطلب غالب السكان من الحكومة سوى أن توفر لهم الأمن والسلم، وأن تقيهم شر المجاعات التي ذاقوا ويلاتها لعقد ونصف من الزمان. وأحسوا بأنهم، طَالَمَا بقيوا في مدار نفوذ الحكومة، سيكونون أحرارا ينعمون مرة أخرى بالعيش حياة هادئة حرموا منها طويلا. ولم يكن عند غالبهم أدنى رغبة في محاربة الحكومة أو حجب الولاء عنها. وعلى الرغم من ذلك لم يكن تطبيق القانون والنظام بالأمر السهل. وزاد من صعوبته أن كل رجل تقريبا في غالب مناطق البلاد – عدا مناطق قليلة في الشمال – كان مسلحا بحربة أو سيف أو سلاح آخر. وكان حمل الرجل من هؤلاء لنوع من السلاح أمرا مبررا نسبة لحاجته للدفاع عن نفسه ضد السُرّاق، ولحماية ماشيته من الحيوانات المفترسة المختلفة التي كانت كثيرا ما تعتدي عليها. غير أن السلاح كان يستعمل أيضا لأغراض هجومية. وكان على رجل الشرطة عندما يذهب لقرية ما لاعتقال أحد الناس، أن يدرك أنه قد يتعرض لمقاومة مسلحة. وقُتِلَ الكثير من رجال الشرطة أثناء قيامهم بأداء واجباتهم. ونتيجة لذلك أسندت المهام التي تتولاها الشرطة (المدنية) في المجتمعات غير المسلحة إلى الدوريات العسكرية في السودان. وكانت حكومة السودان مضطرة لأن تتدخل في غالب حالات اعتقال مجرمين في مشهد أضخم مما حدث في حادثة حصار شارع سيدني (1).
وكانت تلك الصعوبات ستغدو خطرة بما يكفي لو كان أولئك الناس مسلحين فقط بالحراب أو السيوف أو الأقواس والسهام، إلا أنه مما عقد الأمر أكثر أن عددا كبيرا منهم كانوا يمتلكون أسلحة نارية أيضا. وكانت بعض تلك الأسلحة النارية قد أُعْطِيَتْ للقوات العربية الصديقة لتحميهم من هجمات الدراويش، ووقع لاحقا بعضا منها في أيادي آثمة. وكان الدراويش أنفسهم قد استولوا على 30,000 بندقية من قوات الجيش المصري (القديم) المهزوم، وحازوا أسلحة أخرى من أهمها بنادق سانت اتيان St. Étienne من الفرنسيين عبر الحبشة ومنافذ أخرى. (ذكر المؤلف في الحَاشِية أن النوبة وحدهم كانوا يمتلكون من 12,000 إلى 15,000 بندقية في عام 1908م).
********* ******** **********
وضاعفت التعقيدات الخارجية من المتاعب الداخلية. ولا غرو، فللسودان الكثير من الجيران. فهنالك سبعة شعوب تحيط بحدوده التي تبلغ نحو 4,000 ميل (نحو6437 كيلومتر. المترجم). وبه ساحل للبحر الأحمر يضعه على اتصال مباشر مع الحجاز ودول أخرى. وعلى الرغم من أن حكومة السودان كانت تحتفظ بعلاقات ودية مع دول الجوار في مناطق الحدود، إلا أن تلك الحدود لم تُعْرَف أو تحدد قط بصورة واضحة لا لبس فيها. ففي بعض الحالات تتقاطع تلك الحدود الحكومية مع الحدود القبلية (وتقسم القبيلة الواحدة لقسمين)، وبذا تخلق وضعا إداريا ملتبسا وغامضا. وينتهز بعض الأهالي على جانبي الحدود بسرعة الفرص المتاحة من ذلك الالتباس والغموض. فإن سمعوا مثلا بشائعة مفادها أن جُبَاة الضرائب والعشور في طريقهم إليهم، يسارعون بالانتقال عبر الحدود إلى الدولة المجاورة لتفادي دفع ما عليهم من ضرائب وعشور. وكان المتحمسون من جُبَاة الضرائب يغامرون بتتبع أولئك الفارين من دفع الضرائب إلى داخل الدولة الحدودية المجاورة، مما يدفع تلك الدولة للاحتجاج على خرق سيادتها. وكان رجال القبائل الذين اعتادوا على رعي قطعانهم في السودان أو إرتريا يعبرون الحدود بين البلدين دون أدنى اعتبار لحرمة الحدود الدولية – ففي النهاية، كانت تلك الحدود (الرسمية) بالنسبة للأهالي مجرد خطوط غير معروفة على خرائط لم يروها قط، ولن يفهموها حتى إن رأوها.
وكانت صراعات الحدود كثيرا ما تفضي لقتل وجرح جنود دوريات الحكومة، خاصة في مناطق الحدود مع الحبشة، حيث كان تهريب السلاح أمرا شائعا، ومصدرا دائما للمشاكل والغارات على مناطق السودان الحدودية. وبالفعل قام الأحباش في الفترة بين فبراير 1899م وسبتمبر 1901م بما لا يقل عن إثني عشر اعتداءً على الأراضي السودانية، إما بغرض الصيد الجائر، أو نهب قطعان الماشية، أو ما هو أسوأ مثل الغزوات (الرزايا) العديدة التي تُشَنُّ لاصطياد الرقيق. وكانت كثير من تلك الغزوات تُنْفَذُ بقدر عالٍ من الغدر والخيانة من رجال في قسوة الأفریدیين Afridis (من قبيلة البشتون. المترجم)، ولكن من دون البريق الرومانسي المرتبط برجال القبائل في حدود السودان الشمالية – الغربية (على الأقل عند الذين لم يدخلوا ضدهم في صراع مسلح). وكانت من بعض صور الغدر والخيانة أن يدخل أولئك الرجال بحسبانهم زوارا وتجارا مسالمين إلى السوق ومخالطة من يريدون استهدافهم، ثم يطلقون عليهم فجأة نيران أسلحتهم. وفي أحيان أخرى يقوم النهابون بمهاجمة العُزَّل في القرى ويقتلون رجالها وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَها وأطفالها ويتخذونهم رقيقا. ورغم شناعة مثل تلك الجرائم التي تقع على الحدود، إلا أن التعامل معها كان عصيا بسبب السهولة التي كان يهرب بها الجناة إلى داخل الحبشة، ويتفادون بذلك العقوبات المستحقة على تلك الفظائع. ولم تتوقف مثل تلك الحوادث لعدة سنوات تالية. فقد وقعت من الأحباش بين عامي 1916 و1927م على الأقل 65 حادثة حدودية داخل السودان مثل التي ذُكِرَتْ آنفا. وكان فرض القانون والنظام في تلك المناطق الحدودية واحدا فقط من صعوبات عديدة أخرى.
********** ******** ********
لقد أفضى التدمير الكامل الذي قام به الحكمان الفاسدان السابقان (المصري ثم المهدوي) لما هو أكثر من مجرد تدمير هيكل اقتصاد السودان. لقد دمرا القواعد الأساسية التي كان يمكن أن يقام عليها اقتصاد جديد للبلاد. وكان كثير ممن بقي على الحياة في السودان (وعددهم الكُلّيّ لم يكن يتجاوز 1,250,000 نسمة) من العُجُز والأطفال الصغار. وكان الخليفة عبد الله قد أباد القبائل التي عارضته وسوّى بمساكنهم الأرض. واختفت من الوجود تقريبا 800 قرية عامرة ومزدهرة كانت موجودة على نهري الدندر والرهد. وعندما زار سير ريجيلاند وينجت عام 1903م المتمة (بين الخرطوم وبربر)، وكانت مدينة كبيرة ومزدهرة، لم يجد بها سوى 1,300 نسمة، منهم 1,150 امرأة وطفلا، إذ أن الدراويش كان قد قتلوا معظم الرجال في المدينة. وكانت القرى التي كان بمقدورها في أوقات سابقة تقديم 500 رجلا مقاتلا لساحة المعركة، لا تستطيع بالكاد تجميع عُشْر ذلك العدد الآن.
لقد كان الاضطراب الاقتصادي بالسودان من السوء بحيث فكر المسؤولون جديا في جلب عمال من الصين أو من زنوج أمريكا. وكان الذين عليهم القدوم لمساعدة السودان هم بالتأكيد رجال مصر المجاورة. غير أن خوفهم من العيش بالسودان الذي حركه وحفزه جبنهم الفطري / المُتَأَصِّل innate timidity (هكذا! المترجم) أبطل كل محاولات حكومة السودان لإغراء الفلاحين المصريين للهجرة طوعا للسودان من بلادهم المزدحمة بالسكان. وذات مرة قدمت جماعة من المصريين للسودان، ولكنهم صادفوا وهم في وادي حلفا شحنة من الحيوانات المفترسة (مثل الأسود والنمور والفهود والأفيال) كانت في طريقها لحديقة الحيوان بالقاهرة، فقرر هؤلاء فور رؤيتهم لتلك الشحنة أن بلدا به مثل تلك الحيوانات المرعبة لا يصلح لعيشهم فعادوا من حيث أتوا. ومرت سنوات طويلة قبل ان يقبل بعض المصريين بالعمل في مشروع الجزيرة بعد تلقيهم عروضا بأجور عالية نسبيا.
والفلاح المصري عامل ممتاز ومجد في عمله. وبمقدوره أن يعمل ويكسب الكثير، وبإمكانه أيضا أن يعطي بجده واجتهاده الذي لا يعرف الكلل درسا عمليا للعمال العرب والسودانيين الكسالى. لقد كان نقص الأيادي العاملة عائقا كبيرا أمام تعافي البلاد وإعادة بنائها: والعرب يحتاجون لعمال ليتولوا زراعة أراضيهم بالمحاصيل المروية بالأمطار، والعمل في السواقي، وهي من الأعمال التي كان يقوم بمعظمها مسترقيهم في الماضي (2). وكانت الحكومة تحتاج لعمالة تقوم بأعمال البناء والبرامج الأخرى. ولم يكن هناك سوى الهمج من رجال القبائل الوثنية في جنوب السودان، والرجال العرب، وهم غير مستعدين للعمل من أجل أنفسهم، فما بالك بالعمل عند الغير.
ولا يزال هناك الكثير من المسترقين في الشمال، رغم أن بعضهم كان أفلح في الفرار عندما قُتِلَ “ملاكهم” في المعارك. وكان شيوع نظام الرق في السودان قد وضع السلطات في مواجهة مباشرة ضد واحدة من أعقد وأبغض المشاكل التي ينبغي على أي حكومة أن تتعامل معها. وكان الرق، بكل ما فيه من تاريخ طويل، أمرا بغيضا ذميما لإدارة إنسانية، خاصة للبريطانيين، الذين ينظرون لماضيهم بفخر عند تذكر ويليام ويلبرفورس Wilberforce وغردون وآخرين (2).
كانت الحكومة أمام خيارين أحلاهما مُرُّ: إما السماح مؤقتا بالرق أو التحرير الفوري لكل المسترقين، علما بأن هذا الخيار الأخير قد يجلب خرابا اقتصاديا للبلاد، وهجرا للزراعة على شواطئ النيل وفقدان قطعان من ماشية العرب الرحل، الأمر الذي سيفضي لموت آلاف البشر الأبرياء، الذين تربوا – دون ذنب جنوه – تحت نظام اجتماعي مبغوض في الأفكار الغربية، ولكنه مقبول كشرط لا غنى عنه لحياتهم اليومية. وبالإضافة لذلك فقد كان تحرير كل المسترقين يعني إطلاق سراح آلاف الرجال والنساء الذين ليس لديهم أي إحساس بالمسؤولية الاجتماعية، وسيشكلون خطرا على الأمن العام والقيم. وأخيرا، كان العرب سيثورون ضد ما يرونه ظلما فاحشا وقع عليهم، إذ أنهم كانوا، في النّهَايَة، هم من اشتروا رقيقهم ودفعوا في ذلك (مالا كثيرا).
لذا قررت الحكومة الاعتراف بوجود الرق، ولكنها قررت أيضا وضع تدابير احترازية لضمان أن المسترقين لن يلقوا معاملة سيئة، ولتأكيد أنه، مع مرور الزمن، ستموت مؤسسة الرق موتا طبيعيا. وتم، بتفصيل شديد، جمع اسماء كل المسترقين والمسترقات في سجل رسمي، وإصدار بيان يفيد بأن كل طفل يولد لأب عربي وأم سودانية (أي مسترقة. المترجم) سيعتبر حرا متى ما بلغ سن الرشد. وشجع البيان المسترقات السودانيات (أو بعبارة أكثر دقةً هؤلاء المسترقات العاملات في خدمة البيوت) للبقاء مع ” مُلاَّكهن” طالما كن يلقين منهم معاملة حسنة وكسوة وطعام كافٍ. وكان بعض “مُلاَّك” المسترقات سعداء جدا بالاستغناء عن خدمات بعض المسترقات، خاصة اللواتي كبرن في السن، بسبب تدني قيمتهم السوقية. ومن جانب آخر، نشأت عبر السنوات بين الكثير من المسترقات السودانيات و” مُلاَّكهن” العرب آصِرَة مودة، مثل تلك التي نشأت بين الزنوج المسترقين و”سادتهم” البيض بالولايات الجنوبية في أمريكا، وفي تلك الحالات كن لا يرغب في مغادرة البيوت (التي قضوا فيها سنوات طويلة)، وكانت الواحدة منهن تعد “مالكها” بمثابة الأب الذي ظل يرعاها طوال حياتها. وفي الحقيقة كان كثير من العرب يعاملون مسترقيهم بحسبانهم من أفراد عائلاتهم.
وعلى الرغم من أن حل مشكلة الرق لم يتم نهائيا في السودان حتى عام 1940م، إلا أننا لا زلنا نرى حتى اليوم (أي في منتصف القرن الماضي. المترجم) بعض المسترقين السابقين لدي العرب الرحل في غرب السودان الذين لا يرغبون في الحصول على أوراق العتق من العبودية، ويؤثرون البقاء مع ” مُلاَّكهم” السابقين، بل ويفخرون بكونهم من خُدّام زعيم قبلي بارز، وزوجوا الكثير من بناتهم لرجال من أفضل العائلات.
وكان قرار حكومة السودان غير المرحب به للاعتراف بالرق يتفق ويتسق مع قام به الجنرال غردون – وهو رجل شديد العطف ومسيحي جَهِير الإخلاص – من إلغاء لقراره بتحرير كل الرقيق، وكان مضطرا لذلك بسبب ما أحدثه ذلك القرار من اضطرابات بالبلاد. ولا شك عندي في أن قرار منع تجارة الرقيق (الذي أصدره رجال بيض، وفوق ذلك مسيحيين، مثل غردون والسير صمويل بيكر وقيسي) كان قد دفع السودانيين لتأييد دعوة المهدي. ولا ريب أن بعض أتباع المهدي كانوا من المتحمسين لإحياء الإسلام، وكان الكثير من أنصاره يمقتون ممارسات الحكم المصري القاسية والظالمة، إلا أنه كان هنالك أيضا من مؤيدي المهدي من يعتقد أن تحرير الرقيق سيضر بطرائق عيشهم (3). وظلت حكومة السودان، وهي في ذلك الموقف المَنكُود الذي ورثته عن حكم التركية السابقة، تؤمن بأن الرق بالسودان لن ينتهي إلا مع مرور الوقت.
وباستثناء حالة واحدة حكمت فيها بالإعدام على رجل، لا أستطيع أن أتذكر واجبا مفروضا علي أكثر كراهة من أن أحكم على مسترق بالعودة لـ “مالكه”. ولكن عزائي أن ذلك الأمر كان في صالح المجتمع، وفي صالح المسترق نفسه (هكذا!؟ المترجم). ومن حسن الحظ أنه لم تكن هنالك إلا قلة قليلة من المسترقات والمسترقين الذي لم يرضوا بالقبول بالبقاء في الأماكن التي ألفوها، والتي كانت – في غالب الحالات – مناسبة لدرجة معقولة. غير أن إجباري بحكم الواجب على حرمان أي امرأة أو رجل من الحرية كان من أبغض الأمور بالنسبة لي. غير أني لا أشك مطلقا في صحة قرار الحكومة في هذا الشأن، فقد تحاشينا بفضل ذلك القرار العديد من المشاكل التي لطالما أقلقت الإدارات الأخرى.
كان حاكم ترينداد في عام 1848م قد كتب التالي عن المشاكل التي نتجت عن تحرير الرقيق في جزر الهند الغربية في عام 1838م: “كانت واحدة من الأخطاء التي ارتكبناها بعد أن منحنا الحرية (للزنوج المسترقين) هي قلة العناية بأي تشريعات تهدف لتكوين مجتمع قائم على مبادئ حقيقية وسليمة ومستدامة … وحاليا تبقى هذه المشكلة قائمة: لقد حررنا عرقا، غير أن المجتمع لم يتكون بعد”(4).

إحالات مرجعية
1. وقعت حادثة حصار شارع سيدني (Siege of Sidney Street) في يناير من عام 1911م، حين دار صدام مسلح بين قوات الشرطة البريطانية وجماعة “ثورية” من المهاجرين اللاتيفيين اُتهمت بسرقة متجر للمجوهرات. يمكن مشاهدة فيديو عن تلك المواجهة في هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=PDPHz4w3zvg
2. يمكن هنا النظر في الكتاب المترجم بعنوان “تاريخ الرق في السودان بأقلام غربية”، 2020م، دار باركود للنشر.
3. يمكن النظر في مقال مترجم بعنوان “غردون: الرق والسودان” https://www.sudaress.com/sudanile/129334، ومقال مترجم بعنوان “مواقف مهدي السودان حيال الرق وتحريره” https://www.sudaress.com/alrakoba/1072755
4. ذكر المؤلف في الحاشية أن ذلك المقال قد نشر يوم 10/6/1948م في مجلة The Listener

alibadreldin@hotmail.com
////////////////////

/////////////////////

 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك