مفصولو برنامج الغذاء العالمي (WFP): عشر سنوات من المطالبة بالحقوق .. بقلم: ابراهيم محمد شرف الدين


عشر سنوات  مضت بالتمام والكمال منذ أن تم فصل 173 موظفاً من الحرس الأمني لبرنامج الغذاء العالمي بولاية شمال دارفور في العام 2011م وعدد مماثل ببقية ولايات دارفور الكبرى ، ليحل محلهم موظفون  لشركات أمنية تتبع لنافذين في النظام البائد وما زالت تلك الشركات تعمل رغم سقوط حكومة الكيزان، ورغم مخالفة طبيعة عملها لمباديء  ومواثيق حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة، هذه الشركات وتحديداً شركتا الهدف وأسوار، يقوم عملها على نظام السُخرة، وهي ضرب من ضروب الاتجار بالبشر، حيث تقوم الشركة بالتعاقد مع المنظمة بمبلغ معين مقابل كل رأس بشري، ثم تدفع للفرد الضحية أو المُتاجر به مبلغاً زهيداً جداً وتستأثر هي بالباقي، مستغلةً بذلك حاجته الماسة للمال وضعفه، وعدم وعيه بحقوقه..عشر سنوات مضت ولم تنطفيء شعلة الأمل في النفوس المؤمنة بحقوقها، وقفات احتجاج متواصلة..وتصعيد إعلامي.. ومذكرات إلى الجهات المسئولة التي ظلت وكأنّ في أذانها وقر، فلم تعرْ القضية أية اهتمام، مما دفع بالمفصولين إلى تنفيذ اعتصام مفتوح أمام مكتب المنظمة بالفاشر، واليوم وأنا أكتب هذا المقال قد بلغ الاعتصام واحدا وستين يوماً..ويقول منظموه أن صيوان الاعتصام سيظل منصوباً إلى أن تتحقق المطالب التي تتمثل في الساعات الإضافية والعطلات الرسمية وبدل المبيت الليلي، والفصل التعسفي(تعويض) أو جبر الضرر..إنّ ما أقدم عليه برنامج الغذاء العالمي يعدّ جريمة مركبة، تتمثل في الفصل التعسفي والمشاركة في الاتجار بالبشر، ومساعدة حكومة المؤتمر الوطني  بتشغيل شركاتها عن    طرق التعاقد معها، بموجب التعميم الذي صدر من حكومة الكيزان آنذاك يلزم جميع المنظمات العاملة في ولايات دارفور الكبرى بإنهاء أو إيقاف جميع موظفي الحرس الأمني العاملين لديها والتعاقد مع الشركات الأمنية التي من بينها “الهدف” و”أسوار”، وبالفعل قد رضخت جميع المنظمات للأمر وخضعت له ما عدا بعثة اليوناميد..فشمل بذلك الفصل التعسفي قرابة الثلاثمائة موظف وموظفة ، ترتبت عليه آثار اقتصادية سالبة أضرار كبيرة  على مستوى الأسر، وعلى مستوى المجتمع، فقد كان المفصولون  يعولون أسرهم الصغيرة كما يعينون أسرهم  الممتدة بحسب العرف الاجتماعي  وثقافة التعاون السائدة في مجتمعاتنا، وبفصلهم واستجلاب الشركات الأمنية فقد فقد مجتمع دارفور المتأثر بالحرب عائدات تلك الوظائف التي كانت تنعش السوق المحلي وتغذيه بالنقد، لتغذي شركات المؤتمر الوطني وليس العاملين فيها الذين يعملون كما ذكرت آنفاً بنظام السخرة..ولم يأتِ أمر التعاقد مع هذه الشركات مصادفة بل جاء نتيجة دراسة وتخطيط شيطاني  في إطار سياسة إفقار إنسان دارفور وحرمانه من أدنى حقوقه التي انتهجتها حكومة الكيزان..فأصدرت هذا القرار الجائر لينزع بذلك حقاً أصيلاً من حقوق أهل دارفور باعتبارهم مجتمعاً متأثراً بالحرب وعليه يجب أن يستفيد من فرص التوظيف التي توفرها له هذه المنظمات إلى جانب استفادة المتأثرين من خدمات الإغاثة بصورة مباشرة..في تقديري أن القرار كان أمنياً في المقام الأول لصالح حكومة المؤتمر الوطني ونافذيها، وصفقة رابحة تمت بإغراء كذلك لصالح جماعة داخل المنظمة على رأسها المدير القطري للمنظمة يومئذ، عامر داؤودي وآخرون..إنّ الأمر يستوجب تحقيقاً ومساءلةً أن كيف تم هذا، وما المصلحة التي حققها التعاقد مع هذه الشركات؟ من المعلومات التي توفرت لكاتب المقال أن المنظمة تضررت كثيراً بعد إقدامها على فصل موظفيها السابقين، والتعاقد مع هذه الشركات حيث كثرت السرقات والسطو على المخازن وفقدان الموظفين لأغراضهم الخاصة، فصارت المنظمة تستعين بالشرطة لتعمل جنباً إلى جنب مع أفراد تلك الشركات..والسؤال كيف يُسمح بتواجد أفراد من الشرطة داخل مقارّ الأمم المتحدة ..أليست هذه مخالفة لقوانين المنظمات الإنسانية؟ قلنا أن الأمر يستوجب مساءلة عاجلة وإجراء تقصي شامل  لجهة أن ما حدث لا ينحصر في الضرر المباشر الذي وقع على المفصولين بل يتعداه إلى المتأثرين ومجتمع الولاية بصفة عامة، لأنّ المانحين سيحجمون  عن تقديم أي مساعدات أو تمويل متى أحسوا بمجرد شُبهة فساد..إنّ مأساة المفصولين تتمثل في أنّ من بينهم كبار سن دخلوا مرحلة التقاعد بتاريخ كتابة هذا المقال ومن بينهم  أصحاب الأمراض المزمنة، وبعضهم قد انتقل إلى جوار ربه تاركين خلفهم أبناءً قصّراً وأرامل لا حول ولا قوة لهن في ظلّ التردي الاقتصادي الذي نعيشه وتصاعد الأسعار بالصورة التي نراها كل صباح..والأمر المؤسف أن وزارة خارجيتنا وهي الجهة المسئولة في مثل هذه الأمور وفي ظل الثورة التي جاءت تنادي بالعدالة والإنصاف، فبدلاً من القيام بدورها كاملاً تجاه مواطنيها والدفع باتجاه مساعدتهم في نيل حقوقهم المشروعة، بدلاً من ذلك تبعث بخطاب-اطلع عليه كاتب المقال- ملؤه الضعف والوهن إلى محكمة بالخرطوم تقول فيه أنّ  المنظمة تتمتع بحصانة قضائية تامة ولا تخضع للقضاء الوطني..مع العلم أنه ليست هناك حصانة مطلقة، وإلّا فإنّ موظف الخارجية هذا جاهل، أو سائر على خطى الذين خلوا من موظفي المؤتمر الوطني”ناس حقي كم” لأنجز لك هذا العمل..وإذا كانت المنظمة تتمتع بحصانة لا تخضع بموجبها للقضاء الوطني بشكل مطلق كما ورد في خطاب الخارجية بناء على ردّ المنظمة عند استدعائها من قبل المحكمة، أنا أتساءل الآن :كيف خضعت لتوجيهات جهاز أمن المؤتمر الوطني وتعاقدت مع شركاته الأمنية؟؟ فلماذا لم تستخدم ساعتئذ هذه الصلاحيات فترفض تلك التوجيهات كما رفضتها بعثة اليوناميد وأبقت على موظفيها الأمنيين الذين تعاقدت معهم مباشرة دون وسيط؟؟..وإذا كانت المنظمة  تخشى المثول أمام المحاكم لأمر تعرفه، فلماذا لا تلجأ إلى الحل الودي أو التسوية المنصوص عليها في العقد المبرم بينها والمفصولين وطيّ هذه الصفحة التي كلما طال أمدها كان ضررها على المنظمة أكبر؟..إنّ منظمة رائدة مثل برنامج الغذاء العالمي يجب أن تكون مثالاً للشفافية”transparency” والنزاهة”impartiality” والمحاسبية”accountability”، التي تمثل مباديء العمل الإنساني، وليس العكس..لقد خسر برنامج الغذاء العالمي-مكتب السودان- بهذه الخطوة كثيراً، إذ أصبح اسم المنظمة هذه الأيام وجبة شهية للإعلام المقروء والمرئي والمسموع ، فليت المنظمة لم تقدم على أمر كهذا، مع عدم وجود أي مبرر “justification” غير ذلك الذي ورد في خطابها للمفصولين بأن الوضع المالي للمنظمة يستدعي تخفيض الطاقم الأمني، في حين لم يتم تخفيض أو دمج أيّ من  المواقع التي كان يعمل فيها المفصولون أو حتى إلغاء جزئيّ لتلك الوظائف حتى الآن..ومما يُعدُّ خسارة للمنظمة أيضاً أنّ القرار قد أفقد المنظمة كوادر مؤهلة تلقت تدريبات متقدمة من المنظمة نفسها وبعثة اليوناميد، وقد كانوا مثالاً في النزاهة والانضباط والأداء، أضف إلى خبرات تم اكتسابها من سنوات العمل الطويلة والظروف الاستثنائئة، حيث عمل البعض منذ افتتاح مكاتب مكتب بالولاية قبل عقدين من الزمان..ومما يُحسب على المنظمة أنّها تعاملت مع شركات تعمل بنظام السخرة أو إن  شئت قل الاتجار بالبشر، وهذا  مما يتنافى مع مواثيق الأمم المتحدة.. يُحسب على المنظمة أيضا أنّها دعمت نظاماً يمثل قمة الدكتاتورية بانتهاكه لحقوق الإنسان وذلك بتعاقدها مع شركاته وتمويل أنشطتها التي تصبّ في صالح التمكين ومزيد من الاستبداد والانتهاكات.. والعجيب في الأمر أن هذه الشركات ما زالت تعمل رغم سقوط حكومة المؤتمر الوطني وذهاب ريحها فالسؤال المطروح: أين لجنة إزالة التمكين من هذا؟ يجب إنهاء تعاقد هذه الشركات وطردها من عموم ولايات دارفور، بل سحب تراخيصها ومصادرة أصولها أسوة بما تم لبقية مؤسسات النظام البائد، وإلزام المنظمة بالتعاقد مباشرة مع هؤلاء المُتاجر بهم-موظفي هذه الشركات- دون أيّ وسيط ينتفع من عرقهم ويمتصّ دماءهم.. إنّ استمرار شركات النظام البائد وخاصة الشركات الأمنية إلى يومنا هذا يُعدّ ارتداد عن مباديء الثورة التي نادت ب: حرية ..سلام.. وعدالة..أما المفصولون فعلى المنظمة والجهات المسئولة أن تجدّ في التوصل إلى حلّ  يطوي صفحة هذه القضية  التي طال أمدها وتطاول عمرها..عشر سنوات من المطالبة وواحد ستون يوماً من الاعتصام المفتوح يكفي، مع أن المعتصمين قادرون ومصممون على البقاء رغم ظروف الخريف القاسية،  زادهم في ذلك الإيمان بقضيتهم العادلة والإصرار والعزيمة التي ما لانت يوماً، والهمة التي ما فترت منذ ما يقارب عقداً من الزمن..من يزر خيمة الاعتصام يقرأ الإصرار على الوجوه، ومعنى الصمود، والإيمان بعدالة القضية..إن زرت الخيمة تشعر بالحزن أيضاً لنكران الجميل من قبل برنامج العالمي وتنكره لأناس عملوا في أصعب الظروف الأمنية، مضحين بأرواحهم وهم يؤمّنون قوت الآلاف من النازحين، وأرواح مئات من الموظفين، وممتلكات المنظمة التي تقدر بملايين الدولارات في الوقت الذي يتقاضون أقل الأجور مقارنة برصفائهم  في الأقسام الأخرى..لقد عمل هؤلاء المفصولون في وقت كان فيه الاختطاف ومهاجمة مقارّ المنظمات، واستهدافها يحدث بشكل شبه يومي..وكانت الأوضاع معقدة جداً والفوضى ضاربة بأطنابها في كل مكان، ومع ذلك ما حدث أن أخلّوا يوماً  من الأيام بأي شرط من الشروط أو بدر منهم ما يؤدي إلى فصلهم أو الاستغناء عنهم..ولكن للأسف بدلاً من أن تكرمهم المنظمة وتهديهم أوسمة الجدارة شردتهم وما زالت تتماطل وتتجاهل مطالبهم العادلة..فإلى متى؟؟
الفاشر 19يوليو
 ibrahimsharaf12@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!