الصادق حمدين
يمتاز القانون بالعمومية والتجريد، ولكي يكتسب صفة القانون لا بد من توافر شروط وضوابط معينة. وبإنزال هذا التعريف على ما اصطلح، تجاوزاً في التعبير، على تسميته بـ”قانون الوجوه الغريبة”، يتضح أنه في أصله ليس قانوناً، وإنما هو أقرب إلى البلطجة ونصوص سرية لتنظيم عصابي، ولا صلة له بالقانون من قريب أو بعيد.
ومن باب المعرفة العامة، ليست كل القوانين مكتوبة. هناك قوانين أخطر من تلك التي تصدرها البرلمانات، لأنها تُكتب في العقول وتُنفذ بالأهواء. أحد هذه القوانين هو ما أصطلح على تسميته بـ “قانون الوجوه الغريبة” ذلك القانون الذي لا يبحث عن الأدلة، وإنما عن الملامح، ولا يفتش عن الجريمة، وإنما عن السحنة والهوية والجغرافية، ولا يرى في الإنسان مواطناً له حقوق، وإنما مشروع متهم حتى يثبت العكس.
المشهد الذي انتشر أخيراً ليس مجرد واقعة أمنية، بل فضيحة أخلاقية وقانونية مكتملة الأركان. مجموعة من الشباب أُجبروا على الوقوف أمام كاميرا هاتف، وطُلب منهم أن يذكروا أسماءهم وألقابهم، بينما كان الشخص الذي يستجوبهم يتهكم على ألقابهم ويسخر منها في مشهد يفيض بالتشفي والاستهانة بالكرامة الإنسانية، وكأنه يحتفل بالغنيمة لا وكأنه يتعامل مع أشخاص يتمتعون بقرينة البراءة حتى تثبت إدانتهم وراء ظلال الشك بواسطة محكمة قانون.
ولا نعرف من الذي كان يتولى هذا الاستجواب المصوَّر، هل هو رجل شرطة؟ أم فرد في جهاز أمني قمعي؟ أم شخص انتحل سلطة الدولة وتصرّف من تلقاء نفسه؟ أم فرد من كتائب البراء الإرهابية التي تجيز عقوبة الذبح وبقر البطون؟ لكننا نعرف شيئاً واحداً، من يُخضع الناس لاستجوابٍ علني أمام كاميرا هاتف، ويُرغمهم على كشف هوياتهم ثم يسخر منهم، لا يحترم القانون ولا أبسط معايير الكرامة الإنسانية، مهما كان الزي الذي يرتديه أو الجهة التي ينتمي إليها.
إذا كان هذا الرجل رجل قانون، فإنه أول من انتهك القانون. لأن القانون لا يعرف الإذلال العلني، ولا يعترف بمحاكمات التشفي، ولا يبيح التشهير بمتهمين لم تصدر بحقهم أحكام قضائية باتة أي اكتسبت حجية الأمر المقضي. العدالة ليست استعراضاً، وليست حفلة لإذلال الفقراء والمستضعفين – حتى وإن كانوا متهمين – وإنما منظومة تحكمها الإجراءات والضمانات والحقوق.
لكن ما يثير الغضب حقاً ليس فقط انتهاك القانون، بل الانتقائية الوقحة في تطبيقه.
ففي هذه البلاد المنكوبة بميليشياتها وكتائب أمنها وقضائها المسيس، يبدو أن هناك نوعين من اللصوص، لص يسرق من مخبز فتطارده الكاميرات، وتُعلن هويته، ويُساق إلى منصة التشهير قبل منصة القضاء. ولص يسرق وطناً بأكمله، وينهب الخزينة العامة، ويستولي على الأراضي والذهب والثروات، ويغادر المشهد محاطاً بالنفوذ والحماية، كأن جرائمه مجرد وجهة نظر تخضع لمشرط التحليل والنقاش.
أي عدالة هذه التي تفتش جيوب المعدمين، بينما تغض الطرف عن الذين نهبوا المليارات وافقروا الدولة نفسها؟
أي دولة هذه التي تستعرض عضلاتها على الضعفاء، بينما ترتجف أمام أصحاب السلطة والمال؟
إن السرقة لا تتغير بتغير قيمة المسروق. من يسرق رغيفاً ارتكب جريمة، ومن يسرق ملياراً ارتكب جريمة أكبر أثراً وأشد خطراً، لأن ضحاياه ليسوا أفراداً بل شعب بأكمله. ومن استولى على عشرات قطع الأراضي العامة لا يختلف في جوهر فعله عن من استولى على شباك غرفة، وإنما يختلف في حجم الكارثة التي ألحقها بالمجتمع.
إن أخطر ما في “قانون الوجوه الغريبة” أنه لا يكتفي بقتل العدالة، بل يقتل فكرة المواطنة نفسها. فهو يقسم الناس إلى مواطنين كاملي الحقوق، وآخرين يعيشون تحت الاشتباه الدائم، لأن لون بشرتهم مختلف، أو لهجتهم مختلفة، أو أصولهم الجغرافية لا ترضي أصحاب هذا المنطق المريض.
العنصرية لا تبدأ بإطلاق الرصاص، بل تبدأ بالنظرة. ثم تتحول إلى كلمة، ثم إلى تهمة، ثم إلى سياسة، ثم إلى مؤسسة. وعندما تبلغ هذه المرحلة يصبح الظلم هو القاعدة، والعدالة هي الاستثناء.
التاريخ مليء بالشواهد على أن المجتمعات التي سمحت للعنصرية بأن ترتدي زي الدولة انتهت إلى تمزيق نفسها بنفسها. فالعنصرية لا تحمي الأوطان، بل تهدمها من الداخل. وهي لا تصنع أمناً، وإنما تصنع خوفاً وحقداً وانقساماً لا ينتهي.
من المؤسف أن ينشغل البعض بمطاردة أصحاب الوجوه التي يعتبرونها “غريبة”، – لا أدري بأي منطق ومعيار -؟ بينما تتجول الوجوه المعروفة في ملفات الفساد وكأنها فوق المحاسبة. إن من أفسد مؤسسات الدولة، ونهب المال العام، وأفقر الملايين، هو الخطر الحقيقي على الأمن والاستقرار، لا ذلك الشاب الذي يُساق أمام الكاميرات ليكون مادة للشماتة والتحريض والسخرية.
إن الدولة التي تحترم نفسها لا تسأل المواطن، من أي قبيلة أنت؟ ولا من أي إقليم جئت؟ ولا ما لون بشرتك؟ وإنما تسأله سؤالاً واحداً، هل ارتكبت الجريمة؟ وهل توجد أدلة تثبت ذلك؟
أما تحويل الملامح إلى أدلة، واللهجات إلى قرائن، والانتماءات إلى تهم، والألقاب إلى بينة ظرفية، فذلك ليس تطبيقاً للقانون، وإنما إعلان صريح عن إفلاس العدالة الأخلاقي.
إن الوطن الذي يصبح فيه الوجه دليلاً على الإدانة، هو وطن يعلن هزيمته أمام العنصرية. والدولة التي تسمح بالتشهير بالفقراء بينما تعجز عن محاسبة كبار الفاسدين، لا تواجه الجريمة، وإنما تعيد إنتاجها بصورة أكثر بشاعة.
فالعدالة لا تُقاس بقدرتها على القبض على الضعفاء، وإنما بقدرتها على إخضاع الأقوياء للقانون.
وليعلم كل من يظن أن إذلال الناس أمام الكاميرات بطولة، أن التاريخ لا يتذكر المستعرضين، بل يتذكر من وقفوا في وجه الظلم. أما الذين جعلوا من السحنة تهمة، ومن الهوية دليل على الإدانة، ومن العنصرية منهج، فلن يخلدهم التاريخ إلا في سجل الذين خانوا العدالة، وأهانوا القانون، وأساؤوا إلى معنى الدولة نفسها.
فلا تجعلوا من العنصرية وقود لانقسامٍ يتجاوز الجغرافيا إلى الوجدان، ولا تعمّقوا جراح وطن لم يعد يحتمل مزيد من التشظي. فالوطن، وإن بقي موحّد على الخريطة، يمكن أن يتشقق في نفوس أبنائه، وحينها يصبح ترميم الجغرافيا أسهل بكثير من ترميم ما تهدّم في الوجدان والنفوس.
Sent from Outlook for iOS
umniaissa@hotmail.com
