قراءة في ما بعد الاتفاق الاطاري

 


 

بسام محمد
23 يناير, 2023

 

bassam.moe27@gmail.com
تُعاني معظم التنظيمات السياسية السودانية في مسألة خلق زخم ميداني، إن كانت في المعارضة أو في سدة الحكم، فهي تعجز عن تسيير مظاهرات احتجاجية أو تأييدية. لذا غالبا ما تكون أول خطوة لهذه التنظيمات هي عقد تحالفات حد أدنى على إعلان سياسي مثلًا فيما بينها، أو تخطو إلى الأمام بصياغة مواثيق أو برامج تفصيلية، حتى يتسنى لها توسيع دائرة الفعل الميداني، عبر هذه الائتلافات السياسية، في محاولة لكسب/حفظ دعم أهم حليف لهم منذ عقود عدة؛ المؤسسة العسكرية.
مجموع هذه الائتلافات والتحالفات المختلفة هو ما يشكل صراع السلطة والثروة في البلاد، حَكم تحالف الإسلاميين مع كبار ضباط المؤسسة العسكرية البلاد لمدة 30 عام. شهدت آخر سنوات حكم الإسلاميين ضعف واضح في قدرات جهاز الدولة على تسيير عجلة الإنتاج، ومع الزيادة السكانية الرهيبة، وعوامل مهمة أخرى، دخلت الدولة في أزمة اقتصادية حادة، فتهاوت دولة الكيزان، بعد ثورة شعبية بدأت في ديسمبر 2018. وها نحن اليوم ومنذ ذاك الوقت ونحن في طور إعادة إنتاج جهاز الدولة.

صراع السلطة وغياب الحزب الثوري
انعكست أزمة جهاز الدولة، كعادتها، على كل مناحي الحياة في السودان، سياسيًا كان تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير من أدسم تجلياتها، انفض جمع هذا التحالف كما نعلم، ثم انفض حلفهم مع الجنرالات بعد انقلاب 25 اكتوبر 2021 العسكري، قبل الانقلاب تشظت الحرية والتغيير لائتلافات عديدة(قحت - المجلس المركزي، قحت - ميثاق التوافق الوطني). أقرب ما نصف به المشهد السياسي اليوم، هو أن القِوى السياسية في حال من الخلخلة، موت تحالفات ونشوء تحالفات جديدة مكانها، وربما هذا ما تتسِم به تاريخيًا السياسة في السودان.
بتاريخ 5 ديسمبر 2022 وقعت العديد من القوى السياسية على اتفاق إطاري مع قادة الانقلاب، -البرهان- رئيس "حزب" القوات المسلحة، و -حميدتي- رئيس "حزب" المليشيا، هذا الاتفاق الاطاري يجمع بين أحزاب الحرية والتغيير - المجلس المركزي، التي ثارت ضد حُكم الاسلاميين في ديسمبر 2018، و حزب المؤتمر الشعبي، وهو حزب ذو توجه إسلامي ورفض طلب انضمامه لتحالف الحرية والتغيير سابقاً إبان الفترة الانتقالية، هذا تناقض واضح، كذلك ضمت حزب التجمع الاتحادي بطبيعة كونه أحد مكونات الحرية والتغيير - المجلس المركزي والحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، علمًا أن الأول منشق عن الثاني، وهذا تناقض آخر.
مضت قوى سلام جوبا أو ما تعرف بـ قحت - ميثاق التوافق الوطني؛ لتوسيع تحالفها مع أحزاب سياسية وكيانات قبلية وطرق صوفية، وسمت تحالفها الجديد قوى الحرية والتغيير - الكتلة الديمقراطية" والمفارقة مشاركة تيار ضمن الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل داخل هذا التحالف أيضًا، وكان هذا التيار من المشاركين في حكومة الإسلاميين حتى آخر لحظاتها، تم الاعلان عن هذا التحالف بتاريخ 3 نوفمبر 2022، في مؤتمر صحفي طرحوا خلاله مشروع تعديلات واسعة على الوثيقة الدستورية 2019.
أما الحزب الشيوعي فـ دشن في 24 يوليو 2022 تحالفًا سُمي "تحالف قوى التغيير الجذري الشامل" مع تيارات داخل (تجمع المهنيين السودانيين، منظمة أسر الشهداء، مفصولو الشرطة) مستهدفين انضمام كل القوى السياسية والنقابات ولجان المقاومة المؤمنة بالتغيير الجذري، عبر التوقيع على إعلان سياسي تحت اسم التحالف "التغيير الجذري الشامل" لا يختلف تناول هذا الإعلان لهياكل الحكم كمثال؛ عن مضمون هياكل حكم الفترة الانتقالية السابقة سوى في أسبقية التكوين، فيتم البدء بتكوين المجلس التشريعي ثم مجلس الوزراء ثم السيادي، على عكس تكوين هياكل الحكم في الفترة الانتقالية، ما يعطينا دلالة واضحة على تصور الحزب الشيوعي لمسألة "التغيير الجذري الشامل".

لجان المقاومة والتطور المستمر
بكل هذا التناقض التنظيمي والأيديولوجي بين مكونات تحالف الاتفاق الاطاري؛ إلا أنه قد ينجح في الانتقال لمرحلة الاتفاق النهائي، وهذا يرجع في رأيي لضعف المعارضة، الفاعل السياسي الجديد: لجان المقاومة، والتي هي تشكل رأس حربة الثورة في الوقت الحالي؛ أعلنت رفضها للاتفاق الاطاري، وتراه شرعية وتمدد للانقلاب، وقد أصابوا إذا ما ألقينا نظرة على بنود هذا الاتفاق والأطراف الموقعة عليه. منذ بدايات انقلاب 25 أكتوبر تصدت لجان المقاومة لمهام القيادة الميدانية للمواكب والاحتجاجات الرافضة لانقلاب برهان-حميدتي، لكنها، ورغم اختراقات حققتها، لم تفلح سياسيًا بذات القدر، وعدم الفاعلية السياسية أدى الآن لانحسار الحراك الثوري. هذا الإخفاق السياسي مسبب، فالكثير من الأجسام السياسية، إن لم تكن كلها، تقف ضد لجان المقاومة، ورغم إبراز المودة علانية، لكن المصالح المادية لهذه الأجسام تتناقض مع دخول جمهور كبير لدائرة الفعل السياسي، من يناضل لأجل مصالح أقليات متنفذة، غارقة في امتيازاتها؛ لن يجد في توسيع دوائر المشاركة السياسية سوى كل شر.
اضافة لهذه العداوة، يوجد سبب داخلي يضعف لجان المقاومة، وهو ضعف هيكلها التنظيمي، وهذا طبيعي لحداثة التجربة، وقد نجد أن بعض كوادر التنظيمات السياسية المنضوين تحت لجان أحياء؛ يقتاتون على هذه الأخلال التنظيمية، لذلك تجدهم متقاعسين في تصويب هذه الأخلال، فهي تتيح لهم طريق لتمرير أجندة تخص احزابهم ومصالحها، ولهذا تعمل على تكسير استقلالية الخط السياسي للجان المقاومة.
لجان المقاومة هي الأخرى لا تخلو من التحالفات والتكتلات، وتظهر أمامنا هذه التكتلات في تنسيقيات لجان مقاومة ولاية الخرطوم، فهي منقسمة لتكتلين، طرف يميل إلى تسليم الفعل السياسي لقوى الحرية والتغيير - المجلس المركزي. وطرف آخر يميل لاستقلالية لجان المقاومة وتملكها لخطها السياسي وترجمته اعلاميًا وميدانيًا، مع العلم أن كلا الطرفين عبارة عن كوادر مستقلة في غالبها عن التنظيمات السياسية، لكن كل طرف يعقد آنيًا حلف، غير استراتيجي في رأيي، مع كوادر الأحزاب التي تشكل أقلية إلى حدٍ ما بين عضوية لجان المقاومة، الطرف الأول يتحالف مع كوادر أحزاب الحرية والتغيير - المجلس المركزي، والطرف الثاني يتحالف مع كوادر الحزب الشيوعي، تُعرف الآن هذه الثنائية بـ (التسونجية × الجذريين) على الترتيب. مما سبق ذكره أود أن أصل إلى نقطة محددة؛ وهي أن لجان المقاومة هي أيضًا تتأثر بالنادي السياسي القديم، وتبدو فيها السياسة والفاعلية السياسية من سمات البرجوازية الصغيرة، والتواجد الضعيف لمختلف فئات العمال في لجان مقاومة ولاية الخرطوم، يزيد من عسر فهم طبيعة الصراع الطبقي، حيث تتشكل غالبية عضويتها من الطلبة، المهنيين، السماسرة، وأصحاب المشاريع الصغيرة.

هل هُزمنا؟ حتى الآن لا، هل يحدث وأننا في تراجع وربما في طريقنا للهزيمة؟ نعم. كانت اللجان ولازالت في تطور مستمر، قد يتسارع في أحايين مُحدثًا طفرات، وشهدنا هذا حين تم الشروع في صياغة مواثيق سياسية في بعض الولايات عبر عضوية لجان المقاومة، وكللت بدمجها في ميثاق موحد جمع توقيعات من تنسيقيات لجان مقاومة في كل الولايات، خلال أقل من عام واحد بعد الانقلاب، وقد يتباطأ هذا التطور في أحايين أُخرى، والطفرات الكبرى هي نتاج تطورات صغيرة تحدث في مسار زمني بطيء، وأعتقد المجالس المحلية ستكون هي الطفرة القادمة، ومسألة الحكم المحلي ربما تتيح امكانية لفهم طبيعة الصراع والأزمة في البلاد من منظور لجان المقاومة.

راهن الطبقة العاملة
لن نستطيع إنجاز تغيير اجتماعي دون مشاركة الفاعل الغائب: العمال. لكن ثمة تساؤلات يجب طرحها أولًا، ما هو راهن الحركة النقابية في السودان؟ ومن غيّب العمال عن الراهن السياسي؟ وكيف؟ وهل من أفق قريب لقيادة عمالية تتصدى لمهام الثورة؟
قد نجاوب بتبسيط مخل، الحركة النقابية في السودان هي في طور
إعادة التأسيس، لازالت جُلّ القطاعات، الحكومية منها والخاصة، دون نقابات. لذا نرى الكثير من اللجان التسييرية، ولازالت النقابات في معركة التأسيس هذه، يوجد بضع نقابات منتخبة في البلاد كلها، والبقية لازالت تصارع لأجل تأسيس نقاباتها.
في مسألة النقابات يأخذ سؤال الشرعية موضع مهم، والاعتقاد الغالب بين العمال والمهنيين، هي أن الشرعية تأتي عبر قانون عمل تشرعه الدولة، ثم تتبِع اللجنة التمهيدية أو التسييرية ذات الإجراءات أو الخطوات الواردة في القانون، ليقوم مسجل عام النقابات بتسجيل النقابة، وهذا فهم خاطئ في رأيي لشرعية النقابات، ليس للدولة مصلحة في تنظيم العمال، حيث أن الدولة في مجموعها هي ذات السياسيين الذين سبق وأشرنا لهم في المقال. تنظيم العمال فيه براح أوسع لمشاركتهم في الفعل السياسي، تنظيم العمال يهدد ذات امتيازات ونفوذ السياسيين عسكر كانوا أو مدنيين. وهذا سبب تجاهل تشريع قانون العمل(النقابات) سواء في الفترة الانتقالية أو فيما بعد الانقلاب، وإن تم تشريع قانون غالبًا سوف يؤصل هذا القانون ضمنيًا استمرار مصالح الأقليات ذات النفوذ والامتيازات، وبما أن مصالح العمال تتناقض مع مصالح السياسيين، إذًا تكون الشرعية النقابية هي من العمال أنفسهم، وبصياغتهم شكل تنظيمهم الذي يجمعهم ويوحدهم حول مصالحهم كطبقة، متجاوزين قوالب الدولة(قانون العمل). استغرقت عملية التأسيس هذه سنين منذ بداية الفترة الانتقالية 17 أغسطس 2019م وحتى لحظة كتابة هذا المقال، وغالبًا ستستغرق سنين أخرى قادمة، حيث لازال الصراع مستمر، ونشهد الآن حراك عمالي واضرابات واسعة، وحدة العمال وتنظيمهم تضمن انتصارهم في هذا الصراع، وتدفع بالثورة للأمام، وتكسر حالة الركود الثوري.
هذا السرد يصلح لقطاع العمل المنظم، سواء المؤسسات الحكومية أو الخاصة. لكن بالنسبة للعمل غير المنظم مثل أصحاب الأكشاك أو الباعة المتجولين، أو مثل المنتجين الصغار: رعاة الماشية، المعدنون التقليديون عن الذهب، وبائعي/ات الشاي والأطعمة، بالنسبة لهؤلاء ثمة تعقيدات بالغة فيما يلي تنظيمهم، اعتقد إذا تعسر تنظيمهم في نقابات؛ ستكون لجان المقاومة ماعون تنظيمي مناسب لتبني قضاياهم، وتساعد في موازنة الكفة داخل اللجان بين البرجوازية الصغيرة والمنتجين/ات.

أزمة اقتصادية وسيولة دستورية
في ظل الأزمة الحالية نشهد، أحد تمظهرات النظام الرأسمالي، وفرة في سبل المعيشة وضعف القوة الشرائية للجنيه السوداني في ذات الوقت. نتج عنها انخفاض في معدل التضخم، وهو إن دل إنما يدل على الركود الاقتصادي، الذي يشتكي منه تجار الجملة والتجزئة وغيرها من الأعمال التجارية، الأمر الذي يدفع هؤلاء التجار لتصفية أعمالهم(1)، وهو ما يزيد تمركز رؤوس الأموال، وهو ما أشار له ماركس بتفصيل أكثر في المجلد الأول لرأس المال -دار الفارابي، ترجمة فالح عبد الجبار- (ص936) فقرة الميل التاريخي للتراكم الرأسمالي، ونقتبس منه: «تحويل وسائل الإنتاج الفردية والمبعثرة إلى وسائل إنتاج متركزة اجتماعيًا، وبالتالي تحويل الملكية القزمة للكثرة إلى ملكية عملاقة للقلة، وانتزاع الأرض والعقار ووسائل العيش وأدوات العمل من جمهرة الشعب الواسعة» وقد لا يختلف الأمر كثيرًا في مجال التجارة الزراعية وأسواق المحاصيل. في القضارف المعروفة بالانتاجية العالية لمحصول السمسم؛ «تقلص عدد الشركات التي كانت تشتري السمسم إلى أقل من عشرة شركات»(2). هكذا ينتقل التجار والمزارعين الصغار وحتى أصحاب الحرف اليدوية من أنشطتهم القديمة إلى أنشطة أخرى، بحثًا عن سبل العيش، وفي الأغلب سينضم هؤلاء للطبقة العاملة، سواء انضموا للقطاع المنظم أو غير المنظم.
آلية عمل جهاز الدولة تهدف لتنظيم المجتمع بصورة محددة سلفًا، تضمن استمرار تدفق الثروات لأيدي القلة النافذين، وادارة احتجاج الشعب بحيث تضمن "استقرار الدولة" استقرار نظام الاستغلال المصنوع من قِبلهم، أي تقمع كل صوت مخالف لصوتهم، نحن إذًا في صراع ضد جهاز الدولة هذا أيًا كان من يعتليه، الهدف هو كسر دائرة الاستغلال، كسر قاعدة تزايد الفقراء وتناقص الأغنياء، هذه القاعدة هي شرط فناء هذا النظام، ولكن بحسب قدراتنا وشكل تنظيمنا الحالي، فقد وصلنا لأعلى المكاسب التي نستطيع تحقيقها، مضى ما يزيد عن العام على الانقلاب العسكري، ولازالت الدولة في حالة من السيولة الدستورية، ما يزيد عن العام ومجلس الوزراء في غالبه يُسيّر عبر وزراء مكلفين، ولاة الولايات أيضًا مكلفين، ودون مجلس تشريعي، ورغم كل هذا يسير العمل بصورة أقرب إلى الطبيعية، ما زالت دائرة الاستغلال تعمل كما يجب لها؛ لحين إكمال عملية إعادة إنتاج جهاز الدولة، سواء كان ذلك عن طريق الاتفاق الإطاري وما يعقبه، أو غيره من أطروحات النادي السياسي القديم. وقد تفوت علينا هذه السانحة التاريخية في إقامة نظام بديل، طالما أن قوى الثورة غير قادرة حاليًا على إحداث تحول اجتماعي كبير.

1/ تجار يشتكون من انعدام السيولة وركود بالاسواق
2/ كساد كبير يضرب أسواق المحاصيل في السودان

///////////////////////

 

آراء