من الهبـوط الناعـم إلى الخـروج الآمـن  .. بقلـم: عمـر العمـر

 


 

عمر العمر
8 مارس, 2022

 

 نحن لم نكن في أي حين على قدر من الوعي المرتجى بغية إدارة مواردنا الثرة لصالح شعبنا. لكنا لم نكن في اي مرحلة على مثل القدر من الإخفاق والعجز الفاضح.. بالتأكيد هذه أكثر حقبنا المعاصرة إلتباسا بالفشل، الإرتباك والبؤس. مما يزيد الحلق القومي غصة معايشة هذه المحنة الوطنية ضحى ثورة شعبية إستثنائية. سحائب التشاؤم تكتنف الأفق على نحو يمطر أسئلة اليأس في شأن إحتمالات الخروج من عرصات الأزمات المتراكبة. تلك الأجوبة ليست قصية عن عقليات أو أخيلة عدد من الكتاب والزملاء الصحافيين لكنها تبدو عصية على الساسة والجنرالات المتسيدين حبكة  وأداء عرض التراجيديا المثير للضجر حدّ الألم. الشارع العام تجاوز الإنهماك في البحث عن مخارج الأزمة  إلى الإنشغال بالهلع أزاء عمق الهاوية حيث يجرفنا أشباه الساسة وأشباه الجنرالات. الاعتراف باختلال موازين القوى في "واقع معقّد" لا يبرر الإستسلام الذليل لواقع لا ينتج إلا ذلا.

***   ***   ***


     بغية محاولة إيجاد  المخارج لا بد من توصيف كيفية صناعة الأزمات الخانقة. لابد من الإعتراف بالسذاجة المفرطة حينما قبلنا شراكة مشروطة بإملاءات عسكرية. تشكيلة مجلس السيادة  لا تكشف فقط تلك السذاجة بل تفضح غفلة متناهية. هذا المجلس غير الموقر لم يفصح عن أقل مايمكن توقعه بينما البلاد تنحدر داخل جب الفوضى العارمة. من اليسير القول كلما يحدث حصيلة عقود الأنقاذ العجفاء.لكن ذلك منطق العاجزين. فليس مرد كل بؤس أشباه الساسة إلى ذلك المنطق. فمشهد القوى السياسية برمته لا يكشف عن وجود حواد واحد يمكن الرهان عليه. حتى لايأتي التعميم مجحفا فثمة قلة من  المغلّبين المصالح الوطنية على النظرات قصيرة المدى أو ضيّقة الأفق، بحيث لا تتجاوز الذات أو الأحزاب الخربة. ذلك الوهن البنيوي أدى إلى تصدر الرعاء المشهد حتى أضحت إزاحتهم معضلة المعاضل

***    ***    ***


 مغايرا لكل الإنقلابات السابقة فإن إنقلاب 25 أكتوبر لم يستهدف  كما زعم السابقون تحقيق تقدم. كل غاياته القصوى إنحبست في تعطيل مجرى الثورة ثم إدارة عقارب الساعة إلى الوراء. لذلك بعدما أنقض البرهان على السلطة لم يستطع  العثور حتى على منسأة  تنفيذية يتوكأ عليها . عوضا عن برنامج عمل تحريضي مضاد  لإخفاق الجنرالات غرقت  القيادات السياسية هي الأخرى في بؤسها. لذلك لم تشكّل مصدر تحدٍ للإنقلابيين فتلاحقهم بالمطاردة إلا من بضعة أسماء زُج بها إلى السجون . هذه القلة تجسّد مشروع قيادات الغد ذات القدرة على استنفار الجماهير وفق برنامج عمل. من المحزن توغل غالبية أشباه القيادات الفجائية في سوق المساومة مع الجنرالات. فهي ليست معنية بالمصالح الوطنية بل مشبّعة بالنهم على السلطة.

***    ***    ***


  على قدر ما ألهمنا شباب الثورة بجسارتهم وقدراتهم على التحدي والفداء والصمود على قدر ما أصابنا بإحباط. فهذه القوى الشبابية الملهمة لم تستطع الخروج من جلابيب القوى الحزبية التقليدية إذ ظلت تتعثر على درب التوحّد.

فهي عاجزة تماما عن إستيلاد قيادة موحدة تتأبط ميثاقاً يجسّر أخاديد الساحة السياسية المهترئة بالخلافات المتكلّسة. مالم يحدث هذا التفاعل عبر الطلق الذاتي لهذا الحراك الشبابي لن  تتبلور النتائج المرتجاة. لكن كل المعطيات على هذا الصعيد تؤكد إنغلاق الشباب داخل صنوق السلبيات السياسية المألوفة لكأنها جينات موروثة. من غير المنطقي مناداة هذه القوى الشابة بكسر الأطر العتيقة من أجل تشكيل تيارات سياسية جديدة . فالمنعطف السياسي الراهن فوق حدته مكتنز بتناقضات  لا تهيء فرصة لمثل هذا التذاكي في الأداء والإنجاز..

***    ***    ***


     الخروج من مأزق أزماتنا المتلاحقة ليس مستحيلا، لكن أخلاق الرجال تضيق .العجز ليس في ندرة الحلول الممكنة بل في الجرأة على تبنيها. حينما يفشل أي قائد سياسي في استنفار غالبية الشعب لصالح برنامج  عمل يطرحه ، فليس أمامه سوى التنحي.هكذا أحنى العملاق الفرنسي شرل ديغول قامته الوطنية المديدة أمام الشباب على عتبة ستينيات القرن الأخير. كذلك أعلن عبد الناصر الإنسحاب من المشهد السياسي بعدما تعثّر مشروعه القومي في سيناء. عندما يخفق رئيس مكلّف في تشكيل حكومة فخياره الوحيد هو الإستقالة. نعم هذه ممارسات الأنظمة الديمقراطية. لكن هل يجأر أي قائد – ولوكان دكتاتورا أبلج- بالتبرؤ من التمسّح  بالديمقراطية. بما أن الإنقلابيين لم يتمكنوا من فتح ثغرة في جدار الأزمة متضاعفة الطبقات طوال أكثر من أربعة شهور فأي معجزة سماوية ينتظر البرهان وحميدتي؟

***    ***    ***


  هذا شعب لن تنكسر إرادته فما أفلح القمع مهما استفحلت وحشيته في إخماد جذوة ثورة شعبية ، ولكم في التاريخ عبرٌ. كل الطغاة المتجبرين باجهزة القمع المتوحشة لم ينجوا من السقوط الشنيع. ولكم في التاريخ شواهدٌ. لا جدوى لوجود سلطة مزعومة عاجزة أمام شعب يكابد في شظف من أجل أساسيات الحياة اليومية. مالذي يبرر به جبريل بقاءه غير المشروع  في وزارة المالية بينما الحفرة تحت قدميه تزداد عمقا؟.ألمثل هذا كان يقود فيلقا مقاتلا يزعم به ثورية إصلاحية زائفة؟ عوضا عن الزمن المهدر في تسويات محاورها مقاعد السلطة ،الأكثر جدوى صوغ صفقات تنقذ الشعب والوطن.ليس بالمعيب تأمين الخائفين الوجلين ضد  الملاحقات  والقصاص.بدلاً من تبادل الإتهامات الببغاوية بـ "الهبوط الناعم"أيام التكالب على السلطة ينبغي التحلي بالجسارة من أجل صناعة " الخروج الآمن" للشعب من بحر الأزمات المائج.لايضير الشعب شيئا إذا تخلّص من أعباء ثلة الفاشلين المعرقلين مسيرة التقدم.

***    ***    ***


   التجربة أثبتت عدم قدرتهم على إعادة عقارب الساعة الوطنية إلى الوراء بالقمع والترهيب وقليل من الترغيب. ذلك رجس يضاعف الأوزار.هم في قلة حيلتهم أدعى للأخذ بأيديهم  وأنقاذهم من أنفسهم من أجل إنقاذ الوطن من شرورهم. المناداة بالقصاص والثأر للشهداءيمكن معالجتهما بحكمة الإعتراف بالخطأ وإعلاء قدر عائلات الشهداء والضحايا.ربما يكون عقابا أقل من وقع الفاجعة.لكن البقاء داخل بحر الأزمات أكثر كلفة على الشعب.نعم الحنرالات وأشباههم جزء من صناعة الأزمة لكنهم ليسو حجر أساسها .  فعظمها المحوري هم المستثمرون في أزماتنا ، ناهبوا ثروااتنا ، المنتفعون بتأزم أزماتنا الوجلون من تصحيح مسارنا ،لرعاء المتطاولون على حسابنا الوالغون في الدماء. هؤلاء هم تجار لا ساسة تغريهم الصفقات  حدّ العمى.لذلك يساومون على الوطن.لمثل هؤلاء تؤمن الصفقات الكفيلة بضمان المخارج الآمنة بأقل الكُلف على جميع الأطراف. فما من مستحيل. المستحيل هو إلتزام السلبية تجاه الوضع المأزوم الراهن


aloomar@gmail.com

 

آراء