الحرية والتغيير ركاب سرجين وقيع

 


 

 

عندما جلست الحرية و التغيير جلستها الأولى مع المكون العسكري، كتبت مقالين تأييدا لها، و اعتبرت ذلك بمثابة اختراق لجدار الأزمة السياسية في البلاد، و في ذات الوقت بموقفها الجديد قد كسرت التابو الذي صنعته اللاءات الثلاث التي أكانت قد اطلقت من قبل قوى سياسية أرادت بها محاصرة القوى الأخرى، و تحجيم حركتها السياسية، حتى تصبح رديف لها تأتمر بمقولاتها. و الأختراق لا يكتف بالجلوس فقط و تبادل الأراء، بل أن الأختراق نفسه يتطلب تغييرا في الخطاب السياسي لكي يتماشى مع الإستراتيجية الجديدة، و بالتالي تفرض واقعا جديدا.
أن قرار جلوس الحرية المركزي قد نقلها من موقع اليسار المتزمت صاحب الأفق المسدود، ألي موقع الوسط الذي غاب طويلا، و الغياب فرضته مجموعة شعارات نشرت بهدف تعطيل العقل السياسي، و منذ جلوس الحرية الأول مع المكون العسكري بدأ العقل السياسي يتحرك فكريا، و بدأت المقترحات تقدم من قبل المجموعات المختلفة بهدف إحداث إنفراجة في الساحة السياسة. لذلك قدمت الجبهة الثورية مقترحها في الحوار أن يكون على مرحلتين، ثم الورقة التي قدمتها قوى الحرية المركزي للثلاثية تشمل مقترحا من ثلاث مراحل للحوار، و هي خطوة متقدمة جدا، لأنها محاولت لخلق واقع حواري جديد بين القوى المدنية، و في نفس الوقت يفتح حوارا واسعا حول الورقة المقدمة. و كان المتوقع أن "الحرية المركزي" تشرع مباشرة في الحوار مع القوى السياسية التي شملتها المراحل الثلاث، لكي تخلق الكتلة الشعبية الواسعة الجديدة المناصرة لعملية التحول الديمقراطي، و في نفس الوقت تحاصر الخطاب الشعبوي الذي يقود إلي الشمولية من جديد إذا كان من تيارات يمينة أو يسارية.
في ظل الأجواء السياسية القاتمة، و المشحونة بخطاب التخوين و الاتهامات، تتردد العناصر السياسية في أن تقدم تصورا جديدا يتجاوز خطوط الأزمة، و الذي يستطيع أن يقدم على الخطوة أن يذهب لنهايتها دون أن يتردد أو يهاب هجوم الأخرين. أقدمت الحرية المركزي على الخطوة و قدمت مقترحا ممرحلا، لكنها تراجعت عن ذلك رغم موافقتها على جلسة ثانية مع المكون العسكري، أن توقف مقترحها في حدود الثلاثية الدولية، ثم ترجع مرة أخرى لخطابها القديم و تراهن على الثورية. الأمر الذي يؤكد الأتي:-
1 – إذا كانت الحرية المركزي تراهن على الثورية، لماذا تبنت خطا جديدا يؤسس على التفاوض و جلست مع المكون العسكري؟ و أيضا لم تكن تعلم أن خطوتها للجلوس سوف تثير قوى سياسية أخرى، لها اعتقاد أن أي منحى سياسي أخر يتجاوز الاءات الثلاث و يخلق واقعا جديدا لعملية التحول الديمقراطي سوف يجهض مشروعها السياسي؟
2 – هل كانت الحرية المركزي تعلم أن خطوتها بكسر التابو اليساري سوف ينقلها للمنطقة الوسطى، و هذه ليست منطقية جغرافية، و لكنها منطقة سياسية اجتماعية لها خطابها السياسي و وعيها بدورها، و هو خطاب يؤسس على قبول الرأي الأخر، و الحوار المفتوح للوصول لمشتركات توافقية، و يؤسس القاعدة الاجتماعية المؤمنة بعملية التحول الديمقراطي، في ذات الوقت يخلق الثقافة الديمقراطية المطلوبة، الآن العديد في الأجيال الجديدة تحتاج لتوضيح و شرح للمصطلحات السياسية، حتى لا تقع في الخدع السياسية.
3 – كان المتوقع أن الورقة التي قدمتها "الحرية المركزي" أن تنشرها و تقدمها لكل القوى السياسية في الساحة و تفتح حولها حوارا، لكن للأسف أنها لا تملك القناعة أن الفكرة هي التي تحدث التحولات الكبرى في المجتمعات. كما أن الفكرة إذا كان أصحابها مقتنعين بها تحتاج للشجاعة الكافية لتسويقها، و الاتصال مع كل القوى المدرجة في المراحل الثلاث لكسب الوقوف معها. فالورقة لا تسوق نفسها و لا الأخرين مجبرين بتسويقها. و الاتصال مع كل القوى المدرجة في المراحل الثلاث ليس معناه الضعف و التنازل، بل هو موقف يؤكد إيمان و قوة القوى التي تقوم به، لآن الحوار الجاد و المؤسس على رؤية واضحة سوف يحدث تغييرا في الواقع ليس على مستوى الخطاب لوحده أيضا على مستوى الوعي السياسي و التوافق الوطني.
4 – أن لقاء البرهان مع " قناة الحرة" أراد أن يرسل فيه رسائل: أولها أنهم لن يتنازلوا عن السلطة لشركاء الأمس. و أن الحوار يجب أن يشمل كل القوى الأخرى ما عدا المؤتمر الوطني. لكن حديث البرهان ليس مقدسا لأن الصراع السياسي يجعل الكل يريد رفع السقف التفاوضي. و هذه يمكن التغلب عليها عبر الحوار المفتوح مع القوى السياسية قبل الدخول في حوار مع العسكر. و العديد من القوى السياسية ليست متمسكة بالفترة الانتقالية، لكنها تريد أن تعرف الموقف ما بعد الفترة الانتقالية و عدم إطالة الفترة الانتقالية، و الوصول للانتخابات. للمرة الثالثة هل " الحرية المركزي" تستطيع أن تنجح في لعب دور الوسط الاجتماعي السياسي، أم تتشبح بين المتغيرات. القوى المؤمنة بفكرتها هي التي تستطيع أن تخلق واقعا جديدا.
أن الخطوة التي تبناها حزب الأمة حيث التقى بوفد من قوى الميثاق الوطني تعتبر في الاتجاه الصحيح، حيث تعتبر عملية تسويق للمراحل الثلاث في ورقة "الحرية المركزي"، و كان قد تناول اللقاء الوضع السياسي الراهن وضرورة انهاء الإنقلاب عبر عملية سياسية صادقة، وأبدى الطرفان تفهماً لضرورات العمل على إنهاء الإنقلاب وإستعادة الحكم المدني بالتوافق مع كافة قوى الثورة والتغيير لإعادة البلاد للتحول المدني الديمقراطى وبناء مؤسسات مدنية كاملة الصلاحيات والسلطات. كان المنظور أن الخطوة تأتي من "الحرية المركزي" لكي تتلاءم مع المشروع الجديد الذي يعتبر خطوة متقمة في عملية تأسيس القاعدة الاجتماعية الديمقراطية، و قال حزب الأمة القوي أنه بصدد لقاء مع قوى أخرى و هي خطوة تأتي في درج المرحلة الثالثة من الورقة. و هنا تحاول قيادة حزب الأمة بحكم التجربة السياسية التاريخية أن تجعل مقولة الإمام الراحل أن حزب الأمة قد احتل مكانته في الوسط.
في الجانب الأخرى نجد أن الزملاء في الحزب الشيوعي بدأوا حملة استقطابية، في لملمة الواجهات التي تدين لهم بالولاء من خلال توحيد مواثيق جديدة سموها " الميثاق الثوري" حيث كثرت الأسماء حيث بدأ بالأمس الأول التوقيع على هذا الميثق الذي يؤكد على الاءات الثلاث، و في نفس الوقت يرفع شعار التغيير الجذري، و هي شعارات ليس لها علاقة بقضية الديمقراطية و عملية التحول الديمقراطي في البلاد، بل هي خطوة ترسخ لشمولية جديدة، لكن للأسف سوف تتبني المخلفات الثقافية السياسية للنظام السابق الشمولي. للأسف أن القيادة الاستالينية التي أستلفت فكرة التروتسكية لكي تخدم بها شعار استمرار الثورية، ظلت حبيسة الدغماتية، دون أن تطور أدواتها و أفكارها لكي تلاءم الواقع الجديد، الذي أصبح فيه المواطن لديه القدرة الذاتية في توصيل رؤيته و نقد الرؤى الأخرى، فالدغماتية لا تستطيع أن تكون قوى فاعلة في عملية البناء الديمقراطي في البلاد.
أن "الحرية المركزي" إذا ظلت في حالة من التأرجح لن تنجح لا في الثورية و لا في خيار التفاوض الذي يفضي لعملية التحول الديمقراطي. أن الجلوس مع العسكر و تقديم تصور لهم إلي إنهاء الانقلاب، إذا كان يحمل رؤى ثورية أو ديمقراطية هو تفاوض كامل الدسم، و ليس التفاوض يعني الاستسلام لمطالب الأخر، بل الضغط عليه لكي يقدم تنازلات تعزز من عملية البناء الديمقراطي. و مادام أختارت أن تكون هي كتلة الوسط فهي سوف تقاتل على الجانبين، و لكن في ذات الوقت هي المناط بها أن تخلق الواقع الجديد، و تخلق الخطاب السياسي الملائم لعملية التحول الديمقراطي، و هي الكتلة التي يلتف حولها كل الذين يؤمنون بالديمقراطية ، كما أن "الحرية المركزي" قالت أنها لا تريد الرجوع لما قبل 24 أكتوبر و هذا التصريح سوف يسهل عملية إقناع الشارع بأنها مع سلطة مدنية غير منتمية لكي تحكم الفترة الانتقالية، الأمر الذي يخلق مقومات الثقة مع القوى السياسية الأخرى، و في نفس الوقت تسهل علمية بناء قاعدة شعبية عريضة مع داعمة للعملية الديمقراطية. نسأل الله حسن البصيرة.

zainsalih@hotmail.com
/////////////////////////

 

آراء