الخيار السيئ به عيب واحد !!

 


 

 

هناك عبارة مهمة في التجربة البشرية اسمها الحس السليم وهي ليست مجرد إحساس وعواطف، بل هي وليدة التجربة الإنسانية وخبرة الحواس المستمدة من إشارات العقل البشري المتوارثة منذ الإنسان الأول، وبذلك تصبح التجربة الذاتية للفرد أو الجماعة في لحظة تاريخية محددة مجرد نقطة في تاريخ البشرية.
هذه المقدمة مهمة لإدراك ما يحدث حولنا اليوم ومحاولات التشويش المتعمد على مشهد واضح وضوح الشمس.
الجيش السوداني مسوّس ومحتشد بعناصر كيزانية خاصة في الرتب العليا، وعملية تنظيفه وإعادة هيبته كجيش وطني وموحد يمثل الدولة السودانية ويحمي حياضها بحق تحت الحكم المدني والديمقراطي، لن تتم عبر استبداله بقوى رجعية قامت على الاستبداد وتحت رعايته، قوامها تكوين مليشيوي تم بناءه كمرتزقة لحماية نظام الكيزان ذاته، وقام بجرائم مشهودة في بقاع مختلفة من أرض الوطن. وقد فعل ذلك بطبيعة تكوينه وأسباب نشوءه ولطبيعة المهام التي توكل له، وهذه القوة لا تملك عقيدة واضحة، وليس لها صلة مع أساسيات العمل العسكري، وروحها القتالية مشوّهة بالميلاد؛ بل ملكت السلاح والمال بطرق غير أخلاقية في الأساس ولكونها جزءاً من السلطة الحالية والماضية وقبل الماضية، وتريد قيادتها أن تستثمر في ذلك وتستمر وتتمدد لوراثة القوة الضاربة في الدولة ومن ثم السيطرة الكاملة على السودان لتفعل به ما تريد، هذا إن وُجد!
الجيش السوداني من جانبه مؤسس في الأساس لأغراض وطنية، وحتى لو لم يكن ذلك صحيحاً بالكامل، فالجهد الذي يمكن أن يُبذل لإعادته لجادة الصواب ولإجباره للقيام بالأغراض الوطنية ممكن ومتاح وواجب بدءاً من هيكلته بالكامل وليس انتهاء بتغيير قياداته تدريجياً واحداً تلو الآخر كخطوات في الإصلاح غير المباشر مثلما حدث مع بن عوف وعدد من عضوية اللجنة الأمنية الأولى والذي ربما يحدث مع البرهان، بل إن هذا الإصلاح جزءاً من مهمة الثورة المجيدة ولا يجب تركه للعسكريين وحدهم طال الزمن أو قصر.
وبالرغم من أن الجيش انحرف في أكثر من مناسبة وتم تجييره لمصالح سياسية بالانقلابات للاستيلاء على السلطة لأكثر من مرة من أفراد داخله أو بالتعاون مع مجموعات خارجه منذ الاستقلال، إلا أن التجربة أثبتت في بلادنا وفي بلاد أخرى أن الجيوش التي تفرّخ الانتهازيين والمجرمين واللصوص والانقلابيين، تفرّخ كذلك الوطنيين والمؤمنين بالدور الوطني في حماية البلاد والعباد، ويبذل هؤلاء أرواحهم في سبيل الغايات السامية التي تحكمها المهنية قبل الانتماء للجيش نفسه، وخير شاهد على ذلك ما حدث أمام القيادة في أبريل ٢٠١٩ وما حدث في ١٩٨٥ وقبله في ١٩٦٤.
صحيح أن الغبن الذي ولدته تصرفات بعض منسوبي الجيش ليلة فض الاعتصام وما تلا ذلك من جرائم في الخرطوم ومناطق أخرى لا يمكن تناسيه أو تجاهله، ولكن لنتذكر أن هؤلاء الذين أغلقوا بوابات القيادة في وجوه الثوار والذين استخدموا السلاح في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق في مواجهة المدنيين العُزل لا يمثلون كل الجيش، بل لم يمثلوا من حموا الثوار أمام القيادة ومن يبيتون على جرعة ماء وقطعة خبز في البراري وعلى الحدود، ومن يعيشون والكفاف يبدو على ملابسهم الرثة وبيوتهم الفقيرة، ومن يبحثون عن أعمال إضافية تكفيهم عناء السؤال ومشقة ضعف الراتب، ومن يعيشون بيننا في الأحياء والبيوت والقرى من جنود وضباط صف وصغار ضباط أتوا من كل حدب وصوب في السودان المترامي الأطراف.
خلاصة القول أن الطريق واضح ولا يجب أن نحيد عنه بسبب صراعات فوقية ظاهرة للعيان، وقيادات الجيش التي تنقلب على السلطة اليوم وفي كل لحظة يستطيع الشعب في كل وقت نزع هذه السلطة منهم ومحاسبتهم وإعادتهم لثكناتهم، والقيادات العليا التي تتخلق لها مصالح والتزامات خارجية وأجنبية ستنتهي بأنها تعيش خائنة وتموت كافرة، وضباط الجيش الذين يوجهون سلاحهم لصدور المواطنين هم مجرمون ويجب محاسبتهم في كل وقت، وأفراد الجيش الذين تستهويهم السلطة وتغريهم شهوة المال والغنى السريع، ستلجمهم المؤسسية في حال استحكامها. أما كل ما هو غير ذلك من مليشيات ومرتزقة وجماعات مسلحة أنشئت لأغراض ومصالح محدودة وروابط لا وطنية وفي خضم الفوضى، فالأولى حسمها وحلها والانتهاء من وجودها تماماً حتى ولو فصّلت رداء الوطنية وألبسته لأفرادها، وحتى لو نمت وترعرعت في كنف الكنداكات والميارم، فالخيار السيئ به عيب واحد وهو أنه سيئ.

الخيار السيئ به عيب واحد (٢)
أسوأ سلوك ورثه النظامي إن كان ضابطاً أو جندياً بشكل عام وكابراً عن كابر، هو الشعور بالتمييز وأنه صاحب اليد العليا والقول الفصل في كل شأن، الأمر الذي أصبح ظاهرة شديدة الانتشار في فترة الإنقاذ خاصة وربما قبلها! وذلك مردّه بالطبع أولاً: لامتياز السلاح الذي بحوزته، مع العلم التام بأنه ملك الشعب وتعميره من جيب الشعب وحتى ميزانيته من جبين الشعب؛
وثانياً: لشبقه للسلطة في أعلى وأدنى سلم العسكرية، كمطمع غير مستحق، حتى يصل سلطته المتخيلة بسلطة حقيقية وبنفوذ ملموس أكثر؛
وثالثاً: بسبب استدراج بعض السياسيين له ليساعدهم في الاستيلاء على السلطة بالوكالة ليأتي ويصورها وفي كل التجارب في خطابه لاحقاً وكأنها تفويضاً!
التربية العسكرية المشوّهة وشعور الاستحقاق والتميز الزائف والتمييز للنظامي من المجتمع عن جهل، كلها أمور تنعكس في الحياة العامة وتنمو تحت بصر المجتمع، ولكن ينتبه لها ويحاول لجمها ومحاربتها القليل من الناس، فهي ظاهرة في البيوت وبين الأسر والأسواق، فالنظامي في المنزل فراشه أرتب، وطعامه أدسم، وقراره أقوم، ومقامه أرفع على كل حال إلا من رحم ربي! والنظامي في الطريق وفي المواصلات العامة هو حلّال ( الشِبك) والنزاعات، ورجل القانون( وكثيراً ما يكون المُشرِّع والقاضي والمنفذ)، وهو إذا تحدث أسمع وأخرس الآخرين، وإذا ضرب لن يتكلم أحد! وهذا ينطبق على جميع الرتب. لقد رأينا في زمن مضى كيف كان يحدث سباق ( الكارنيه) عند حدوث خطب ما في الحافلات العامة! والنظامي في صفوف الرغيف يتقدم المبكرين ويدخل ويخرج من المخبز كما يحلو له، وينظم بمزاجه ويمكن أن يسطو ويحصل على الرغيف مجاناً، وهكذا وهكذا، وصولاً لكرسي السلطة، وهو لمن في الرتبة أعلى وسبحان الأعلى والقتلى بالمجان كما قال عبدالرؤوف السيد؛ فما الذي يمنع من يظن أنه الأحق في تجاوز العشرات في صفوف الخبز أو الوقود، أن يفكر في تجاوز القوانين والدستور للوصول لكرسي السلطة باعتباره أحق من غيره خاصة "الملكية الدلاقين"؟!
بعد الثورة انخفضت موجة تمييز النظامي عطفاً على التغيير النسبي الذي أحدثته ثورة ديسمبر، وبسبب شجاعة الثوار في مواجهة الرصاص والاستشهاد، ما أبطل بشكل كبير مفعول السلاح الميري واللبس الميري كأداة تستخدم للتخويف والإرهاب والإيهام بأن مجرد وجوده يعني الأمان.
قد يعود العسكر للثكنات اليوم أو في الغد أو بعد غدٍ، ولكن ما الذي يضمن عدم خروجهم منها مرة أخرى؟ في رأيي لا الاتفاقيات ولا الرقابة الدولية ولا العفو أو العقاب سيكون رادعاً كافياً؛ ما سيمنع ذلك بلا شك:
١- وعي مجتمعي شامل وواسع لحماية الديمقراطية والحكم المدني ومواجهة صارمة لأي انقلاب عليها حتى ولو كانت في تجاربها المختلفة السابقة واللاحقة أقل من الطموح
٢- الاستسلام من الأجهزة العسكرية أفراداً ومؤسسات بوعي وبإيمان كامل، للحكم المدني الديمقراطي كنهج مبدئي في حكم الشعب، على أن يكون ذلك أحد أساسيات التربية العسكرية ومبادئها
٣- حماية الدستور كفرض عين لا فرض كفاية على كل نظامي مهما كانت العواقب أو المغريات للانقلاب عليه أو مساندة المنقلبين عليه، على أن يكون ذلك خطاباً سائداً في الإعلام الرسمي وغير الرسمي وداخل المؤسسات العسكرية والمدنية
٤- الإذعان لحكم القانون والالتزام به والمساواة أمامه، وأن تكون المواطنة بحق هي أساس كل الحقوق والواجبات في كل الظروف على أن يُضمّن مفهوم المواطنة المتساوية كجزء من القوانين واللوائح في الخدمة المدنية والعسكرية، بحيث يشمل ذلك عسكري المرور ورئيس الجمهورية وعامل النظافة والصحفي والطبيب.

الخيار السيئ به عيب واحد (3)
عمدت الإنقاذ والحركة الإسلامية لتجنيد ضباط القوات المسلحة في تنظيمها العقائدي، وحاولت تجريفها لتنقلها من مؤسسة وطنية لمؤسسة حزبية لحماية التنظيم وليس حماية الدولة، وأصبح تمييز المنتمين للتنظيم وتقريب من استسلم وخضع لشروطه وتوجيهاته، وإبعاد من يمتنع ويتمرد على سياسات التمكين هو العقيدة السائدة، بل تدخل التنظيم في الترقية والإحالة، فأصبحت المهنية آخر شروط الانتماء حتى جاء وقت أضحى القيادي التنظيمي يأمر القيادي العسكري ويوجهه عسكرياً حتى ولو كان أقل منه رتبة!
وعندما حدثت المفاصلة اتجهت الإنقاذ الثانية بقيادة البشير لوسائل أكثر قذارة للسيطرة على القوى العسكرية، خوفاً من آثار الانقسام واحترازاً من استخدام الانقاذ الأولى بقيادة الترابي للكوادر الموالية لها في الانقلاب على السلطة، فكانت أزمة تعدد الجيوش والمليشيات إحدى النتائج المباشرة لهذا الصراع والتسابق المرير!
لأجل ذلك وغيره، برزت قضية الإصلاح العسكري والأمني كإحدى القضايا المهمة بعد ثورة ديسمبر المجيدة، ولكن بمشاركة العسكريين في السلطة الانتقالية والسيطرة الكاملة عليها بعد انقلاب ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، أصبحت السلطة في يد زمرة من الانتهازيين والقتلة جاءوا من رحم الإنقاذ فصار (الجرو أن.جس من أبيه)!
هذه الجماعة من فرط انتهازيتها استخدمت كل الأساليب المؤدية لانفراط الأمن، مع تجاهلها الكامل لمظاهر انفراط الأمن الحقيقية، فتم إغلاق ميناء البلاد الرئيسي، واندلعت النزاعات القبلية، وتزايدت وتيرة القتل والنهب والاحتراب في مناطق الهشاشة الأمنية، بل وغاب الأمان العادي في المدن وحتى الخرطوم لم تسلم من الانفلات، واستمر احتلال الأجنبي للأراضي السودانية بل وتمدد في أخرى، وظهرت تكوينات عسكرية قبلية وجهوية ومناطقية دون أن يقول لهم أحد: من أنتم!
وبذلك يحضر السؤال: ما هي الجدوى من وضع جداول زمنية للإصلاح العسكري والأمني لمجموعات بعينها وجعل ذلك مثل (القندول الشنقل الريكة)؟! في الوقت الذي ينتشر فيه السلاح بين جماعات أخرى متعددة، تتحرك في نطاقات واسعة وبكل حرية ويسر ودون مساءلة، وفي الوقت الذي يعلم فيه القاصي والداني أن هذه المجموعات لن تخضع يوماً لأي إصلاحات أو عمليات دمج أو DDR طالما أنها نبت شيطاني مصنوع لأغراض ضد فكرة الإصلاح والأمن من أساسها.. بل السؤال الأهم: طالما أن هناك مجموعات مسلحة يحكمها قانون حتى ولو كان معيباً، وهناك مجموعات جاءت باتفاقات سلام حتى ولو كانت اتفاقيات منقوصة، فلمَ لمْ تحسم المجموعات التي لا سبب لوجودها أصلاً بشكل نهائي لا برفض خجول وممانعة تستبطن الرغبة؛ بل لمَ لمْ تُقتلع من جذورها ووجودها في حد ذاته يمثل مهدداً أمنياً سافراً، وخروجها على النُظم والدستور مُعلن ومُجاهر به، ولمَ لمْ تخضع وفوراً عند ظهورها لسلاح القانون الرادع؟!

 

آراء