بشرى الفاضل: الجوائز المُستَحقَّة تأتي دائماً متأخِّرة

 


 

 

 

تنقيب الظلام

(1)

عندما سَمِعتُ بنبأ ترشّح بشرى الفاضل لجائزة "البوكر" الأفريقيّة– وهو لقب جائزة "كين"- عن قصّته "حكاية البنت التي طارت عصافيرها"، عرفت مباشرةً أن النص سيفوز، وما ذلك إلا لعظمة تلك القطعة الأدبيّة، وتأثيرها الذي خلَّف بصمةٍ على أجيالٍ من القراء والكتاب بعد نشرها لأوّل مرة؛ إنني سعيدٌ لسببٍ آخر شخصي، فحكاية البنت هذه كانت أوّل ما سَمِعتُ من "أدب الكبار" كما كُنّا نسمّيه حينها ونحن أطفال، نجلس في الإجازات الصيفيّة، طوال الظهيرة، نستمع لقصص "المكتبة الخضراء" وأساطيرها بأصواتِ بنات خالتي نعمات، وقد كانت مي بادي، الرَسّامة، هي من قرأت عليَّ القصّة مُنفرداً، والمنشورة في مجلة الثقافة السودانية، وكنتُ كمَن مسَّني برق!

لم أتعرَّض لتجربةٍ مشابهةٍ لمدّةٍ طويلةٍ من الزمن والعمر، ولكنني، عندما عثرتُ على الأدب مرةً أخرى في حياتي، عرفته من أوّل نظرة، وتذكّرت مباشرةً هذه الحكاية، "حكاية البنت التي طارت عصافيرها".

إذاً، نهنّئ الكاتب الكبير أستاذنا بشرى الفاضل على هذا الفوز المستحق

لنصٍّ كان له كبيرُ أثرٍ على مسيرة الأدب السوداني والعربي والأفريقي.

(2)
أنتهزُ فرصة فوز الكاتب بشرى الفاضل لأهنِّئ أصدقاءً أعزّاء لي عَمِلوا من خلف الكواليس، أوّلهم صديقي العزيز الكاتب والمترجم الأمريكي ماكس شموكلر، مُترجم النص من العربيّة إلى اللغة الإنجليزية، لما بذله من جهدٍ في النص، وأهنّئ أيضاً عزيزتنا الشاعرة نجلاء عثمان التوم المقيمة في السويد الآن لمساهمتها القيّمة في الترجمة حسب ما تابعت، ثمّ أُهنِّئ رافائيل كورماك، الذي قام بتحرير "كتاب الخرطوم" مع ماكس شومكلر، وقد كان (الممر) قد نشرَ حواراً مُترجماً معه في أعداده الأولى، وقد ترجمته إلى العربية لصالح (الممر) الكاتبة نبأ محيي الدين. لقد أخرج هذا الكتاب أشكالاً مختلفة في الأدب السوداني إلى النور، وتحديداً قصة البنت التي طارت عصافيرها.

(3)
زار ماكس شموكلر الخرطوم في العام 2012م، والتقينا بمكاتب صحيفة سيتيزن الإنجليزيّة، حيث كنت أعمل سكرتيراً للتحرير، وقد دُهشتُ جدّاً من فصاحة هذا الشاب ومعرفته الواسعة بالآداب العربية وبحثه الدؤوب في دروبها، وقد كان يبحث عن أدبٍ سوداني. فبعد الزيارة التي سجّلها لاتحاد الكتاب السودانيين أخبرني عن الإشارات والاقتراحات العظيمة التي وجدها من الأستاذ كمال الجزولي، وكان فعلياً قد اشترى مجموعة مقدّرة من الكتب. دعوته لمفروش، وفعلاً حضر واشترى الكثير من المجلات والكتب والإصدارات القديمة والحديثة. وقضينا أمسيةً في مرسم الفنان التشكيلي عبد الله محمد الطيب في حضرة الفن والشعر والأدب.

في مرحلةٍ لاحقةٍ جاء رافائيل كورماك من بريطانيا في رحلةٍ لاكمال درجة الدكتوراة حول تأثير الأدب الإغريقي على الأدب العربي الحديث، وجاء يبحث عن نصوصٍ سودانيةٍ تأثّرت به. رافائيل زار (مفروش) وحضر ندوة الشاعر عاطف خيري الشهيرة بمنتدى دال الثقافي، وكتب مقالاً منشوراً حول الحدث باللغة الإنجليزيّة، وكيف أنه لم يرَ في حياته جمهوراً محبّاً للشعر مثلما رأى في ذلك اليوم؛ حيث امتلأت القاعة والمدرجات واضطر المنظّمون لتركيب سماعاتٍ خارج القاعة، فأعداد من في الخارج كانت هائلة.

(4)
الكثير من الأخبار الجيدة تجيءُ من هنا وهناك؛ يبدو أن الكثير من الثمار قد أينَعت وقد حانَ قِطَافُها– بإيجابيّةٍ تامّة- فقد أسعدني حقّاً صدور كتاب الفنان التشكيلي العظيم والمفكّر الدكتور عبد الله بولا (بداية مصرع الإنسان الممتاز)– تفاصيل الخبر منشورة- هذه السلسلة التي لم تقرأها أجيالٌ عديدةٌ نسبةً لصعوبة الحصول عليها، هي اليوم في طبعة جديدة صادرة من الخرطوم، وجماعة الفيلم السوداني تستعد لطباعة العدد الثاني من مجلة (السينما)، وها نطالع أعداداً متنوعةً وخلاَّقة من مجلة (الحداثة السودانية) الصادرة الأسبوع الماضي في عددها (السادس) والتي تُثبتُ اختلافها وجدّتها في كل عددٍ يصدر.


ألف مبروك الدكتور بشرى الفاضل،

لقد عُجنِت بنتُكَ وحكايتها في أفئدة السودانيين منذ أن نُشرت إلى يومنا هذا.

نُشر بملحق (الممر) - صحيفة السوداني - 7 يوليو 2017م

 

آراء