تعديلات في قانون جهاز المخابرات العامة … هل تمثل عودة إلى حقبة نظام الرئيس السابق عمر البشير؟

 


 

 

تقرير : حسن اسحق
بعد زوال نظام الرئيس السابق عمر البشير، أجرى المجلس العسكري في ٢٩يوليو ٢٠١٩ تعديلًا على قانون جهاز الأمن والمخابرات الوطني، قضى بتحويل اسمه إلى جهاز المخابرات العامة، حيث وقّع رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان على المرسوم الدستوري، الذي تضمن تعديلات على قانون جهاز المخابرات العامة لسنة ٢٠١٠، ما اعتبرته قوى عديدة أن الخطوة انتكاسة وعودة إلى فترة الحكم الشمولي.
وكان التعديل الجديد يتمثل في المادة ٢٥ الخاصة بالاعتقال التحفظي، والمادتين ٢٩ و٣٧ الخاصتين بسلطات الأعضاء ومدير المخابرات والمادة ٣٣ الخاصة بحصانة عضو الجهاز، والمادة ٤٦ المتعلقة بحصانة الأعضاء والمتعاونين، والمادة ٥٣، التي تنص على حظر حجز المؤسسات التجارية.
وكانت المادة ٥٠ من قانون الأمن الوطني، تتيح لعناصر الجهاز، صلاحيات باعتقال أو حجز أي شخص مشتبه فيه لمدة لا تزيد عن الـ ٣٠ يوما، مع تجديد الحبس لـ ١٥ يوم أخرى بناء على توصية مدير الجهاز، ويمكن تمديد فترة الحبس لثلاث أشهر إضافية حال وافق مجلس الأمن الوطني، بينما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة (١٤) يمنح لكل فرد الحق في محاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مختصة ومستقلة وحيادية منشأة بموجب القانون، بينما المواثيق في الدولة تمنح الافراد الحقوق السياسية للتعبير عن آراءها.
بينما تتضارب الآراء حول التعديلات الجديدة التي منحها رئيس مجلس السيادة الانتقالي لجهاز المخابرات العامة، ترى بعض الأطراف أن وضعية الحرب تحتاج إلى جهاز قوي يستطيع القيام بمهامه وواجباته الوطنية في الحفاظ على أمن وكرامة البلاد، فيما ترى أطراف أخري بأن لقرار في حد ذاته يعتبر ترديا مريعا في ملف حقوق الإنسان، ويساهم في عودة الأوضاع إلى ما قبل سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، وبالتالي يأتي هنا الاختلاف ما بين المفهوم الأمني لإدارة الدولة، وإعطاء الاعتبار والأولوية لحقوق الإنسان في البلاد.
الصلاحيات الممنوحة للجهاز
ان الصلاحيات الممنوحة لمدير جهاز المخابرات والأعضاء العاملين به، والمتعلقة بالحصانة والاعتقال والتفتيش، نصت على أن التفتيش يكون بعد الحصول على إذن مكتوب من مدير الجهاز، أن أي ممارسة أية سلطات قانونية، يجب أن تكون ضرورية لتنفيذ أحكام القانون، بحسب الأمين العام لمجلس السيادة في السودان الفريق محمد الغالي.
تداعيات القانون على الوضع السياسي
يري الناشط السياسي إدريس هارون، أن القانون الجديد له تداعيات سلبية على الوضع السياسي الراهن وعلى الحريات، ما يعطي الجيش السوداني حق الاحتجاز والاعتقال التعسفي بموجب قانون المخابرات المعدّل، وهو ما بتعارض مع العديد من القوانين الدولية ومبادئ حقوق الانسان، بما في ذلك الاعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة "٩" ترفض القبض على الفرد أو احتجازه أو نفيه تعسفيا، ويوضح إدريس أن المادة " ١٠" لكل فرد الحق في أن تكون قضيته محل نظر منصف، وعلني من قبل محكمة مستقلة ومحايدة، للفصل في حقوقه والتزاماته وفي أي تهمة جنائية توجه إليه.
يضيف إدريس، أن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في المادة ٩ الفقرة (!) لكل شخص الحق في الحرية وفي الأمان على شخصه، ولا يجوز القبض على أي شخص أو احتجازه تعسفاً، ولا يجوز حرمان أحد من حريته، إلا لهذه الأسباب ووفقاً لأحكام الإجراء الذي يحدده القانون. أما المادة ٩ (٢) يجب إبلاغ أي شخص يتم القبض عليه، ووقت قبضه، وأسباب القبض عليه، ويجب إبلاغه على وجه السرعة بأية تهم موجهة إليه، وتطالب المادة ٩ (٣) بتقديم أي شخص يُقبض عليه أو يُحتجز بتهمة جنائية سريعًا إلى أحد القضاة أو أي موظف آخر يخوله القانون لممارسة وظائف قضائية، ويكون من حقه أن يُحاكم خلال فترة زمنية معقولة أو يُطلق سراحه.
رفض تعديلات قانون جهاز الامن والمخابرات العامة
يبين المحامي والقانوني وجدي صالح وعضو تنسيقية القوى المدنية " تقدم" إن إعادة الصلاحيات لجهاز المخابرات العامة ردة عن ثورة ديسمبر، وأن القرار هو محاولة لإعادة إنتاج النظام القديم بقوانينه وبكل سلوكياته وصلاحيات أجهزته الأمنية، وقال وجدي في حوار له على " راديو دبنقا" إن ثورة ديسمبر جردت جهاز الأمن والمخابرات من سلطة التحقيق والتحري والاعتقال، وقتها، كما جردت عناصره من الحصانات التي كانوا يتمتعوا بها، والمرسوم الذي صدر بموجبه التعديلات غير دستوري، باعتباره صادر عن سلطة انقلابية لا تمتلك أي سند شعبي.
وأضاف وجدي. أن هذه التعديلات سبقها قرار بعودة هيئة العمليات من بوابة الحرب، وهي نفس الهيئة التي تمارس حاليا الممارسات الخارجة عن القانون والتي لا تتفق مع حقوق الإنسان وكرامته، وغير المتفقة مع كل المعايير الدولية التي صادق عليها السودان، مثل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والاتفاقيات التي صادق عليها السودان التي تمنع التعذيب وتُجرم ممارسته، مشيرا إلى أن كل ما يتم تحت مظلة الحرب هو ردة على كل قيم ثورة ديسمبر المجيدة، وردة فعلية على كل القوانين التي تحكم حقوق الإنسان على المستوى الاقليمي والدولي.
عودة الروح إلى الجسد
بينما يرى الكتاب ضياء الدين عبدالرحمن في مقال له بعنوان " جهاز المخابرات… عودة الروح إلى الجسد: إن القرار التاريخي في هذا الوقت المهم، يمثل عودة الروح لجسد الوطن الجريح، الذي تعرض لخيانة داخلية وخارجية، وإن إجازة تعديل قانون جهاز المخابرات العامة السوداني يعني العودة لدوره الوطني المشرف في الحفاظ علي أمن البلاد واستقرارها الغائب منذ تعطيل عدد من الفقرات في القانون أو تعديلها، لأنه أتى في وقت مهم وضروري لانخراط ضباط وأفراد جهاز المخابرات العامة جنبا إلى جنب مع القوات المسلحة السودانية للدفاع عن الوطن.
يقول ضياء الدين" إن إجازة التعديلات، هو حافز كبير لمزيد من العطاء واحساس بوقفة الدولة، والشعب مع رجال المخابرات العامة، منتقدا الحملة المسعورة من القوى السياسية التي تطعن في هذه التعديلات، وأن القوى السياسية الرافضة لتعديلات القانون لفظها الشعب السوداني، وقرارهم يمثل عمالة وخيانة للوطن والتآمر مع العدو الخارجي للسودان، والوضع في البلاد في حاجة ماسة للاستقرار، وتحقيق الامن القومي، وأن جهاز المخابرات العامة دوره معلوم وموثق في حفظ واستقرار البلاد.
وأوضح ضياء الدين، إن السودان ظل يعاني طيلة السنوات الماضية ما قبل الحرب وما بعد الحرب، ولذلك فإن الشعب السوداني يساند هذه التعديلات الأخيرة في قانون جهاز المخابرات العامة، باعتباره مؤسسة قومية ينتمي لها جميع أبناء السودان من مختلف الولايات، كما إنه أيضا مؤسسة وطنية تضع مصلحة البلاد العليا في مقدمة أولوياتها، وإن كوادر جهاز المخابرات العامة مدربين ومؤهلين، وحصلوا على جرعات كبيرة من المهنية والاحترافية، وأنفقت في ذلك الدولة مبالغ كبيرة.
صلاحيات رجل القانون
يوضح عامر حسن الخبير العسكري والاستراتيجي في تعليقه على تعديلات قانون المخابرات العامة، أن الثابت في كل الدول هو القوات النظامية المتمثلة في القوات العسكرية "الجيوش" التي تقاتل داخل وخارج الدولة، والقوة الأمنية المرتبطة بجهاز الشرطة، وجهاز المخابرات، وبالتالي فإن هذه الاجهزة الثلاثة في كل دول لها صلاحيات طبيعية في تنفيذ مهامها، ولا يمكن إلغاء هذه الأجهزة، وترتبط هذه الصلاحيات بالضبط والاحضار والتفتيش، باعتبارها صلاحيات تعطي لأي رجل قانون، وتكون تحت إشراف النيابة التي ترعى عمليات التحقيق والضبط وبدونها لا يستطيع العمل.
يكرر عامر، أن تجميع المعلومات يحتاج إلى هذه الصلاحيات لجهاز الامن والمخابرات العامة، وتجميع هذه المعلومات يقوم على الصلاحيات، ان إعادتها إلى لوضع الطبيعي، وليس له أي علاقة بنظام سياسي، وحالة الحرب في السودان تستوجب هذا القرار، وشكله، والشرعية الآن هي شرعية القوات المسلحة السودانية، موضحا إذا كان للجهاز صلاحيات لما خرج اولئك الذين يدعمون التمرد في الفضاء الخارجي، والمجموعات السياسية التي هي جزء من هذه الحرب.
وأضاف عامر، أن التأخير في إصدار هذا القرار، كان بسبب الضغوط الخارجية، والتراخي الذي حدث يدفع الشعب السوداني ثمنه الآن، وهو ما جعل الحرب تستمر لمدة عام كامل، وما يسبب تأخير العمليات العسكرية في ولاية الجزيرة، ويجب معرفة أن العلة في اتخاذ القرار في قيادة الدولة، والحكومة تتماهي مع ضغوط خارجية، هو ما يؤثر على السودان والشعب السوداني في نفس الوقت.
صلاحيات الجهاز تختلف باختلاف الأوضاع
دكتور محمد الزين في قراءة أولية في تعديلات قانون جهاز المخابرات العامة لسنة ٢٠٢٤، ما بعد ١٥ أبريل ٢٠٢٣، اتضح أن الأجهزة الأمنية والشرطية والعسكرية، يجب أن تكون صاحية ولها دور إيجابي في مواجهة المليشيات والمرتزقة والإرهاب، وأن سلطة جهاز الأمن في ظل الأوضاع الهادئة تختلف عن الأوضاع في حالة الحرب، لذا يجب التمييز بين سلطات جهاز الأمن والمخابرات العامة في مثل هذه الأوضاع، وحالة الحرب على هذا المستوي المفروض على الشعب السوداني.
يوضح الزين، إن أطراف عديدة تشعل الحرب منها الدعم السريع وحلفاء في قوى الحرية والتغيير، والجهات الاقليمية المعروفة كدولة الامارات العربية المتحدة، ودول أخرى ميسرة ومسهلة، هي أصبحت طرف أساسي في هذه الحرب، وفي هذا الوضع، سلطة المخابرات العامة، لن تكون في كتابة التقارير فقط، ويجب أن يكون للمخابرات دور ايجابي ومتقدم، والتعاون مع أجهزة الاستخبارات العسكرية وجهاز الشرطة الأمني لمواجهة هذه الحرب التي تُشن على السودان.
وأضاف الزين، الكل يري بأن دخول قوات الدعم السريع والمليشيات منازل الأبرياء وعمليات اغتصاب النساء المتكررة، والقيام بالنهب والسرقات، متسائلا، هل تتوقع ان يقوم جهاز المخابرات العامة فقط بكتابة التقارير؟، ويجب أن يكون للجهاز دور إيجابي أكبر، تتمثل في القبض والاعتقال، والتحقيق والتحريات، بها تتكامل الاجهزة بعضها البعض، ويرى بأن لا حرج في إعطاء سلطات وامتيازات لجهاز المخابرات العامة في ظل الحرب.
يُبين الزين ان التعديلات التي تمت عملا بأحكام الوثيقة الدستورية لعام ٢٠١٩، يُعدل قانون جهاز المخابرات العامة المادة ٥ المتعلقة بالتفسير، وتضاف إليها وكيل النيابة المختص، أي أن هذه التعديلات تخضع للنيابة العامة، والغرض ليس لاستدامة الشمولية والديكتاتورية، أوضح الزين، إن هذا التعديل خاضع لولاية النيابة العامة، والرقابة القضائية على أعمال جهاز المخابرات العامة، والعمل كله يتم وفق القانون، إضافة إلى وكيل النيابة المختص، الذي لم يكن موجودا في قانون جهاز الأمن والمخابرات الوطني لعام ٢٠١٠.
عودة العافية الي جهاز المخابرات العامة
في ذات السياق، يقول محمد عثمان الأكاديمي والمحلل السياسي " ماذا يريد البرهان من تعديل جهاز المخابرات" إن شعار ثورة ديسمبر عندما جاءت كان شعارها تسقط " بس" وشنت حرب مباشرة ضد كل مؤسسات الدولة، من النيابة العامة والجهاز القضائي، وثنائية الجيش السوداني وجهاز الأمن والمخابرات، وأوضح بأنها هي من الأسباب التي أسقطت حكومة قوي الحرية والتغيير، حيث وُظفت الجهود إلي الاسقاط من دون تحقيق البناء، وعملوا جاهدين في تفتيت جهاز المخابرات، واجبار قيادات في الجيش على التقاعد المبكر.
وقال محمد، "إن قوي الحرية والتغيير الحاكمة آنذاك عملت على إنهاء هيئة العمليات التابعة لجهاز الأمن والمخابرات العامة، باعتبارها القلب النابض له، وتقليص صلاحيات الجهاز، وحصرها في جمع المعلومات وتحليلها فقط، طيلة ٥ سنوات، حتى اندلاع الحرب المباشرة علي الدولة.
أضاف محمد بعد اندلاع حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣، افتقد الشعب السوداني جهود جهاز الأمن والمخابرات، والآلاف منهم الذين دربوا على كل أنواع القتال، وكانت الهيئة عائق أمام كل طموحات قيادات الدعم السريع وقوي الحرية والتغيير، وأن عودة هيئة العمليات إلى العمل مرة أخرى، هي بدورها تعيد العافية الي جهاز المخابرات العامة، خاصة بعد عودة صلاحياته السابقة.
إن عودة الصلاحيات هي حائط الصد، والذراع القوي الباطش والمؤسسة التي تستطيع الدفاع عن مقدرات الشعب السوداني الاقتصادية، بحيث لن تكون الساحة سهلة للمرتزقة والعملاء، وكل هذه الأحداث حقا تحتاج الى جهاز أمن قوي، وليس معهد أكاديمي يحلل المعلومات، بل يستطيع الفعل، والتصدي للمؤامرات، والصلاحيات المذكورة ليست كاملة، بل مُنح الصلاحيات وفق القانون، حتى لا تكون قوة مطلقة، هذا التوازن مطلوب لحفظ أمن الشعب السوداني.
صلاحيات الإفلات من العقاب
المستشار السياسي لرئيس الوزراء السابق، الكاتب والصحفي فائز السليك يشير إلى أن تاريخ الأجهزة الأمنية والاعتقالات، هو تاريخ مرير في السودان، وعبر كل الأزمنة، وكل الاعتقالات تمت ما بعد ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، هي مخالفة للقانون، وتخالف الدستور، أن مسألة الاحتجاز لمدة ثلاثين يوما من دون أي مساءلة في أي تهمة، وأن هذا الاحتجاز يكون الفرد في زنازين معزولة لفترات طويلة، هذا الاحتجاز لشهر بسبب رفض فائز للانقلاب الذي حدث في الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢١ مكتمل الأركان، وانقلاب على الوثيقة الدستورية في ذاك الوقت.
قال فائز، إن تعديلات ٢٠٢٤، تمنح أعضاء وقادة جهاز الأمن والمخابرات العامة صلاحيات واسعة تصل الى مرحلة الإفلات من العقاب، يمكن لفرد الأمن والمتعاونين الاعتداء على المعتقل، ولا يمكن أن يعتقل الفرد إلا بتوصية من رئيس جهاز الأمن، هذا يؤكد أن انقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١، وحرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣، هي ضد ثورة ديسمبر، وبعد ثورة ديسمبر، كان جهاز الأمن مختص فقط بجمع المعلومات وتحليل البيانات، وليس لديه سلطة الاعتقال، والتحفظ، ولا يتمتع أفراده بالحصانة.
أضاف فائز، إن رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، يريد أن يكرس سياسة قمع المعارضين، وكان لجهاز الأمن مثل بيوت الاشباح سيئة السمعة، منذ ١٩٨٩، حيث زجّ نظام الرئيس السابق عمر البشير الآلاف في السجون والمعتقلات، وبسبب الانتماء السياسي، تعرض كثيرون للتعذيب والاغتصاب، واعتقال قيادي بحزب المؤتمر السوداني بمنطقة ٢٤ القرشي بولاية الجزيرة، وقتله تحت التعذيب، هذا يؤكد أن سطوة الأجهزة الأمنية، وأوضح أنه لا يمكن أن يتعايش جهاز الأمن والقانون، وأن أخطر ما لدى جهاز الأمن، هو هيئة العمليات، التي حلتها السلطة الانتقالية، وبعد الحرب عادة إلى مهامها القديمة.
في الختام
ان الميثاق الافريقي لحقو الانسان والشعوب، في المادة " ٦" لكل فرد الحق في الحرية وفي الأمان على شخصه، ولا يجوز حرمان أحد من حريته إلا لأسباب وشروط ينص عليها القانون مسبقًا، وعلى وجه الخصوص، لا يجوز لأحد أن يتم القبض عليه أو احتجازه بشكل تعسفي.
والمادة ٧ (١) لكل فرد الحق في الاستماع إلى قضيته، ويشمل ذلك، الحق في الاستئناف أمام الهيئات الوطنية المختصة ضد الأفعال التي تنتهك حقوقه الأساسية، التي تقرها وتضمنها الاتفاقيات، والقوانين والأنظمة والأعراف المعمول بها، إضافة إلى الحق في افتراض البراءة حتى تثبت إدانته من قبل محكمة أو هيئة قضائية مختصة، الحق في الدفاع، بما في ذلك الحق في أن يدافع عنه محامٍ من اختياره، الحق في المحاكمة خلال فترة زمنية معقولة أمام محكمة أو هيئة قضائية محايدة.

إضافة إلى اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، في المادة " ٢" تتخذ كل دولة طرف تدابير تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو غيرها من التدابير لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لولايتها القضائية.
اما المادة " ١٦ " تتعهد كل دولة طرف بأن تمنع في أي إقليم يخضع لولايتها، ارتكاب أي أعمال من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي لا ترقى إلى مستوى التعذيب على النحو المحدد في المادة ١، عند ارتكاب مثل هذه الأفعال "بواسطة أو بتحريض أو بموافقته أو سكوته عن موظف عمومي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية.

ishaghassan13@gmail.com
/////////////////////
في الضواحي وطرف المداين – مقتطف
الكِنْتِيْن وبيت العَزَّابَة

في بيت العَزَّابَة، لا تعمر الأكاذيب، أو تصمد الادعاءات، ولا يمكن إخفاء الحقائق عن رفقاء السكن، والهم العام، وجحيم المعايش. وتسود في تلك البيوت روحٌ هي خليط من التضامن، والانتماء، تعبرُ، بوضوحٍ لا لبس فيه، عن المفهوم الذي يتداوله السودانيون كثيراً ولكن، دون أن يعنوه بالكامل، عندما يقولون:
- الحالة واحدة!
والحالة واحدة، في بيت العَزَّابَة، فعلاً، وبالذات في حدود مواجهة المشاكل الصغيرة والمتوسطة، أما في القضايا الكبيرة، فتتقلص الدوائر قليلاً، لتهتم مجموعات صغيرة من رفقاء السكن، لتواجه هذه القضية أو تلك من الهموم الكبيرة، مثل متابعة أمور زواج فُلان، أو علاج أبو عِلَّان في الخارج، وغيرها من الهموم التي تخرج من دوائر المعيشة أو الالتزامات الصغيرة التي تستطيع المشايلات وأدها.
ومهما بلغت قدرات العَزَّابَة جميعاً، أو فرادى في تنظيم شُئون المعيشة، وضبط الميز، فانه لا يمكن لهم، أبداً، ان يستغنوا عن كِنْتِيْن جَرُوُرَةٍ يملا الفراغات في الميزانية ويمثل مرجعا اخير في اواخر الشهر او الايام التي تشبهه، وغالباً ما يكون هذا الكِنْتِيْن الركيزة هو أقرب كِنْتِيْن، إلا إذا كانت قدراته أقل من متطلبات العَزَّابَة، خصوصاً وإن أغلب احتياجاتهم من السلع التي يتفادى فيها التجار الجَرُوُرَة، ويعتبرونها سلعاً عزِيزةً، ومصدراً للكاش، مثل:
- الرصيد، والسجائر، والحاجة الباردة...
وتبدأ العلاقة بين الكِنْتِيْن وبيت العَزَّابَة باحتياج أسياد الدُّكَّان لاستخدام المنافع: الحمَّام، والأدبخانة، وفي حالاتٍ أُخرى مبيتهم مع العَزَّابَة داخل البيت، لا سيما إن كان الفصلُ شتاءً.
ثُمَّ يفترعُ الجَرُوُرَة أحدُ العَزَّابَة من ذوي الدخل المنتظم، شهري، أو دوري على الأقل، ثم يتسلل أخرون عبره إلى دفتر الجَرُوُرَة، ليحتلوا صفحات مستقلة، تحمل أسمائهم، واحد... واحد، ويتفادى البعض دفتر الجَرُوُرَة، بالكامل، لأسباب عديدة تخصه، بينما يستبيح آخرون الدفتر، ولكن تحت ظلال عزابة آخرين، فيقول أحدهم لصاحب الكِنْتِيْن:
- الحَاجَات دِيْ، قَيِّدا على عصام!
وبطبيعة الأشياء، فإن هذه العلاقة تنمو، وتزدهر مع كلِّ صباحٍ جديد.
ويبدأ تطبيع وجود صاحب الكِنْتِيْن بنيلِه أولاً حقوق العضوية التشريفية في البيت، وتزداد مساحات السماح التي يتحرك فيها، فيستضيف أقاربه، واحد أو اثنين، ممن قَدِمُوا من البلد للعلاج أو استكمال إجراءات الحج، أو العمرة، أو ما شابه ذلك، ليستقرُّوا في إحدى الغرف، في مطارحٍ لا يزعجهم فيها أحد.
ثم تظهر اعتمادية سيد الدكان على العزابة في المساعدات اللوجستية التي تعتمد على معرفتهم وخبراتهم وعلاقاتهم، وتشمل تلك المساعدات، ضمن ما تشمل، الرعاية الصحية، له ولضيوفه، عن طريق أصدقاء العزابة من أطباء المستشفيات القريبة، وأيضاً إصدار الأوراق الثبوتية من المصالح الحكومية، وغيرها كثير من الخدمات التي يحتاجها سيد الدكان القادم من البلد، حديث العهد بالعاصمة.
في تلك الأثناء، يبدأ اعتماد سيد الدكان عضواً رسمياً في (صينية العشاء)، ولا يبدأ الموجودون المتحلقون جوعى حول الصينية الأكل، إلا بعد حضوره، رغم إن ذلك يتسبب في بعض الأحايين في نومِ سكرانٍ أو اثنين، ممن أفرطوا في السكر، أو نال منهم الإرهاق بسبب طول يوم العمل، أو هدهم الجُّوُع، وفي مراتٍ كثيرة، تفشل محاولات إيقاظ من نام، بعد وصول سيد الدكان، ليدخِلُوا أيديهم مع المتعشين.
ونسة سيد الدكان لذيذة، هذا إذا لم يتمتع بمواهب أخرى في التنكيت، والغناء، وكلامه يحوي معلوماتٍ، جدُّ ثرة، عن أحوال الناس في الحي، وبتفاصيلٍ مُدهشة، جعلتها ثرثرةُ نساءِ الحي، أمام الدكان ممكنة، وأثرته القفشات، والونسات القصيرة التي يدخل فيها المستدينون، إخفاءً للحرج، وتلطيفاً للجو، في اللحظات القليلة التي يقفون فيها أمام الدكان، متكئين على صفحاتهم التي يحتضنها دفتر الجرورة.
ويزيد من لطافة، وأهمية ونسة سيد الدكان، افتقار االعزابة للعلاقة السوية مع أهل الحي، والذين غالباً ما يضربون طوقاً من العزلة على العزابة، باعتبارهم أنصافُ شياطين، ومصدرٌ للشرور، وخطرٌ على اجتماعيات الأسر في الحي.
ولا تقف أهمية المعلومات عن الحي في حدود المعرفة بالشيء، أو التسلية فقط، وإنما تتعداه إلى كسر بعض الحواجز، وبناء علاقات انتقائية، تصل في بعض الأحايين إلى اشتراكِ أفرادٍ من بيت العزابة، الذين ينتوون أمراً يتطلب الادخار، في الختة، أو الصندوك الكبير، الذي يضم عدداً من نساء الحي.
ويتمُّ، ذلك الاشتراك، عن طريق سيد الدكان وبواسطته، وضمانته، وهكذا، تتصاعد وتائر الدخلة والمرقة من وإلى الكِنْتِيْن وبيت العزابة.
وتسمح هذه العلاقة الوطيدة لسيد الدكان بارتياد القعدات، وجلسات الأنسِ، والندامى في البيت، ويخفف وجوده من قسوة التنظير، ويوسع زوايا الحوار، وينحدر بمستوى الدقة التي كانت تلازم ونسات العزابة ذوي المؤهلات، والخبرات الكبيرة، والذين يتخذون من طرابيز السكر منابراً لتفنيد قضايا بالغة التعقيد، ويحاولون فك العقد المحيطة بمختلف المواضيع الحياتية بالعلمِ، والنقدِ، والتحليل.
ولكن وجود صاحب الكِنْتِيْن، يضفي صفات جديدة على الونسة، فيجعلها سهلةً ممتنعة، تفيض بالمرح وتتسع للفضفضة الأريحية.
وفي تلك القعدات يتعرف صاحب الكِنْتِيْن على مشكلة هذا العزابي أو ذاك، والتي تكون قد أعجزت رفاقه، فينحني ليقترب منه، ويهمس في أذنه:
- الصَّبَاح، مُرْ عَلَيْ!
وفي الصباح، تنفتح كُوَّة على دُرُج الإيرادات في الكِنْتِيْن، لا تلبث أن تطال ضياؤها جميع السكان، وتدشن إمكانية الاستدانة المالية، وليست السلعيَّة، من الكِنْتِيْن، لتغطي (حق المواصلات، والفطور) لهذا المفلس أو ذاك.
ويشترك سيد الدكان في أغلب البرامج الجماعية للعزابة، لا سيما البرامج التي يتم الاتفاق عليها أثناء القعدة، بل يشارك في وضع الخطط لتلك البرامج حذفاً وإضافة، ويواجب مع رفقائه في الأفراح والأتراح، ويلجأ إليهم حين تركبه الحوجة، أو يمسه الضرر، فيجد من التعامل، أحسن مما توقع.
وفي كلِّ الأحوال، فأنه يتمتع بإذنٍ مفتوح في استخدام المُدَّخرات التي أودعها عنده بعض العزابة، دون أن يستشيرهم أو يرجع إليهم.
الصُّدفُ السعيدة، وظلالٌ من ليلةِ القدر قد تقُودان آخرين، يُضاهُون سيد الدكان في الأهمية، وربما يبزونه فيها، ومن بين هؤلاء الخضرجي، والذي يبيع بضاعته في سوق صغير في محيط الجوار...
ويلجُ الخضرجي أولاً من بوابة المنافع مثل صاحب الكنتين بالضبط، ولكن طبيعة عمله التي تتطلب الاستيقاظ المبكر، وبالتالي النوم المبكر أيضاً، سرعان ما تجعله عضواً كاملاً وزول مبيت، وهو عادة ما يكون ضيفاً خفيف لا يحتاج سوى متابعة التلفزيون، وبرش وإبريق للصلاة في العشاء، وقد لا ينتظر وجبة العشاء، في الغالب، ما عدا الليالي التي يكون قد اشتد به الجوع به فيها... كما يمكن له أن يلعب قيم، أو قيمين من كونكان أربعطاشر، عكس الجزَّار، الذي يفضل لعبة الوست على الكونكان، ويشارك في القعدات ويساهر حتى آخر قطرة من الشراب.
ويحظى الجزّارُ، الذي كان قد تعرّف على العزابة من خلال الخضرجي، بأهمية تتضاءل أمامها أهمية دليله الخضرجي.
ورغم إن العلاقة بينه وبين العزابة تخلو من الاستغلال المالي، إلا أنه يضمن لهم أنواع من خير اللحم لا يمكن الحصول عليه بالشراء العادي، لأنه يخلص في اختيار تلك اللحوم، وهو الذي في يده القلم، كما يحسن طهي وإعداد الحلة، المشتملة، أيضاً، على الخضروات ولكن، بدرجة أهمية أقل من اللحوم...
وتنصهرُ الخضرواتُ، واللحمةُ المنتقاة، والبُهارات، كلُّها، في حلة العزابة الشهيرة، التي تحمل الاسم الأشهى، والذي يسيل له لُعابُ السكارى، وضيوف القعدة الآخرين:
- (القطر قام! ).
وبخلاف هذا الثالوث الغالي من المُستضافين، يخترق بعضُ شباب الحي حاجز التردد والخوف، فيدخلوا، في غفلة من الجيران، من فتحات طوق العزلة المضروب من أهل الحي على العزابة، بموجب صدف، ومناسبات، وملابسات لا تتشابه فيما بينها.
ويتمدد جزءٌ منهم، ليصل بعلاقته مع العزابة درجة تسمح لهم بإعمار القعدات بلا وجل.
ويتميز هؤلاء الشبان، عادة، بالأريحية، والكرم الفياض، وعادة ما ينفحون سكان البيت بصواني الفطور، والغداءات، وخاصة في أيام الجمع...
وغالباً ما تعمرُ هذه الصواني بوجبات لذيذة، ذات طابع احتفالي، صُنعت فوق العادة في بيوتهم.
وكان يعجبني منها، على وجه الخصوص، التركين، والفسيخ، وملاح المفروك الذي ينساب ليتخلَّل طرَقَات قراريص القمح تمنية بُوصة، الشهيَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عادل سيد أحمد، مارس/2020م.

amsidahmed@outlook.com
/////////////////////

////////////////////////

///////////////////////
/////////////////////////
//////////////////////////

///////////////////////

//////////////////////////
//////////////////////
//////////////////////
//////////////////////////////

السودان : بعد سقوط الأقنعة لا للبكاء والعويل
د . عكاشة السيد عكاشة

يمر السودان الآن بمرحلة خطيرة من تاريخه تتمثل فى فقدان التوازن الذى يهدد البلاد بالإنهيار السياسى الكامل وكل الظواهر والأحداث حالياً تشيرإلى تفكك القيم الإجتماعية وإندثار الأعراف والتقاليد وسط أجواء حملة واسعة وشديدة وقوية لإنتشار خطاب الكراهية والتحريض على القتال وأصبحت هناك تحديات كثيرة تواجه البلاد وتضع أمامنا إفتراضات أكثر حدة فيما قد يحدث فى ظل إننا نواجه حالياً إنفراط عقد النظام العام والنسيج الإجتماعى مع إستمرار تنامى إرتفاع صيحات المتخرصون والمرجفون فى المدينة الذين يسعون بشتى الطرق إلى تأجيج نيران الصراع والحرب بكل الوسائل الممكنة لزيادة الإنشقاق والإنفراط المجتمعى .
سودان اليوم ليس كسودان الأمس بكل المقاييس فى كافة النواحى وإن عسكرة الحكم فى السودان لحقب طويلة أضرت بالتطور الطبيعى المنشود للمسيرة الديمقراطية وجعلت السودان فى حاجة ماسة للإصلاح الشامل فى كافة مناحى وأوجه الحياة FULL REFORM وإن ظاهرة بقاء الجيش كجزء أساسى فاعل فى الصراع السياسى الدائر فى البلاد منذ الإستقلال كانت نتيجته الطبيعية تنامى مظاهر العنف والعنف المضاد بصورة كبيرة كما أن وجود علاقة ملتبسة بين العسكر وبعض القوى السياسية قد ساهم وزاد فى سؤ الأحوال وتعقيداتها وإن عملية التهميش السياسى والإجتماعى والإقتصادى والإستعلاء العرقى من بعض الشرائح كانت نتيجته إندلاع وإشتعال نيران الحرب فى كافة أرجاء البلاد .
سلطة الأمر الواقع الحاكمة حالياً فى السودان تقرأ من نفس كتاب الإنقاذ الذى درجت فيه على عقد الحوارات والإتفاقيات لتجميل وجه النظام دون حصول تغيير جذرى فى بنية الدولة وسياساتها والإنقاذ كانت تقوم خلال إتفاقياتها بعملية إستيعاب فقط للمنحازين للسلام وكانت تعمل على بسط نفوذها وتفرض عليهم تنفيذ برنامجها فقط رغم توقيعهم على إتفاقيات السلام دون مراعاة لأى تفاهمات كانت قد تمت معهم بالتراضى الأمر الذى أفرغ تلك الإتفاقيات من كل محتواها وأهدافها المرجوة وأوقف كل الأمال والأحلام فى عملية تجديد الحياة السياسية فى البلاد وتقدمها للأمام والسلطة الحالية لم تستفيد من دروس الماضى ولم تتعظ من دروس التاريخ وبكل أسف هناك عدد من الإحزاب السياسية المتأكلة قد ساهمت وشاركت بشكل أو بأخر فى وأد عملية الإرتقاء الديمقراطى ومسيرة التحديث والتطور الطبيعى فى البلاد .
إن إقتلاع رواسب فترة حكم الإنقاذ وما صاحبها من أخطاء والوصول إلى بناء سودان جديد تبقى مهمة أساسية ذات أبعاد وأولوية قصوى لإنطلاق عملية إعادة البناء والتحديث وهذا لا يتم بالتمنى بدون النظر فى وضع أسس جديدة لإعادة البنية النفسية للمواطن السودانى أولاً وتأهيله وصياغته من جديد بعد كل الأهوال التى عاشها والقضاء على التشوهات التى حصلت فى مسيرته وإبعاده بصورة شاملة من ظاهرة التعصب العرقى والقبلى والجهوى ولن يصبح السودان بلداً أمناً ومستقراً إلا بإعادة تصميم وتشكيل هياكل جديدة له للبناء الوطنى فى أعقاب هذه الكارثة التى نعيشها وبعد أن مس شعبنا من ضراء كبيرة نتيجة هذه الحرب العبثية المدمرة وهذا يحتاج منا إلى تفكير عميق وإسلوب مبتكر وجهد مضاعف وأن نقوم بإبتداع هندسة دستورية متطورة ومتقدمة وجديدة تساهم وتساعد فى عملية الإصلاح .
الإنقاذ قامت بإفراغ الجيش من كوادره ذات الكفاءة والخبرة وأضعفت قدراته القتالية بصورة كبيرة وخلقت الدعم السريع كجيش موازى له إضافة لقيامها بجعل جهاز الأمن والمخابرات كجيش آخر يتمتع بقدرات قتالية وقامت بتأسيس عدة مليشيات أخرى عديدة كالدفاع الشعبى والمجاهدين ومجندى الخدمة الوطنية وغيره وهذا الوضع أصبح يعقد المشكلة الحالية وآليات الحلول السلمية لها ويصبح حل هذه المعضلة ومعالجتها يحتاج إلى وقفة متأنية ويتطلب التروى والمرونة فى التناول وبسط العدالة والتعامل بالحسنى وإبرازحسن النية لإزالة المخاوف والشكوك بين المجموعات ذات الأراء المتباينة والعمل بتأنى على زرع الطمأنينة والأمان وسط كافة المواطنين وضمان تمتعهم بالحد الأدنى من الأمن الجماعى لبسط السلام والإستقرار بالتدرج وهذا لن يتحقق إلا من خلال العدالة وحكم القانون وإحترام الحقوق الأساسية للمواطنين جميعاً وفق المواطنة كأساس للحقوق والواجبات .
إن التحول الديمقراطى مسؤولية كبيرة ومهمة تهم جميع السودانين بكل أطيافهم كافة من أجل الخروج الآمن من هذا النفق المظلم و التحول الديمقراطى الذى نسعى إليه جميعاً كهدف منشود ولكن لن تنطلق مسيرته بقوة إلا إذا كنا نملك الإرادة والصدق فى المسعى لجعل الحلم حقيقة وذلك عبر بسط المصالحة الوطنية الشاملة وإفشاء روح التسامح كركيزة للتفاهم والإتفاق والتحول الديمقراطى ليس حكراً على حزب أو مجموعة أو فئة بل مسؤولية الجميع ولذلك يجب أن تتضافر وتبذل من أجله جهود جماعية قوية وأن تنبنى مسيرته وفق الوضوح التام والمصداقية فى التناول وبسط المعرفة وسط الجماهير بالواقع المعاش والتطورات الجارية خلف كواليس السياسة واللقاءات التى تتم فى ظل التعتيم الذى تفرضه بعض الأقلام التى فرضت نفسها على الصحف ووسائل الإعلام المختلفة وهم يبيعون يومياً الكذب والوهم للجمهور بلا خجل ويتصدون بالإساءة وبكل ما جاء من كلمات جارحة لكل فرد ينادى بلا للحرب ويوقدون نيران الفرقة والتحريض والكراهية بين الناس دون أن يرمش لهم جفن ( الإختشو ماتوا ) .
الرئيس الأوغندى يورى موسيفنى بإستلامه ملف السلام السودانى يبقى هو الأمل الوحيد المتبقى لجلب الأمن والسلام للشعب السودانى وإسكات صوت البندقية وهوزعيم مؤهل لذلك لما يملك من مؤهلات عسكرية وخبرات سياسية كبيرة وهو لاعب أساسى على المستوى الأقليمى فى مجموعة دول إتحاد شرق أفريقيا والبحيرات العظمى منذ فترة طويلة وله نفوذ قوى على مستوى القارة الأفريقية ولكنه سوف يصتدم فى جهوده المقدرة لإحلال السلام بضبابية المواقف التى تتمثل فى إن الدعم السريع أبدى موافقته وإستعداده فى الجلوس للحوار والسلام بينما قادة الجيش ما زالوا يرفضون الحوار ويصرون بشدة على الحرب ويصرحون فى وسائل الإعلام المختلفة بأنهم سيقاتلون حتى أخر جندى رغم إنهم يعلمون تماماً بخطأ موقفهم هذا وإن كل الحروب إنتهت على طاولة التفاوض وأن ليس هناك بديل للحوار إلا الحوار إذا كان فى جدة أو كمبالا أو أى مكان فى العالم .
إن الحرب الدائرة فى السودان بكل قسوتها وتداعياتها أزاحت الستار عن المخبى وكشفت كافة الأجندة التى كانت مخفية وأسقطت كل الأقنعة التى كانت تخفى وجوه الشر وما يكنه البعض من بغض وكراهية لهذا الشعب السودانى الكريم وعدم إحترامهم لإرادته وأحلامه وطموحاته المشروعة فى الحياة الكريمة والتقدم وأظهرت زيف الشعارات التى كانوا يتخفون ورائها كذباً وما إطلاقهم لصيحات الحرب الآن من وراء نوبات من البكاء والعويل المتواصل إلا شاهد على فقدانهم تماماً لكل شىء حتى حلم العودة التى أصبحت مستحيلة .
إن وقف إطلاق النار ضرورة ملحة وتصبح هى نقطة الإنطلاق الأولى نحو إرساء قواعد الأمن والسلام و هذا يتطلب رضينا أو أبينا تدخل قوات أفريقية أو دولية كقوة محايدة لفك الأرتباط والفصل بين طرفى الصراع المتقاتلين فى خطوط الإلتماس العسكرى وجميع القوى المدنية المؤمنة بشعار لا للحرب تعلم تماماً إن السلام مسألة حتمية لإستعادة الدولة السودانية مهما طال الوقت أو قصر وسوف تعمل القوى المدنية المؤمنة بالسلام على إستمرار النضال اليومى بكل السبل حتى تتم هزيمة دعاة الحرب والدمار وقارعى طبوله ومهما طال أمد الحرب وإستمر إشتعال لهيب نيرانها ستكون هناك نهاية دون شك فى ذلك وتجارب الأمم والتاريخ تؤكد هذه الحتمية ( إذا لم تجد من يفهمك لا تتعلق بالعابرين ) .
akashaalsayed@yahoo.com

akashaalsayed@yahoo.com
////////

 

آراء