ماذا يريد برهان من شرق السودان؟ وما مغزى سياسة التهدئة والبرود التي يتخذها تجاه ملفات وأزمات (صنعت مركزيا)..وثم صارت لنا كوابيسا تنذر بصراعات تفجر الإقليم؟!!
أنا كمواطنة من شرق السودان، ومن أبناء البجا أصحاب الأرض والتاريخ، أكتب هذه الشهادة لأن الوضع لم يعد يحتمل الصمت. ما أكتبه ليس “مزاعم” بل وقائع نعيشها ونشهدها يومياً في ولايات الشرق الثلاث.
وكي لا يزايد علينا بعض” المستجدين” وكذلك بعض الذين لا يعرفون الكثير عن شرق السودان، أو بعض الذين وعيهم لا يزال متأثر بالبثوث المكثفة من غرف إعلامية سودانية وأجنبية..
أذكر الجميع بأنني كنت قد إنهمكت بجنون أيام ثورة ديسمبر المجيدة وقبل تكوين حكومة الشراكة ( الفترة الإنتقالية) في كتابة سلسلة مقالات وكذلك نقاشات لا تزال مبذولة على السايبر السوداني ..نبهت فيها كما نبه غيري من جمع غفير من المواطنين السودانيين ، وحذرنا جميعا من خطورة عديد من الخطوات والإجراءات التي أتخذت ..وآلت إلى كثير مما نعانيه الآن .
ولكن..
دعونا نتخطى هذه المقدمة التي قد تطول ، وثم ندلف إلى صلب الموضوع الخاص بملف شرق السودان.
“”””””””‘””
أولا سأذكر وقائع ثم أحللها منطقيا ومنهجيا :
الناظر ترق ناظر قبائل الهدندوة : صوت الحق المرفوض.
الناظر محمد الأمين ترك “ترق”، ناظر عموم قبائل الهدندوة ورئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة، ربما يعد هو أول رجل إدارة أهلية في الشرق كان الأعلى صوتا من ضمن الأصوات الرافضة لتوطين وتجنيس الأجانب وتغيير ديموغرافية الإقليم.
( وهذا مثبت في صحف الخرطوم ،وخلافاته وصراعاته مع بعض دهاقنة المؤتمر الوطني منذ عام ٣٠١٤م حول ملف تجنيس اللاجئين وتوطين بدون الكويت، وكذلك خلافاته المعروفة مع وزير داخلية الإنقاذ الأسبق المجنس إبراهيم محمود نافعوتاي إبن بلدة ‘إمبيرمي” في الساحل الإريتري) .
بعد انتفاضة أهل الشرق ضد تعيين ولاة من أصل إريتري لولايتي كسلا والقضارف وثم كذلك سمعنا بترشيح والي آخر من المجنسين لولاية البحر الأحمر ..
وثم تصاعدت الأحداث تصاعدا دراميا، عندما ظهرت شخصيات ما سمي زورا وبهتانا ب( مسار شرق السودان في إتفاقية محاصصة جوبا)…
هذا المسار الذي كان إريتريا بالكامل.
بل وتمت فيه عملية بيع وشراء ( حسب شهادة منى أركو مناوي في فيديو متداول وشهير ) !!!!
حينها، استشعر البجا الخطر، وفهموا حجم المؤآمرة عليهم وعلى إقليمهم .
فاجتمع وتكون المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة.
ومواقفه موثقة ببيانات رسمية:
29/8/2020م : بيان رفض مسار الشرق في اتفاقية جوبا.
21/12/2021م : بيان رفض تأجير ميناء الحاويات الجنوبي لشركة ألبيراك التركية، أو الشركة الفلبينية.
15/6/2022م: بيان رفض اتفاق مرسى أبو عمامة مع الإمارات ومحاولة رجل الأعمال أسامة داؤود الدخول شريكاً.
2021-2023م: بيانات ومقالات رفضت تسليح اللاجئين الإريتريين وصنع مليشيات لهم ورفضت دمجهم في الجيش السوداني.
يكرهون ترك لأنه قالها واضحة:
لا حل بدون البجا الأصلاء، ولا بيع للموانئ والأرض والتغول على حواكير القبائل بتحويل معسكرات اللاجئين في شرق السودان إلى قرى ومستوطنات نموذجية للاجئين.
ولا لولاة أجانب على ولايات الشرق .
“”””””'”””””””””
برهان ولعبة الموازنات الخطرة:
بعد أن إنقلب برهان على ( حكومة الشراكة الإنتقالية).
طلب من البجا الذين عاندتهم حكومة قحت وهاجمتهم إعلاميا وسخرت منهم ورفضت إلغاء ما يسمى بمسار الشرق المشؤوم ، وكذلك حاولت تفرض عليهم تأجير الميناء الجنوبي ( ميناء الحاويات) لشركة مشبوهة بحجة الخصخصة، وكذلك تجاهلت غضبهم من موضوع محاولة الاستيلاء على مرسى أبو عمامة شمال بورتسودان عبر شراكة إماراتية مع أسامة داؤود رجل الأعمال المعروف ..
طلب منهم برهان رفع حصار الميناء وفتح الطريق القومي مباشرة بعد الإنقلاب الذي كان يوم 25 أكتوبر 2021م
ولكنهم تمسكوا بمطالبهم، فمارس عليهم برهان نفس الأساليب التي كنا أنا وغيري من الكتاب قد حذرنا منها تحالف قحت أيام مفاوضاتهم مع لجنة البشير الأمنية.
ولأن أمثالي شهدوا ما أدت له أساليب العسكر هذه ..
تمسك معظمنا برفض فك الحصار حتى تستجاب مطالبنا .
ولكن، للأسف تغلب علينا التيار الذي وثق في برهان .
ومن الذكريات المؤلمة بالنسبة لي أن يوم رفع الحصار توافق مع يوم وفاة والدي في ساعات الصباح الأولى يوم 4 نوفمبر 2021م
“”””””””””””‘
ولم يف برهان بوعده طبعا، لا في هذا الموقف ولا في ما تلاه من مواقف حتى اللحظة، فهو يتلاعب بالجميع .
وهو حاليا فيما يختص بملف شرق السودان والذي يكاد يلي هذه الحرب مباشرة في مستوى الخطورة ..
يمارس معنا برهان سياسة ظاهرها المساندة وباطنها التآمر:
يستقبل الناظر ترك ويصرح بدعم “أهل الأرض”، وفي نفس الوقت يلمع ناظر اللاجئين إعلاميا ويحاول مساواته بالناظر ترق ناظر الهدندوة صاحب الأرض والتاريخ وكذلك بجميع نظار وعمد قبائل البجا الإحدى عشر ببطونها وفروعها ومحلياتها ال22 محلية ، يحاول يصنع ثنائية باطلة تاريخياً بين نظارة الهدندوة العريقة وبقية نظارات البجا الأصيلة، وبين نظارات بني عامر وحباب صنيعة الإنقاذ الحديثة النشأة والتي صارت مظلة لتجنيس وتوطين معسكرات اللاجئين الإريتريين ومئات الوافدين يومياً عبر الحدود هربا من بطش الدكتاتور أفورقي وقومه ونظامه الطبقي المتوحش.
سياسة الأرقط برهان هي “التهدئة والإرجاء” لملفات حساسة تؤرق أهل الإقليم. يتعامل معها كلعب عيال:
يكلف رئيس الوزراء “خيال المآتة” الذي يجهل كل شئ عن شرق السودان بمقابلة بروتوكولية مع الناظر ترك، ثم مقابلة أخرى مع (دقلل) بني عامر. مقابلات لا تثمن ولا تغني عن جوع.”
“””””””””””””””””
الوقائع التي نشهدها الآن في الشرق ونحمل برهان مسؤوليتها:
ما سأذكره وقائع وليس اتهامات، نشهدها بأعيننا:
مليشيات أجنبية مسلحة:
وجود مليشيات وعصابات إريترية بأسماء “حركة تحرير شرق السودان” و”الأورطة الشرقية”. قادتها ومنسوبيها يتحدون والي كسلا ويقيمون فعاليات غير مرخص بها، ويطوفون بالعلم الإريتري في شوارع كسلا والقضارف وبورتسودان.
مقرات داخل الدولة:
حكومة برهان منحت هذه المليشيات الأجنبية المدربة والمسلحة من دولة أجنبية مقاراً في بورتسودان والقضارف، ومنحت مليشيا “الأورطة الشرقية” وقائدها الأجنبي مقراً داخل حامية كسلا.
تحدي سلطة الدولة:
ناظر البني عامر تحدى قرار والي كسلا بمنع الإفطارات الجماعية، وذهب وشارك في الإفطار بمقر “حركة تحرير شرق السودان” في ريفي كسلا، ووقف جنباً إلى جنب مع قائد المليشيا المجنس إبراهيم دندن ابن منطقة جبل دندن الإريترية، الذي تحدى علناً هو ومنسوبيه بأنهم سيقيمون الإفطار “غصباً عن حكومة كسلا”.
خطاب الكراهية:
منسوبو ومؤيدو هذه المليشيات يرفعون صور قادتهم المجنسين ويمجدونهم ويشتمون يوميا قادة البجا ونظار وقبائل ونساء السودان في الوسائط، والحكومة لا تأبه.
شرارة الرتج – أبو دلالة، ونفاق التهدئة البرهاني المعتاد:
بعد الاشتباك الأول بين البشاريين والرشايدة حول منطقة الرتج تم حله عبر السالف العرفي بين النظار.
لكن فجأة خلال 3-4 أيام الماضية ظهرت ادعاءات بأن الرتج حاكورة رشايدة لأنهم صنعوا سوقاً فيها من العدم. حرك الفتنة شاعر رشيدي مقيم بالإمارات، وانتشرت فيديوهات لأشخاص من الرشايدة يتحدون البجا ويستعرضون السلاح الخفيف والدوشكات ويبشرون بالحرب.
( وهذا في أول مظهر غريب وسلوك غير مألوف ولم نشهده مطلقا من الرشايدة طوال تاريخهم معنا )!!!
“”””””””””””
البشاريون وكل البجا استجابوا للتحدي وحددوا يوم 20 يونيو 2026م كإنذار: إما الكف عن ادعاء الملكية أو إخلاء المنطقة.
قبل الموعد تدخلت الإدارة الأهلية وحلت المشكلة حسب الأعراف “سالف وقلد وواجاب” والحمد لله تمت التهدئة.
ولكن سرعان ما طل علينا برهان ملك الحلول الجزئية الباردة غير الحاسمة. أعاد مربع الفتنة بخطاب غامض ملتوي صاغه على شاكلة “باركوها يا جماعة”، كأنه يحل شجار طفلين في ساحة روضة كما قال المبدع المرحوم بهنس.
*الخلاصة: إلى متى نصبر؟
برهان يلعب بمكونات شرق السودان في لعبة موازنات خطرة يظن أنه يسيطر بها. حتى لو اضطرت هذه اللعبة لتهميش البجا أصحاب الأرض وحراس البوابة الشرقية منذ أقدم العصور.
يمارس سياسة التهدئة الخاوية ومسك العصا من المنتصف، ومساواة الوافد واللاجئ والدخيل مع صاحب الأرض والحواكير والتاريخ. ثم يظن أن البجا سيسكتون إلى الأبد على هذا الظلم؟
من يضمن لنا أن سياسة التهدئة الظالمة هذه ستجعل أهل الشرق يصبرون بلا نهاية على ادعاء الأرض والتاريخ؟ خاصة مع موضة ادعاء أرض البجا وتزوير معارك وهمية كما في قصة “الرتج” وتغيير اسم منطقة بجاوية لأرض الرشايدة.
*كلمتي الأخيرة:
نعم، الوطن يتسع للجميع، لمواطنيه ولضيوفه وحتى للاجئين الشرعيين …لكن باحترام السالف والقلد وحق صاحب الأرض اومن يظن أن البجا سيسكتون إلى الأبد فهو واهم.
فهذه الأرض التي نمشي عليها ليست ترابا.. بل دماء ورفات الأسلاف .
نطالب بحلول حاسمة الآن الآن وليس بعد إنتهاء حربكم العبثية هذه التي أشعلتموها بينكم ولا ندري متى ستنتهي.
وذلك قبل أن تتسبوا في تفجر حرب أخرى في الشرق يا فشلة.
فلقد بلغ السيل الزبى
آمنة أحمد مختار إيرا
23 Jun 2026
amnaaira3@gmail.com
