أعلن السيد رئيس الجمهورية منذ أسبوعين أن الأيام المقبلة ستشهد تشكيل اللجنة القومية للشروع في إعداد دستور دائم للبلاد، تحت إشراف رئاسة الجمهورية. والسؤال الذى يتبادر إلي الذهن في هذا الصدد لماذا الآن؟
الواضح هو أن الدستور الحالى هو دستور مؤقت، وأنه أعد بصفة رئيسية لحكم السودان في الفترة الإنتقالية التي إنتهت في 2011 . ولكن هذا في حد ذاته لا يحمل رداً شافياً على السؤال، فقد ظل الدستور سارياً طوال الفترة التي أعقبت الفترة الإنتقالية، وسيظل سارياً لحين إصدار الدستور الدائم، بموجب حكم الفقرة (9) من المادة 226 . فما الذي جد الآن؟ إذا كان الغرض هو مواجهة مسألة لا تعالجها أحكام الدستور الحالي، أو يستحسن تفادي أحكام الدستور الحالي لعلاجها، فالحل هو تعديل الدستور وليس إصدار دستور جديد.
في رأيي أن إصدار الدستور الدائم هو مهمة ملقاة على هذا الشعب يجب عليه أن يقوم بها، ولكنها ليست مهمة عاجلة. يجب أن تؤخذ المسألة كلها بإعتبارها كذلك، وتعالج بما تتطلبه من شروط.
الدستور هو مجموعة الأحكام التى تُحكم بموجبها دولة ما. فالدستور هو وثيقة الغرض منها إدارة الصراع السياسى فى الدولة، وهو يقوم بذلك بتحديد السلطات العامة فى الدولة، وكيفية توليها وممارستها. والدستور إذ يوزع الإختصاصات بين السلطات العامة فى الدولة، يحدد درجة الفصل والتداخل بين تلك السلطات، ويؤطر الرقابة المتبادلة بينها. ولكنه أيضاً وعلى وجه الخصوص يقوم بشكل أساسى بتحديد سلطات الدولة فى مواجهة الأفراد. عملية صناعة الدستور هى عملية تهدف لإنتاج مسودة دستور جديد، قادر على البقاء لفترة معقولة من الزمان يتم من خلاله إدارة الصراع السياسى فى الدولة، دون الإنزلاق للعنف. وهو أمر يجب التحسب له ليس فقط للأسباب العامة المتعلقة بصناعة أي دستور، ولكن أيضا لأن تاريخنا يكشف ببساطة عن فشل متكرر في التوصل لدستور لديه قدرة على البقاء لفترة معقولة.
فذلكة تاريخية
ولعله من المناسب أن نقول أن تاريخنا الدستوري لا يكشف عن أي إتفاق ضم القوى السياسية الرئيسية على صياغة دستور دائم، وإن كان الإتفاق قد إنعقد مرتان على الأقل على دستور مؤقت، وفي المرتين كان محل الإتفاق هو دستور 1956 مع تعديلات طفيفة، رغم أنه دستور لم يكن للسودانيين في صياغته دور كبير، حيث أنه لا يحوي إلا على تعديل طفيف على أحكام قانون الحكم الذاتي، والذي تمت صياغته بواسطة الحكم البريطاني بالإستناد الي أحكام إتفاقية 1953 وتقرير لجنة ستانلي بيكر. وقد أدخلت عليه تعديلات بسيطة مثل تكوين مجلس السيادة بدلا عن الحاكم العام ومجلسه الإستشاري، ليحكم السودان عقب إعلان الإستقلال بقرار من البرلمان.
والسبب الرئيسي لإختيار ذلك الدستور، في رأيي، يعود لكونه دستور ديمقراطي يخضع الحكام لإرادة الحاكم، وبالتالي لم تجد القوى السياسية خيرا من الإحتكام إليه كدستور مؤقت، لحين التوصل لدستور يتم التوافق عليه، وهو أمر لم تفلح القوى السياسية في إنجازه في المرتين.
وعليه فإنه يمكننا أن نقول أن هنالك دستورين فقط تمت صياغتهما كعمل نهائي وهما دستور 1973 المسمى دستور السودان الدائم ودستور 1998 و لم يحمل أيا من الدستورين عناصر توفر له أسباب البقاء لمدة معقولة. فسقط الأول بعد إثني عشر عاما والثاني سنوات سبع. مما يجعلنا ننظر في الأسباب التي توفر للدستور عنصر البقاء
الشروط الأولية للقيام بصياغة مسودة الدستور من حيث الشكل
تكوين المفوضية الدستورية
الذي لا يستطيع أن يماري فيه أحد، هو أن الدستورين، 73 و98 ، كانا تعبيراً عن إرادة جناح واحد من الأجنحة السياسية المشكل منها المجتمع السياسي السوداني. فقد صاغ دستور 73 أنصار الإنقلاب المايوى من الإتجاه اليميني الذين كُتِب له الغلبة حين فشل إنقلاب 19 يوليو. أما دستور 1998 فقد قام بالصياغة النهائية له أحد أجنحة الإسلاميين. وبالتالى فإن أول المحاذير التي يتوجب عدم الوقوع فيها اذا أردنا أن نقوم بصياغة دستور يتوفر له القدرة على البقاء لزمن معقول، هو أن تتم صياغة المسودة بواسطة مفوضية دستورية تضم جميع القوى الفاعلة في المجتمع السوداني. وهذا يشمل الأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، و العمالية، ومنظمات المجتمع المدني، كما يشمل التيارات المجتمعية المؤثرة، وأن يراعى في التمثيل داخل اللجنة أو الهيئة التنوع الإثنى والثقافي والديني داخل المجتمع السوداني وكذلك بصفة خاصة التمثيل الجندري الفاعل. كذلك فإنه يجب أن يترك لهم الزمن الكافي حتى تأتى المسودة كنتاج لعملية حوار مستمر تستقطب المكونات الفاعلة فى المجتمع، للتوصل لإطار مقبول لإدارة الصراع السياسى بينها.
تكوين المفوضية التي تباشر الصياغة على النحو المذكور يحتاج لعدد كبير من الأعضاء، وهو ما يُصعِّب عملها، ما لم تضم هيئة داخلية مكونة من مجموعة مصغرة تمثل التيارات السياسية الرئيسة، يتم في داخلها الإتفاق على المبادئ الرئيسية للدستور، في شكل إقتراحات لإجازتها بواسطة الهيئة العامة. كذلك فيجب أن تدعم المفوضية بلجنة فنية موازية تستوعب أصحاب الخبرات الفنية في الصياغة، والمعرفة بالمبادئ الدستورية المختلفة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه مستودع الأفكار أو ال think tank. وتتكون من مجموعة مصغرة تضم علماء دستوريين ومفكرين يمثلون الإتجاهات السياسية المختلفة ليقوموا بدور ذي طبيعة مزدوجة: الأول هو المساعدة في التوصل لحلول فيما يتعلق بالأفكار المتعارضة داخل الهيئة المصغرة، وذلك على ضوء إستدعاء خبرات الأمم المختلفة. والثاني صياغة المبادئ الرئسية في المسودة لعرضها على الهيئة الكبيرة لإجازتها إجازة نهائية.
تبدأ المفوضية عملها بإجازة المبادئ التي يجب أن يتضمنها الدستور والتي نطلق عليها المبادئ فوق الدستورية، والتي سنتعرض لها تفصيلاً لاحقا، وسيساعدها في إستنباطها اللجنة الفنية. وهى بشكل عام خضوع الحكومة للمحاسبة الشعبية، والتبادل السلمى للسلطة، وإستقلال الاجهزة الدائمة للدولة، عن كل التكوينات الحزبية والسياسية، والفصل بين السلطات فى حدود التوازن، والمراقبة المتبادلة، وضمان إستقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، والتكوينات السياسية، وقبول ضرورة أن يتضمن الدستور وثيقة الحقوق على نسق الوثائق الدولية المقبولة.
تقوم المفوضية بعد ذلك بمناقشة المسودات الدستورية التى تقدم لها من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، ومن عموم الشعب، لمناقشتها فى جلسات مفتوحة، وذلك بغرض التوصل لمسودة واحدة يتم صياغتها وعرض أبوابها الرئيسية على الشعب فى إجتماعات على كافة المستويات، في الولايات المختلفة بنقاشها داخل ورش عمل تُعقد خصيصا لنقاش تلك الأبواب المجازة بشكل أولي من الهيئة العامة. على أن تتم تلك الورش في مختلف المراكز داخل الولاية المعينة بحيث يتم تحسس مدى قبول المسودة داخل الولاية . وهذا يقتضي زمنا طويلاً ولكنها عملية مفيدة جداً في التوصل لرغبات الشعب، وحتى يتمتع الشعب بإختيار مدرك حين يحدد رأيا حولها. عقب ذلك تقوم المفوضية بإقتراح مسودة موحدة يتم عرضها على آلية يتم تكوينها خصيصا للتيقن من أن المسودة تحتوى على المبادئ فوق الدستورية، لتتم بعد ذلك إجازتها بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة، ومن ثم عرضها على الشعب لإجازتها بإستفتاء
تهيئة الجو لصياغة الدستور
لا يمكن أن يتم التوصل لدستور توافقى فى ظل حكم حزب واحد، كما ولا يصح للحزب الحاكم أن يتمسك بالإنفراد بالحكم، إذا كان صادقا في رغبته في صياغة دستور دائم. لا بد من تبنى وضعا يوفر حريات ديمقراطية واسعة تمكن من إجراء نقاش مفتوح وعميق ،حتى تتم صناعة دستور ديمقراطي. ما نقترحه فى هذا الصدد هو الإتفاق على إعلان دستوري لتهيئة الجو للمفوضية لتقوم بمهامها. وفقا لذلك فإنني أقترح إصدار إعلان دستوري يحكم فترة إنتقالية جديدة يتم فيه تبنى أحكام الدستور الإنتقالي الحالي، فيما يتعلق بوثيقة الحقوق والنظام الرئاسي، والفيدرالي، والأحكام الموجهة المتعلقة بالتعدد، وإستخدام اللغات المحلية. ويتم بموجبه تكوين مفوضية الدستور على النحو السابق الإشارة له، لتتولى صياغة مسودة الدستور. وحتى تقوم هذه المفوضية بدورها على الوجه المطلوب أقترح تكوين حكومة من شخصيات قومية ومهنية مكلفة بإطلاق الحريات العامة، وتوفير إستقلال جهاز الدولة عن أي تأثيرات حزبية، وإنهاء الحرب الدائرة في دارفور والمنطقتين، وإصدار قانون يتم بموجبه تكوين آلية، عقب وقف الحرب، لإنهاء المرارات عن طريق ما هو معروف بالحقيقة والمصالحة، حيث يتم العفو مقابل الإعتراف العلني بالجرائم مما يوفر مصالحة بين المكونات المختلفة للجهات المتنازعة، ويحافظ على النسيج الإجتماعي. كما وتقوم الحكومة برفع الأمر للمجتمع الدولي، لتبني قرار يتم فيه حل كل المسائل المتعلقة بالإنتهاكات التي وقعت أثناء الحرب الأهلية في مناطق النزاع، من خلال آلية الحقيقة والمصالحة، وشطب الدعاوى المتصلة أمام المحكمة الجنائية الدولية.
الشروط الأولية للقيام بصياغة مسودة الدستور من حيث الموضوع
دستور ديمقراطي
الدستور القادر على البقاء لفترة معقولة من الزمان، هو بالضرورة دستور ديمقراطي. والدستور الديمقراطي ليس نمطاً واحداً، فقد يكون دستوراً لدولة متحدة، أو فيدرالية، كما وقد يكون دستوراً يقيم نظاماً جمهورياً، أو ملكياً. والنظام الجمهوري، قد يكون برلمانيا أو رئاسياً، أو خليط بين الإثنين. وبعض الدساتير أشد تمسكاً بالفصل بين السلطات من غيرها. فى حين يعتمد البعض على مراقبة السلطات لبعضها البعض. وكل هذه الأشكال الدستورية من الممكن أن تكون ديمقراطية أو إستبدادية، والفرق بينها أشار له بوبر حين عرفها في كتابه “المجتمع المفتوح وأعداؤه” بأنها ” النظام الذي يسمح بإزاحة الحكام دون اللجوء الي القوة “. وهذا يعنى خضوع الحكام لمحاسبة الشعب للمدى الذى يسمح للشعب بتغيير حكامه بإستخدام الآليات التى يوفرها الدستور. ديمقراطية الدستور فى تقديرنا تبدأ وتنتهى فى وثيقة الحقوق. أساس وثيقة الحقوق حدده ماديسون فى خطابه للمؤتمر الذى أقر التعديلات العشر الأوائل فى الدستور الأمريكى المعروفة بوثيقة الحقوق بقوله” أساس وثيقة الحقوق هو أن تقوم بتحديد سلطات الحكومة، وتؤطرها، بأن تخرج من نطاق تلك السلطات تلك الحالات التى يمتنع فيها على الحكومة أن تفعل شيئاً، أو أن تفعل ذلك الشئ فقط بطريقة معينة. “
الديمقراطية في جوهرها تقوم على قبول التعددية السياسية، والإثنية، والثقافية، والدينية، بما تفرضه من مشاركة في إتخاذ القرار. وهذا القبول ليس تفضلا من أحد، بل هو ضرورة لتفادي العنف. لأن التعددية لم تنشأ نتيجة قرار أخذته السلطة بحيث يجوز لها أن تتراجع عنه، بل هو واقع فرض نفسه على تكوين البلد، بفعل عوامل متعددة ليس هنا مجال بحثها، ولكن يكفي أن نقول أن البديل للقبول بها هو الحرب الأهلية التي إكتوينا بنارها على مدى تاريخنا كبلد مستقل.
لكي يتمتع الدستور بقدر مقبول من القدرة على البقاء لفترة معقولة يجب أن يلبي الأشواق المشروعة للأغلبية، بشرط أن يتفادى بشكل لا شبهة فيه، المخاوف المشروعة أيضا للأقلية.
وهذا يتم عن طريق تفادي طغيان الأغلبية وهو أمر لا يتم التوصل إليه إلا عبر الضمانات التي توفرها المبادئ فوق الدستورية
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم