يا سهير عبد الرحيم لم يكن وزير الري كاذبا.. لكنه التفكير الرغبوي .. بقلم: د. محمد عبد الحميد
12 أبريل, 2021
محمد عبد الحميد
91 زيارة
لم تكن الأستاذة الصحفية سهير عبد الرحيم، رحيمةً أو رفقيةً بالسيد وزير الري ياسر عباس ، كما كانت الإلهة أفروديت Aphrodite أو فينوس إلاهة الحب في الأساطير الإغريقية رفيقةٌ بالنحات بيغماليون Pygmalion في تلك القصة الميثولوجية.
فقد روت الأسطورة أن بيغماليون تزوج من تمثال المرأة التي نحتها من العاج على أبدع ما يكون وأطلق عليها اسم جيلاتيا ، ووقع في غرامها لدرجة الهيام، حيث جاءت إلاهة الحب افرودت و نفخت فيها الروح بحسب ما تروي الأسطورة ليتزوجها وينجبا إبنيهما بافوس تتويجاً لذلك الزواج.
ربما كانت الأستاذة الصحفية محقة في رفضها فكرة التحول الكبير الذي قدرته ب ١٨٠ درجة في موقف الوزير لحد وصفها إياه “بالكذب” لأنه ببساطة لم يكن من السهل عليها أن تستوعب هول هذا التحول المفاجئ في الموقف، فقد عزت ذلك لدخول القاهرة على الخط وحولت موقف السودان على ما بدى لها من النقيض الي النقيض. فقد أخذ وزير الري يردد في الآونة الأخيرة أن السد الأثيوبي يشكل خطراً على ٢٠ مليون سوداني. وربما كانت محقة أيضاً فيما أصابها من صدمة، نتيجة ذلك التحول وهو بالفعل تحول يصعب على العديد من المراقبين والمتابعين لقضية السد استيعابه تأسيساً على حالة هيام الوزير وافتتانه بالسد مثلما هام وأفتتن بيغماليون بتمثاله.
الواضح من مجمل سياق حديث الأستاذة الصحفية أن الوزير قد جمع الصحفيين بإعتبارهم قادة رأي يمكنهم التأثير على الرأي العام إذا ما تم تنويرهم من طرف واحد “بالموقف الفني الصحيح من السد”. ليسهموا في عملية التعبئة لصالح الموقف الحكومي الرسمي الموافق على قيام السد إبتداءً. فقد كانت وبحسب ما أوردت الأستاذة الصحفية كلمات الوزير قاطعة حاسمة جازمة إذ تروي على لسانه :(إن فوائد السد للسودان لا تُعد ولا تُصحى وذلك لا يعني أنه لا توجد مساوئ ولكن الإيجابيات أكثر بكثير. وقال بالحرف الواحد لو طالبنا إثيوبيا بتعويضنا عن المساوئ المترتبة على السد فستطالبنا بالإيجابيات وعندها سنكون مدينون لها). كما أوردت على لسانه أيضا حول إمكانية انهيار السد قوله مطمئناً :(إن كل النواحي الفنية مليون في المية و أن السد بعيد جداً عن حزام الزلازل .. الخ) هذا “القطع الجائر” بالحقائق من قِبل الوزير هو عين ما يُسمى بالتفكير الرغبوي وهو تفكير يقود لخلاصات لايملك صاحبها ازاء حدوثها أو عدمه أي ضمانة، اللهم إلا إذا ما أطلت من وراء السديم إلاهة مثل افرودت التي قدمت المكافأة للنحات بيغماليون على عشقه للتمثال الذي نحته، يمكن أن تحول تلك الأماني الرغبوية لواقع معاش. غير أن ذلك لا يكون إلا في الأساطير. لذلك فإن وقع الصدمة في تحول موقف الوزير ١٨٠ درجة قد حدا بالأستاذة الصحفية لدمغ الوزير “بالكذب” ، فالواقع يشير الي أن الوزير لم يكن يتحرى الكذب بقدر ما كان مدفوع بالتفكير الرغبوي وهو ذات الشئ الذي دفعه لأن يستبعد إعمال مناهج تحليل علمية مستمدة من علم إدارة مخاطر الكوارث والتي تقضي بأن يتصف التنوير بشئ من وضع احتمالات probabilities في الحسبان، لأن في الأصل هذا العلم يُعنى بإحتمالات المخاطر التي قد تسببها المشروعات التنموية ، مهما كانت ضئيلة ويحيلها الي تحليل تتم فيه المقارنة مع الأثر Impact. فيما يعرف بعملية تقييم المخاطر Risk assessment ليكون القرار أو الموقف من أي مشروع تنموي كُبر أم صُغر ، مبنى على معرفة بالمخاطر Risk informed.
إن اللغة التي استخدمها الوزير حسب ما أوردت الصحفية “مليون المية” لغة مرفوضة علمياً من وجهة نظر علم إدارة مخاطر الكوارث. فالظاهر أن الوزير إما أنه يجهل هذا العلم، أو أنه لا يلقي له بالاً. لذلك لا يُستغرب والحالة هكذا تذرعه بنفسية مفعمة بالتفكير الرغبوي wishful thinking الذي يقود لخلاصات مخادعة مؤسسة على الأماني بمقدمات لا تحفل بالدليل والبرهان، تقود في النهاية لخلاصات خاطئة قد تظهر لصاحبها وكأنها صحيحة لكنها من فرط الأماني لا تبدو له كذلك. لذلك فالوزير قد ذهب بهذا المنطق الجازم المجافي للعلم (مليون المية) لإحتمالات لا يملك فيها يداً، وإنما تتحكم فيها الطبيعة بنسبة عالية هذا فضل عن دور الإنسان، وهذا ما يُسمى في علم إدارة مخاطر الكوارث (بالاخطار Hazards) وهي ظواهر أو أحداث لا يمكن الجزم بوقوعها، وإنما يمكن التنبؤ بحدوثها من خلال ما يُعرف في نفس العلم بالإنذار المبكر Early warning.
عموماً لقد قسا الوزير على نفسه بإستخدام لغة الجزم في قضية تنفتح على احتمالات عديدة، قبل أن تقسو عليه الأستاذة الصحفية. وذلك نتيجة طبيعية عندما يستسلم الإنسان للتفكير الرغبوي.
د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية