لاشك ان هنالك حالة إحباط عام من عدم تحقيق العدالة وكشف المتورطين في مجزرة فض الاعتصام، وأن الحكومة الانتقالية قد تباطأت في هذا الملف الشائك والمعقد. مع صدق الاعتقاد بأن ما تكشف حتى الآن يشير بأصابع الاتهام لجهات معينة تشمل وبشكل واضح الطرف العسكري المشكل للشراكة الحالية. وهو اتهام مبني على كثير من الشواهد الموضوعية التي لا ترتقي للشك ليس أقلاها ان المجلس العسكري وقتها كان المسؤول الأول عن ادارة البلاد De facto وأن المجزرة وقعت في حرم القيادة العامة هي مسؤوليته بشكل مباشر، هذا فضلا عن التصريح المشهور للفريق الكباشي عضو المجلس وقتذاك الذي سرد تفاصيل المخطط لفض الاعتصام. وما اظهرته التسجيلات المصورة من أن التشكيلات الميلشياوية وهي ترتدي زيها المميز يشير الي تورط واضح من قبل المجلس العسكري وقتها في هذه المجزرة.
مهما يكن من امر، فقد ترسبت تلك المجزرة في المخيلة الجمعية كواحدة من أفظع جرائم القتل الجماعي في الآونة الأخيرة، وعليها ترتب وجوب تحقيق العدالة والقصاص العادل لكل الشهداء والجرحى والمفقودين وحتى لعموم أهل السودان الذين أُصيبوا بصدمة مروعة جراء فظاعة ما “حدس”. غير أنه وبرغم ان الوجدان السوداني العام صار مثخناً بالجراح والندوب البائنة كان لابد للعلمية السياسية من أن تستمر. وأن نوعاً من المساومة السياسية لابد ان يتم وأن تتحقق بعض الأهداف التي طرحتها الثورة وهو الانتقال لحالة حكم مدني ديمقراطي تُصفى من خلاله تركة النظام السباق ليُصار لوطن تتحقق فيه احلام الثوار وتتجسد فيه شعارات الثورة في الحرية والسلام والعدالة… ولما كانت العملية السياسية في جوهرها تختلف عن الفعل الثوري، فقد لجأت قوى الثورة ممثلة في قوى الحرية والتغيير آنذاك مرغمة للخضوع لما يمكن تسميته ب (توازن الضعف) الذي تسٌيد المشهد بين العساكر والمدنيين، فكانت الشراكة الحالية وهي الشراكة التي تمخضت عن العملية السياسية. بمعنى أنها قدمت صيغة للتوافق بين قوى الثورة وبين قوى الثورة المضادة. وهي صيغة على شذوذها إلا أنها عبٌرت عن حالة انتقال في وضع عالمثالثي يحيط به اقليم يعاف لا بل يمقت حركات التحرر النازعة نحو بناء نظام ديمقراطي ليبرالي تتجسد فيه الارادة الشعبية بوصفها لحمة وسداة العملية السياسية برمتها. والمتابع الحصيف والمنصف لتلك المساومة يجد أنها وجدت تأييداً شعبياً غير مسبوق حيث تدفقت غداة توقيع ذلك الأتفاق الجماهير الثورية للشوراع هاتفة بمدنية الدولة. وبذلك انطلقت عملية سياسية معقدة للعبور بهذه الفترة الي فضاء البناء وترميم الذات. وقد عبر السيد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في اكثر من موقف عن هذه الشراكة بأنها نموذج للإنتقال يمكن ان يُحتذى في كثير من الحالات ذات الظروف المشابهة. غير أنه ومع تداخل وتقاطع العديد من الأجندات للعديد من الفاعلين من الواضح أنه لم يتم الصبر على العملية السياسية فبدأت لغة التخوين بأن الشراكة الحالية هي “شراكة دم” مما ينطوي على نوع من التهم الفظيعة في حق الشق المدني في التفريط في دماء الشهداء، وهذا حكم قاسي اخلاقياً و عاطفي لا يسنده أي دليل أو برهان و لا يقوم عل حجج منطقية. وهو من نوع التهم التي يتم فيها التخوين بالمجان. وللأسف فإنه حتى من يقف مع هذا الاتهام الآن يحاول أن ينخرط في ذات العملية السياسية المعقدة والدليل على ذلك أن لجان المقاومة على سبيل المثال تطالب بالحصول على ما نسبته 51٪ من مقاعد المجلس التشريعي. وتصر على أن يكون مجلساً ثورياً وهذا مطلب لا يستقيم مع منطق الأشياء. فمن ناحية هي تريد ان تنخرط في ذات العملية السياسية التي تدين طرفها المدني في واحدة من مؤسساتها المزمعة(المجلس التشريعي) في الوقت الذي تكيل فيه كل اسباب التخوين للمكون المدني في العملية السياسية… ومع كامل تحفظي الشخصي كدارس للعلوم السياسية على وجود مجلس تشريعي غير منتخب ديمقراطياً، فان المطالبة بأي نسبة في هذه المؤسسة هو اعتراف بالعملية السياسية التي افضت لهذا الواقع، وبالتالي ينزع الثوب الذي تتدثر به لجان المقاومة من النقاء والطهر الثوريين الذي تصور نفسها أنها تتمثلهما وهذا الأمر ينطبق بذات المنطق على الحزب الشيوعي السوداني الذي رضي ابتداءً بالدخول في العملية السياسية مع بقية رفقائه في الحرية والتغيير… فلا لجان المقاومة ولا الحزب الشيوعي قد عبروا عن استنكارهم لمُخرج العملية السياسية بما فيها التمثيل في المجلس التشريعي، فكلاهما لا يملك الضمانات التي تحقق العدالة للشهداء في ظل وجود نفس المكون العسكري المتهم بالمجزرة، اللهم الا اذا توافق الجميع على عملية حقيقة ومصالحةTruth & Reconciliation تنتظم البلاد على غرار ما حدث في رواندا وجنوب أفريقيا.
تبقى هنا حقيقة لابد من التركيز عليها وهي أن الرضا بالدخول في عملية سياسية مع العسكر يستوجب نفساً سياسياً طويلاً. وان العلمية السياسية في حد ذاتها توصد الباب أمام الفعل الثوري لأن العملية السياسية في جوهرها هي عملية مساومة ناجمة عن حالة توازن ضعف لم يكن فيها أحد منتصراً لا المكون العسكري، ولا الشق المدني بمن فيهم الثوار أنفسهم. لذلك فإن وصف ناتج هذه العملية المتمثل في الشراكة بأنها “شراكة دم” فوق انه لا ينهض على دليل فهو وصف تخويني قائم على إنفعال وجداني لا تدعمه شواهد ويعمل على تقويض العملية السياسية التي ارتضاها الجميع ونزلوا الشارع مباركين لها باعتبار أنها المدخل الوحيد المفضي لحقن الدماء.
د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم