تقول الكاتبة في بداية الكتاب الذي يبدو كسيرة ذاتية أو سيرة عائلية أو هي سيرة لعائلة في تشيلي قبل وأثناء وبعد حكم الدكتاتورية البغيض ، وإن لم يكن ذلك محور الكتاب الأساسي – أي التعرض لفترة الدكاتور بينوشيت – ، تقول الكاتبة أن ثمة حدثان شكلا دافعاً لكتابة هذا الكتاب . أولهما طمأنة حفيدها لها بالقول ” لا تخافي يا عجوزي ، ستعيشين ثلاث سنوات أخرى على الأقل ” . والثاني سؤال غريبٍ لا تعرفه لها في ندوةٍ ، عن دور الحنين في كتاباتها.
الكتاب في مجمله مكتوب بلغة الحنين ولا يقدح ذلك بالطبع من قيمته التوثيقية أو قل الوصفية لتلك المرحلة من حياة الناس في تشيلي . غير أنك لاشك مكتشف تشابه حيوات الناس على هذا الكوكب وتشابه مصائرهم وإنِ اختلفت طرق ذلك . إنّ الناس يفكرون بالطريقة ذاتها وإنْ بأساليب مختلفة بعض الشيء . وكقاريء من بلاد السودان ، فقد هالني ذلك التشابه العجيب في الكثير من تفاصيل الحياة والأشياء بين بلاد الكاتبة والسودان . خطر لي بعد قراءة الكتاب للمرة الثانية أن السودان بلدٌ سقط سهواً من أميركا اللاتينية !
تتحدث الكاتبة عن كيف ينكر الناس في تشيلي وجود مشاكل العنصرية ، وتتعجب كيف يجرؤ الناس على ذلك ونظام الطبقات متجذر مثل الأضراس على حد وصفها ، وتضرب لذلك أمثلة.
كذلك تتحدث الكاتبة عن الفخار الوطني الذي يجعل الناس على يقين بأن نساء تشيلي هنّ الأجمل في العالم وطقسها مثالي ثم ، وللغرابة ، أنّ علم تشيلي قد فاز في مسابقة دولية غامضة ( هل يذكرنا هذا الكلام بأي أناس نعرفهم ؟) .
في الكتاب الكثير من الملاحظات المكتوبة بلغة التقطتها عين لمّاحة ، وذلك ليس بغريب على ايزابيل الليندي ، من ذلك تفسير الكاتبة عن صفة الحسد لدي التشيليين بأنها ليست حسداً ، بل شعور عام بأن النجاح أمر غير طبيعي . ربما خطر ببالك هنا المقولات المنتشرة بين السودانيين في تفسير انتشار الحسد في مجتمعاتهم ، وعلى كل حال فلا تخفى محاربة مجتمعاتنا للمتميز فيها والخارج عن ثقافة القطيع .
تتحدث الكاتبة كذلك عن الذكورية المسيطرة في مجتمعات تشيلي ، وعن قيم الكرم والضيافة وغير ذلك مما يعد من باب الفخار الوطني . غير أن المتعة الأكبر في الكتاب هي في مقدرة الكاتبة على القفز ثم العودة إلى حقب زمنية مختلفة دون أن يخل ذلك بسلاسة السرد وارتباطه .
سوف تكتشف بعد قراءتك للكتاب أن الجروح التي يخلفها القهر والدكتاتوريات على أرواح الناس هي نفسها ، أن مقاومة الناس للقهر والظلم تتفاوت وأن خوفهم من الدكتاتور قد يتطاول ولكنهم في النهاية يكتشفون أنهم الأقوي . لقد كان دكتاتور تشيلي بينوشيت كما وصفته الكاتبة يظن أنه مختار من الله والتاريخ لأنقاذ الوطن ، ويحب النياشين والطقوس العسكرية ، وكان مكّاراً وعديم ثقة ، كريم الخُلُق وربما ظريفاً ومحبوباً من بعضهم ، مكروهاً من آخرين ومهاباً من الجميع . رغم ذلك فان نهاية بينوشيت الدكتاتور لجديرة بالتأمل كما هي مصائر الطغاة على مر الأزمان والأمكنة . ورغم أن الكتاب لا يتطرق لذلك بالكثير من التفاصيل فقصة توقيف الجنرال بواسطة قاض أسباني في لندن معروفة . المدهش بعد ذلك كان في رد فعل الجمهور غير المصدق لانهيار هالة السطوة بتلك الهشاشة . فعلى الرغم من أن بينوشيت كان قد ترك الحكم قبلها بسنوات فان سطوته والخوف منه وشبكة الرعب التي بناها كانت لا تزال تعمل . وكان من حسن طالع الكاتبة أن كانت في سانتياغو وقتها ، حيث خرج الناس في الشوارع متظاهرين منددين أول الأمر بانتهاك كرامة البلاد (!) ، مطالبين باعلان الحرب على انجلترا ( مرة أخرى هل يذكرنا ذلك بأناس نعرفهم في مسألة كرامة البلاد ؟ ) ، وتحدثت الصحف الخائفة عن إهانة صاحب السعادة عضو مجلس الشيوخ الأبدي … الخ ، ثم تروي الكاتبة كيف أن تلك النبرة قد تغيرت بعد أسبوع واحد وصمت العسكر وتحول اسم صاحب السعادة إلى الدكتاتور الموقوف في لندن ! يا لتشابه الأقدار مرة أخرى !
الكتاب جدير بالقراءة دون شك كما غالب كتب الكاتبة التشيلية ايزابيل الليندي ، غير أن هذا الكتاب بالذات ستخرج بعد قراءته بشعور إن لم يكن بيقين جازم بأن السودان قطرٌ سقط سهواً من قارة أميركا اللاتينية .
نشرت الترجمة العربية للكتاب في طبعته الأولى بواسطة ورد للطباعة والنشر والتوزيع ، دمشق ، سوريا ، في العام 2004.
يقع الكتاب في نحو 190 صفحة من القطع المتوسط والترجمة من انجاز المترجم رفعت عطية.
wmelamin@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم