أحاديث السد الإثيوبي ولغة الوزيرة .. إستخفافٌ أم عدم بصيرة؟! .. بقلم: د. محمد عبد الحميد

تابعت الفيديو المنتشر بكثافة على الفيسبوك للسيدة وزيرة الخارجية حول السد الإثيوبي و المبثوث بعناية لإظهارها بمظهر من لا يحتكم على لغة إنجليزية جيدة. مع سيل قميء من التهكم ومقارنتها بوزير الدفاع السابق عبد الرحيم محمد حسين حينما ظهر ذات مؤتمر صحفي حول الخلافات على الحدود الجغرافية بين السودان وجنوب السودان واستخدم كلمات باللغة الإنجليزية لا يتيسر للمرء فهمها أو تفسيرها ، وخلع ذلك اللقب الكوميدي عليها. وقد تأملت المقطع بعقل ناقد، وعين فاحصة، لأجد مبرراً لذلك السيل المتهافت من النقد اللاذع الذي وُجه إليها، واستدعى كل تلك التعليقات الساخرة فأخذت أعيد الإستماع إليه مرة إثر مرة.
والحق أن الوزيرة تحدثت بلغة إنجليزية واضحة وسليمة رغم أنها مثقلة بلكنة سودانية heavily accented language، وهذا ليس عيب فاللغة الإنجليزية ليست لغة الوزيرة الأم، ولكل أهل دولة طريقة معينة في نطق اللغة. فالطريقة الأمريكية غير الانجليزية والهندية غير الكندية والاسترالية غير الكينية ويكاد يكون معظم السودانيون يتكلمون الانجليزية “بالآكسنت” السودانية. فبالرجوع للمقطع فإن الوزيرة قالت بالحرف الواحد (It is not – how to put it – good enough) ورغم أنها كررت بعض الكلمات في الجملة مع العديد من التأتأة وهي بالمناسبة حالة عادية ومعظم السودانيون يرددون هذه التأتأة في حديثهم حتى باللغة العربية للتذكّر وتجميع الأفكار ولا يكاد يتحدث متحدث منهم إلا وردد آآآآ آآآآ بشكل واعي أو غير واعي. وليس في ذلك ما يعيب سلامة اللغة بالدرجة التي تجعل المستمع يصل لدرجة التهكم بإستلاف سؤال الممثل يونس شلبي في مسرحية مدرسة المشاغبين (ده انجليزي ده يا مرسي؟!).
ما قالته السيدة وزيرة الخارجية في المؤتمر الصحفي لغة انجليزية سليمة من ناحية اختيار الكلمات ومن ناحية قواعد اللغة وحتى من ناحية الإستدراك ب How to put it. فكل مَن يعرف اللغة الانجليزية وقواعدها لا يمكن أن يقول إن وزيرة الخارجية قد اخطأت في استخدام اللغة الإنجليزية، اللهم إلا إن كان في ذلك غرض آخر. أو أن لغته تَقُعد به ولا تؤهله للحكم على لغة الآخرين.
على عموم الأمر، فإن الخلاف وآدابه تقتضي النفاذ لجوهر الموقف الرسمي من القضية التي كانت تتحدث حولها السيدة الوزيرة وهي قضية السد الإثيوبي، وهو موقف مبني على فرضيات خاطئة منذ ما يقرب العقد من الزمان وضعت السودان تحت رحمة المشيئة الإثيوبية، وراح يبحث عن الدعم في أروقة الأمم المتحدة، التي ردته على عقبيه يلعق جراح الخيبة والحسرة لفرطه في الأماني من أن سد إثيوبيا سيجلب فوائد جمة للسودان. وهذا للأسف ما بدأت به خطابها في جلسة مجلس الأمن. فالأمر لا يتعلق بلغة الوزيرة، ولا ذرابة لسانها وفصاحة لغتها، ورصانة خطابها ، فالمقام في نهاية المطاف ليس مقام تهكم، وإنما كان الأمر في الأصل عدم استبصار لهول مصيبة كانوا يَمنّون أنفسهم الأماني لقيامها. ولما إنتصب السد شيطاناً يعرقل تدفقات المياه على مجرى النهر الخالد، ولما عجزت الحيل عن كيفية تشغيل ما وراءه من سدود، وباتت حيواتهم رهينة بتدفق المعلومات، راحوا ينشدون السند والدعم من الأسرة الدولية.
د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية

عن محمد عبد الحميد

محمد عبد الحميد

شاهد أيضاً

قراءة نقدية في كتاب “كفاحي” لهتلر.. كيف صعد هذا الجاهل لسدة الحكم في ألمانيا؟

كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميدwadrajab222@gmail.com نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن …

اترك تعليقاً