علم النفس الفلسفي الاستخلافي: محاوله فى علم النفس الفلسفي الإسلامي المعاصر .. بقلم: د. صبرى محمد خليل

د. صبرى محمد خليل/ أستاذ فلسفه القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم

Sabri.m.khalil@gmail.com

تمهيد وملخص الدراسة: هذه الدراسة هى محاوله فى علم النفس الفلسفى الإسلامى المعاصر، تنطلق من محاوله الربط بين علم النفس الفلسفى الاسلامى ، ومفهوم الاستخلاف القرآنى ،بأبعاده المتعددة الحكمية ” الفلسفية ” والمنهجية والمعرفية – باعتبار تمثل أسسه العقدية – لذا أطلقنا على هذه المحاولة اسم ” علم النفس الفلسفي الاستخلافي الاستخلافي ” . وتشمل الدراسة تعريف علم النفس الفلسفي علم النفس، وبيان انه تأكيد للعلاقة بين علم النفس والفلسفة. ثم تتناول علم النفس الفلسفي الاسلامي. واسسه الفلسفية والمنهجية والمعرفية . ثم تتناول الدراسة قضية تأصيل علم النفس والمواقف المتعددة منها (موقف الرفض المطلق او التقليد/ موقف القبول المطلق او التغريب الموقف التقويمي او التجديد. ثم تتناول العلاقة بين علم النفس والفلسفة , ثم تقدم الدراسة قراءة نقديه عامة لمدارس علم النفس الغربية. ثم تتناول الدراسة مفهوم ” الطب الاسلامى” ، فتوضح الفهم الصحيح للمصطلح, ثم تتناول المذاهب المتعددة في طبيعة الطب الاسلامى، وترجح مذهب الطب الإسلامي كطب شامل ، القائم على الارتباط والتمييز بين البعدين الروحي والمادي. ثم تعرض الدراسة للتفسير المنهجي للأحلام،واخيرا تتناول الدراسة المشكلة السيكوفسيولوجية (مشكلة العلاقة بين النفس والجسم)، وترجح الحل القائم على القول بالتأثير المتبادل بين النشاط العقلي(الوعي) وجهازه المادي(المخ)

تعريف علم النفس الفلسفي : علم النفس الفلسفي أو النظري أو التأملي هو أحد فروع علم النفس، يبحث في الافتراضات(الكلية، المجردة)، التي تسبق البحث العلمي في الظواهر النفسية (الجزئية، العينية) والقوانين التي تضبط حركتها. ويطلق البعض عليه اسم(METAPSCHOLOGY) (ما وراء علم النفس )، وكلمة (ما وراء) تدل على انه بحث فيما يسبق علم النفس من افتراضات كلية نظرية، و كان فرويد أول من استخدمه وله بحث فيه بعنوان(أوراق في ما وراء علم النفس) سنة 1915 م
تأكيد العلاقة بين علم النفس والفلسفة: وعلم النفس الفلسفي على هذا هو دليل على أن علاقة الفلسفة (ذات الطابع الكلي المجرد) ، بعلم النفس (ذو الطابع الجزئي، العيني) ،هي علاقة وحدة وتمييز، وليست علاقة خلط أو فصل. والواقع من الأمر أن فروع علم النفس تتفاوت في درجة جزئيتها وعينيتها ، وبالتالي فإنه يمكن اطلاق اسم “علم النفس الفلسفي” (بصورة عامة) على تلك الفروع التي تتصف بدرجة أقل من الجزئية والعينية ، وبالتالي درجة أكبر من الكلية والتجريد. أما تلك الفروع التي تتصف بدرجة أكبر من الجزئية والعينية ،وبالتالي درجة أقل من الكلية والتجريد فيمكن أن نطلق عليها (بصورة عامة) اسم “علم النفس التجريبي”. فهو يشمل (بالمعنى العام) العديد من مقررات علم النفس في الجامعات كمدارس ونظريات علم النفس التي تمثل مداخل نظرية لتفسير الظواهرالسلوكية، لذا تتصف بالتعدد(الواسع النطاق) الذي يميز الدراسات التجريدية (الفلسفية) عن الدراسات العينية(العلوم). كما تتصف بالاستمرارية (ظهور مدارس جديدة) . وهو دليل ينفي أن علم النفس عن انفصل (بصورة مطلقة) عن الفلسفة في حقبة سابقة. كما أنه من الثابت أن هناك ارتباط بين هذه المدارس وبعض الفلسفات كالعلاقه بين المدرسة الترابطية والنزعة التجريبية عند لوك وهيوم،ومدرسه التحليل النفسي والفلسفة الحيوية عند نيتشه وشوبنهاور،والمدرسه الوظيفية والفلسفة البراجماتية عند جيمس وديوي،ومدرسه الجشتالت والفلسفة الظواهراتية عند هوسرل، والمدرسه الإنسانية والفلسفة الوجودية.
علم النفس الفلسفي الاسلامى: أما علم النفس الفلسفي الاسلامى فهو كل نشاط معرفي عقلي ، يبحث في المسلمات النظرية الكلية، السابقة على البحث العلمي في الظواهر النفسية” الجزئية – العينية” والسنن الإلهية- الكلية والنوعية- التي تضبط حركتها. وهو يتخذ من النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة التي مصدرها الوحي ضوابط موضوعية مطلقة لهذا النشاط المعرفي العقلي.
الوحدة والتنوع : وعلم النفس الفلسفي الإسلامي طبقًا لهذا يتصف بالتنوع والوحدة ، فهو يتصف بالتنوع من جهة تنوع أنماط هذا النشاط المعرفي العقلي. ففي الفكر الإسلامي نجد هذا التنوع ماثلا في وجود تصورات متنوعة للنفس وطبيعتها ، فهناك التصور الصوفي للنفس وطبيعتها، وهناك تصور المتكلمين للنفس وطبيعتها، وهناك تصور الفلاسفة الإسلاميين للنفس…كما يتصف علم النفس الفلسفي الاسلامى بالوحدة ، من جهة أن هذه الأنماط المتنوعة لهذا النشاط المعرفي العقلي تتخذ أو تحاول أن تتخذ من النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة، التي مصدرها الوحي ضوابط موضوعية مطلقة لها.
الأسس الفلسفية والمنهجية والمعرفية لعلم النفس الفلسفي الاستخلافي:
اولا: الأساس الفلسفي:يتمثل فى البعد الفلسفي لمفهوم الاستخلاف، ممثلا في الاستخلاف كفلسفة إسلامية تقوم على محاوله تحديد العلاقة بين المستخلف بكسر اللام” الله تعالى” ، والمستخلف بفتح اللام”الإنسان” ،والمستخلف فيه “الكون”- اى محاوله تحديد العلاقة بين أطراف علاقة الاستخلاف – وذلك باتخاذ المفاهيم القرآنية الكلية ( التوحيد والاستخلاف والتسخير) مسلمات أولى ، ثم محاوله استنباط النتائج الحكمية”الفلسفية” لهذه المفاهيم الكلية، متخذة من اجتهادات أهل السنة – بمذاهبهم العقدية “الكلامية ” المتعددة – نقطة بداية- وليس نقطة نهاية – لهذا الاجتهاد.
ثانيا:الأساس المنهجي: ويتمثل فى البعد المنهجي لمفهوم الاستخلاف، في الاستخلاف كمنهج للمعرفة ، ومضمونه أن صفات الربوبية (اى ما دل على الفعل المطلق لله تعالى) تظهر في عالم الشهادة على شكلين:الشكل الأول : تكويني: يتمثل في السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود الشهادى ، الشكل الثاني : تكليفي : يتمثل في المفاهيم والقيم والقواعد الكلية التي مصدرها الوحي ، وهو يحدد الشكل التكويني ولا يلغيه.
ثالثا:الأساس المعرفي: ويتمثل فى البعد المعرفي لمفهوم الاستخلاف ،ممثلا فى الاستخلاف كنظرية إسلامية للمعرفة مضمونها أن العلم صفة ألوهية،وبالتالي ذات مضمون دال على كونه تعالى غاية مطلقة ، وهذه الصفة تظهر في عالم الشهادة من خلال شكلين:شكل تكويني: يتمثل في عالم الشهادة(المتضمن الكون المسخر والإنسان المستخلف)كمصدر للمعرفة – والإحساس والتفكير المجرد(التذكير والإدراك والتصور) والرؤية الصادقة كوسائل لمعرفته..شكل تكليفي:يتمثل في عالم الغيب كمصدر للمعرفة والوحي كوسيلة لمعرفته.
قضيه تأصيل علم النفس والمواقف المتعددة منها : ترتبط مشكلة تأصيل علم النفس -والعلوم الأخرى- بمشكلة حضارية أشمل هي مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري- المتضمن للتقدم العلمي) في المجتمعات المسلمة؟ ويترتب على هذا أن هناك ثلاثة مواقف من مشكلة تأصيل علم النفس (والعلوم الأخرى) هي ذات المواقف من مشكلة الأصالة والمعاصرة.
الموقف الاول: الرفض المطلق (التقليد ): يقوم على تحقيق التقدم الحضاري – المتضمن للتقدم العلمي- للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي ، والعزلة عن المجتمعات المعاصرة. وبمنظور علم أصول الفقه الوقوف عند أصول الدين وفروعه. وفي مجال تأصيل علم النفس يفهم عملية تأصيل علم النفس على أنها الاكتفاء بما جاء به الوحي من نصوص قطعية عن النفس وطبيعتها ” الأصول” ، واجتهادات العلماء المسلمين في فهم ما جاء في الوحي من نصوص ظنية، أو دراسة الظواهر النفسية” الجزئية- العينية”، طبقا للنصوص القطعية” الفروع” . مع الرفض المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية المعاصرة في مجال علم النفس، دون تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت مجال علم النفس الفلسفي( أصول)،أو تلك التي تنطوي تحت مجال علم النفس التجريبي(فروع). كما أن هذا الموقف يجعل العلاقة بين الدين والعلم علاقة خلط وليست علاقة ارتباط وتمييز ، وهو يحاول الكشف عن الظواهر النفسية ” الجزئية-العينية” ، وقوانين حركتها فى القران وليس في الإنسان ، وبالتالي يحيل القرآن من كتاب لهداية الناس لما فيه صلاحهم في كل زمان ومكان، إلى كتاب في علم النفس . و دون الانتباه إلى أن النظريات العلمية النفسية التي تجئ كمحصلة للبحث أو الكشف عن الظواهر النفسية الجزئية العينية، هي محدودة نسبية تحتمل الصواب والخطأ، ومعيارها التجربة والاختبار العلميين. بينما القرآن مطلق لا يحتمل الصواب والخطأ ومعياره الإيمان.والواقع أن أقصى ما يقدمه هذا الموقف في مجال الدراسات النفسية هو محاولة تأويل النص القرآني ليتفق مع نظرية علمية” نفسية-” ليجعل بذلك علم النفس ونظرياته الأصل والقرآن الفرع والمحدود.
القبول المطلق (التغريب ) : يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري(المتضمن للتقدم العلمي للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور وتبني قيم المجتمعات الغربية. وبمنظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم حضارة أخرى تناقض أصول الدين وفروعه – وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف بهذا التناقض- فهو موقف يقوم على الرفض المطلق من هذه الجهة. ومن جهة أخرى يقوم على القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية المعاصرة في مجال علم النفس، دون تمييز بين فروعه التي تنطوي تحت إطار علم النفس الفلسفي ، وتلك التي تنطوي تحت إطار علم النفس التجريبي.
الموقف التقويمى (التجديد) : يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري – المتضمن للتقدم العلمي- يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام- التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة- سواء كانت من إبداع المسلمين، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى. كما يفهم عملية تأصيل علم النفس على أنها عملية ذات أوجه متعددة. فمن جهة فإن تأصيل علم النفس هو نشاط معرفي عقلي، يبحث في مسلمات نظرية كلية سابقة على البحث العلمي في الظواهر النفسية ” الجزئية- العينية” . ويتخذ من النصوص القطعية التي وردت عن النفس وطبيعتها ضوابط موضوعية مطلقة له.كما يتخذ من اجتهادات علماء المسلمين وفلاسفتهم في فهم ما جاء في النصوص الظنية عن النفس وطبيعتها، أو دراساتهم المتعلقة بالظواهر النفسية ” الجزئية – العينية” نقطة بداية – لا نقطة نهاية – لهذا النشاط المعرفي العقلي. كما يميز بين فروع علم النفس التي تنطوي تحت مجال علم النفس الفلسفي، وفروعه التي تنطوي تحت مجال علم النفس التجريبي. فمجال التأصيل من هذه الجهة ينصب على فروع علم النفس التي تنطوي تحت علم النفس الفلسفي، لا تلك التي تنطوي تحت مجال علم النفس التجريبي، أي تلك التي تنطوي على درجة أكبر من الكلية والتجريد ،ودرجة أقل من الجزئية والعينية.
وبالتالي فإن هذا الموقف يتجاوز موقف الرفض المطلق والقبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم النفس الفلسفي، إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية والرد والرفض لما يناقضها.غير أن هذا لا يعني القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم النفس التجريبي ، بل يعني أن المعيار هنا هو التجربة والاختبار العلميين ، فما تحقق من صحته وجب قبوله وما تحقق من خطأه وجب رفضه طبقًا لهذا المعيار.
تطبيقات علم النفس الفلسفي الاسلامي:
العلاقة بين علم النفس والدين :
الخلط: جعل بعض رجال الدين في الكنيسة الكاثوليكية بعض النظريات العلمية جزء من الدين المسيحي، وبالتالي اعتبرت الدراسات النفسية في تلك الفترة جزءًا من الدين المسيحي.
الفصل : وجاءت الدعوة الى فصل علم النفس-وسائر العلوم- عن الدين كرد فعل متطرف علىموقف بعض رجال في الكنيسة الكاثوليكية السابق ذكره الذي انتهى إلى الخلط بين علم النفس والدين.
علاقة وحده وتمييز: وفي تصورنا أن علاقة علم النفس-وسائر العلوم- بالدين هى علاقة وحدة – وليس خلط- وعلاقة تمييز- وليس فصل- هذا التصور يستند إلى ان التصور الإسلامي للعلم يميز- ولا يفصل- بين نمطين من أنماط العلم:
العلم التكويني :مضمونه البحث في الظواهر ” الجزئية، العينية ” والقوانين الموضوعية ( السنن الإلهيه بالتعبير القرآني) التي تضبط حركتها، ومجال بحثه الوجود- الإنساني والطبيعي.
العلم التكليفى : مضمونه القواعد الموضوعية المطلقة التي جاء بها الوحي، والتى ينبغي أن تضبط النشاط المعرفي ” العقلي – الاستدلالي”، الهادف إلى الكشف عن الافتراضات ” الكلية، التجريدية” التي تسبق البحث العلمي السابق الذكر. والعلاقة بينهما هي علاقة الجزء (العلم ألتكويني) بالكل (العلم ألتكليفي) . فالثاني يحد الأول فيكمله ويغنيه ولا يلغيه. يترتب على هذا أنه يمكن استخدام مصطلحي “علم النفس التكويني للدلالة على فروع علم النفس التي يطلق عليها (بصورة عامة) اسم علم النفس التجريبي” والتي معيار التحقق منها التجربة والاختبار العلميين. ومصطلح ” علم النفس ألتكليفي” للدلالة على فروع علم النفس التي يطلق عليها -صورة عامة- علم النفس الفلسفي لكن بعد التحقق منها بمعيار الوحي.
عن العلاقة بين علم النفس والفلسفة : من الاقوال الشائعة أن علم النفس قد استقل أو انفصل عن الفلسفة أو أنه آخر العلوم التي استقلت عن الفلسفة
من ناحية تاريخية: إن هذه المقولة غير منكورة من الناحية التاريخية- على الأقل في الغرب- إذ أن إحدى دلالات مصطلح الفلسفة التي سادت في الغرب طويلا، المعرفة بكل أنماطها، وليس نمط معين من أنماط المعرفة يتصف بالكلية كما هو سائد الآن. وترتب على سيادة هذه الدلالة – التي ترجع إلى أرسطو- أن علم النفس-شأنه شأن سائر العلوم- هو فرع من فروع الفلسفة. غير أنه بتطور المعرفة، أصبح كم هذه المعرفة من الضخامة، بحيث استحال على فرد واحد أن يحيط بها (كما كان سائدًا في الماضي ) ، وبالتالي ظهرت الحاجة إلى تخصص فرد أو مجموعة من الأفراد في نمط معين من أنماط المعرفة، أو جزئية معينة من جزيئات هذا النمط أو ذاك من أنماط المعرفة ، كما هو سائد الآن في الغرب.
من ناحية الدلالة:
الخلط: من جهة أخرى فإن سيادة الدلالة السابقة لمصطلح فلسفة أدى إلى خلط الغربيين ولفترة طويلة بين الفلسفة وعلم النفس- وسائر العلوم الأخرى-ويتمثل هذا الخلط في اعتقادهم بأن منهج الفلسفة – المنهج الاستدلالي القائم على الانتقال من مقدمات عقلية إلى نتائج عقلية- هو المنهج الصالح لعلم النفس -وسائر العلوم- لذا ظلت دراسة النفس خاضعة للمنهج التأملي لفترة طويلة ، وظل هذا الخلط مستمرًا إلى فترة عصر النهضة الأوربي، حيث ظهر التيار التجريبي (الذي كان رائده فرانسيس بيكون) ، ودعا إلى الأخذ بالمنهج الاستقرائي ، القائم على الانتقال من مقدمات تجريبية إلى نتائج عقلية، مع ملاحظة أن هذه الدعوة اتصفت بالتطرف- من حيث هي رد فعل متطرف- للدلالة السابقة للفلسفة، فاستخدمت مصطلح العلم- ومنهجه الاستقرائي- للدلالة على المعرفة بكل أنماطها، لا للدلالة على نمط معين من أنماط المعرفة وبالتالي أصبحت الفلسفة- ومنهجها الاستدلالي- تابع للعلم (وظيفة الفلسفة التحليل المنطقي واللغوي لنتائج العلوم عند الوضعية المنطقية التي هي أحد فروع التيار التجريبي) ، أو مرحلة سابقة للعلم يجب تجاوزها ( قانون الحالات الثلاث اللاهوتية، الميتافيزيقية الوضعية عند أوجست كونت وفلسفته الوضعية الاجتماعية).
خصوصية المنهج والمشاكل: كما أن مقولة استقلال علم النفس عن الفلسفة غير منكورة من ناحية الدلالة إذا أريد أن كل من الفلسفة وعلم النفس يمثل نمط من أنماط المعرفة له مشاكل خاصة يحاول أن يضع لها حلو لا ومنهجًا خاصًا لحلها.
انفصال نسبى وليس مطلق: غير أن مقولة استقلال علم عن الفلسفة تصبح خاطئة من ناحية الدلالة إذ اأريد بها أن يتحول علم النفس إلى كل قائم بذاته ومستقل عن الفلسفة، وبالتالي يصبح هذا الاستقلال أو الانفصال لعلم النفس عن الفلسفة مطلق لا نسبي، وهذه الدلالة جاءت كرد فعل متطرف للدلالة السابقة للفلسفة ،التي جعلت العلاقة الصحيحة بين علم النفس والفلسفة علاقة خلط، دون الانتباه إلى أن العلاقة الصحيحة بينهما هي علاقة وحدة وارتباط وليس خلط ، وتمييز وليس فصل ، وآية هذا أن علم النفس بما هو العلم الذي يبحث في القوانين الموضوعية التي تضبط حركة الإنسان (الفرد) بأبعاده الذاتية(التفكير،الانفعالات، العواطف) والموضوعية(السلوك)، كالبحث في طبيعة الإنسان (هل الإنسان تركيب مادي أم كيان روحي) ، أو البحث في علاقة الإنسان بكل من الطبيعة والمجتمع والإله، أو البحث في كيف بدء الوجود الإنساني وكيف سينتهي ، هذا البحث في هذه الافتراضات النظرية نجد مجاله في الفلسفة في مباحث الميتافيزيقا – ما وراء الطبيعة- ونظرية الوجود ونظرية المعرفة ونظرية القيم وفلسفة العقل وفلسفة العلم… كما نجد مجاله في علم النفس في علم النفس الفلسفي.
قراءه نقديه عامة لمدارس علم النفس الغربية:
أولا: أن مدارس علم النفس بما هي مداخل نظرية لتفسير الظواهر السلوكية، تقع في إطار علم النفس الفلسفي، بما هو أحد فروع علم النفس التي تبحث في الافتراضات الكلية، المجردة- التي تسبق البحث العلمي في الظواهر النفسية -الجزئية، العينية-والقوانين التي تضبط حركتها.
ثانيا: أن هذه المدارس وكونها تندرج تحت إطار علم النفس الفلسفي هو دليل قاطع على أن علاقة الفلسفة- ذات الطابع الكلي المجرد- بعلم النفس- ذو الطابع الجزئي، العيني- هي علاقة وحدة وتمييز لا علاقة خلط أو فصل،كما أنه دليل قاطع على خطا مقوله أن علم النفس عن انفصل-بصورة مطلقة- عن الفلسفة في حقبة سابقة.
ثالثا: تأكيدا لما سبق فان هناك ارتباط عضوي بين هذه المدارس و الفلسفات الغربية( البنائيه والنزعة التجريبية عند لوك وهيوم، التحليل النفسي والفلسفة الحيوية عند نيتشه وشوبنهاور، الوظيفية والبراجماتية عند جيمس وديوي، الجشتالت والظواهراتية عند هوسرل، الإنسانية والفلسفة الوجودية).
رابعا: أن الموقف الصحيح من هذه المدارس يتجاوز موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق إلى موقف نقدي يتضمن:
النقد الخارجي: يتمثل في بيان مدى اتفاق مفاهيم ونظريات هذه المدارس مع النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة.
النقد الداخلي: يتمثل في بيان مدى اتساق المفاهيم التي تستند إليها كل مدرسه منطقيا ،ومدى صدقها واقعيا.
مفهوم ” الطب الاسلامى” :
الفهم الصحيح للمصطلح:
التمييز بين المجالات الثلاثه للطب : ان الفهم الصحيح لمصطلح” الطب الاسلامى” لا يتحقق الا بالتمييز بين المجالات الثلاثه للطب:
أولا: فلسفه الطب : التي تتضمن المفاهيم “الكلية المجردة ” التي تسبق- وفى ذات الوقت يستند اليها – البحث العلمي في الظواهر الصحية والطبيه السلبية والايجابية (الجزئية العينية ) .
المجال الاصلى للطب الاسلامى: وهذا المجال هو المجال الاصلى – الرئيسي –للطب الاسلامى .
تعريف الطب الاسلامى طبقا لهذا المجال: وطبقا لهذا المجال فان الطب الاسلامى – أو بالأحرى فلسفه الطب الاسلامى – هو نشاط معرفي عقلي، يبحث في مسلمات نظرية كلية ، سابقة على البحث العلمي في الظواهر الصحية والطبيه (الجزئية العينية)، يتخذ من النصوص القطعية التي وردت عن هذه الظواهر، ضوابط موضوعية مطلقة له، كما يتخذ من اجتهادات علماء المسلمين وفلاسفتهم في فهم ما جاء في النصوص الظنية عن هذه الظواهر ،أو دراساتهم المتعلقة بهذه الظواهر الجزئية العينية، نقطة بداية لا نقطة نهاية لهذا النشاط المعرفي العقلي.
مجالاته: ويشمل هذا المجال: الفلسفة الاسلاميه في الوجود الانسانى ، وموقف الإسلام كدين من الصحة والطب ،وفلسفته في الرعاية الصحية ،والقيم الاخلاقيه الطبية الاسلاميه …
الموقف من إسهامات المجتمعات المعاصرة : وهذا الموقف يتجاوز موقفي الرفض المطلق والقبول المطلق، لإسهامات المجتمعات المعاصرة في مجال فلسفه الطب، إلى موقف نقدي يقوم على أخذ وقبول ما لا يناقض النصوص القطعية ، والرد والرفض لما يناقضها
ثانيا:علم الطب: الذي يتضمن الدارسة العلمية- التجريبيه – النظرية للظواهر الصحية والطبيه (الجزئية العينية ).
الأصل هنا البحث فى الإنسان: وهذا الموقف يرى أن الأصل في هذا المجال هو البحث في الإنسان وليس في القران،اى دراسة الظواهر الصحية والطبية (الجزئية العينية ) دراسة علميه- تجريبيه – .
نحو فهم صحيح للإعجاز القرانى والحديثى في علم الطب: وقد تضمنت بعض الآيات ألقرانيه والأحاديث النبوية القطعية الدلالة(التي لا تحتمل التأويل) تفسيرات معينه لبعض الظواهر الصحية والطبية ، والتي اثبت علم الطب صحتها لاحقا، وهذه النصوص هي بمثابة أدله لإثبات إعجاز القران والحديث ،واثبات لاتساق- عدم تناقض – الوحي مع الكون والسنن الالهيه التي تضبط حركته ، نسبه لوحده مصدرهما (وهو الله تعالى )، وفى نفس الوقت فان هذه النصوص هي بمثابة أمثلة مضروبة للناس من أجل حثهم على البحث العلمي في السنن الإلهية التي تضبط الواقع الطبيعي والإنساني لا الاكتفاء بما في القرآن.
الموقف من إسهامات المجتمعات المعاصرة :هذا الموقف لا يقول بالقبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية في مجال علم الطب، بل يرى أن المعيار هنا هو التجربة والاختبار العلميين ،فما تحقق من صحته وجب قبوله ،وما تحقق من خطأه وجب رفضه طبقاً لهذا المعيار.
جواز الأخذ من غير المسلم في علم الطب: وهنا نستدل بتقرير علماء أهل السنة جواز الأخذ من الكافر في الأمور الدنيوية المتضمنة لعلم الطب ، بشرط عدم تناقضها مع الدين يقول ابن القيم ( في استئجار النبي – صلى الله عليه وسلم – ابن أريقط الدؤلي هادياً في وقت الهجرة – رواه البخاري- وهو كافر؛ دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة والحساب والعيوب ونحوها، ما لم يكن ولاية تتضمن عدالة، ولا يلزم من مجرد كونه كافرا أن لا يوثق به في شيء أصلا؛ فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة)( ابن القيم / بدائع الفوائد/ القاهره / دار الكتاب العربي/2001)
ثالثا: فن الطب : الذي يتضمن الأساليب الصحية والطبيه العملية- التطبيقية “المتضمنة للخبرة الطبية” .
مجاله: والطب الاسلامى يشمل- في هذا المجال-الأساليب الصحية والطبيه ،التي استخدمها الأطباء المسلمين- سواء كانت من ابتكارهم أم من إسهامات المجتمعات المعاصرة لهم – وهي نقطة بداية – وليست نقطه نهاية- لاى اجتهاد فى هذا المجال.
الموقف من إسهامات المجتمعات المعاصرة :هذا الموقف يقول بأخذ وقبول ما وافق الدين وواقع المجتمعات المسلمة من إسهامات المجتمعات المعاصرة فى هذا المجال ورد ورفض ما خالفهما .
الموقف من مشكلة الاصاله والمعاصرة : هذا الموقف يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري “المتضمن للتقدم العلمي” يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام-التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات المسلمة – سواء كانت من إجتهاد المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.
مذاهب في طبيعة الطب الاسلامى: إذا كانت فلسفة الطب الإسلامي قائمه على أن للإنسان بعدين ” روحي ومادي “،فان هناك مذهبين في تحديد طبيعة العلاقة بين هذين البعدين، و طبيعة العلاقة بين الأمراض والعلل والمرتبطة بهذين البعدين، وبالتالي تحديد طبيعة الطب الاسلامى .
مذهب الطب الاسلامى كطب بديل “الخلط بين البعدين الروحي والمادي” :
المذهب الأول يقوم على الخلط بين البعد الغيبي الروحي للإنسان ،والأمراض والعلل المرتبطة به، والتي يكون علاجها بالقران.و البعد المادي (العضوي والسلوكي) للإنسان ،و الأمراض المرتبطة به (كالأمراض العضوية التي يتناولها علم الطب والأمراض النفسية التي يتناولها علم النفس الإكلينيكي -الطب النفسي)، والتي يكون علاجها كيميائي أو جراحي أو سيكولوجي…فهذا المذهب يرى أن الطب الاسلامى(الذي يقصره على العلاج بالقران)هو شكل من أشكال الطب البديل (Alternative Medicine ) ،اى الذي يستخدم مكان علم الطب أي كبديل عنه.ويستند هذا المذهب إلى ورود عده آيات تصف القران بأنه شفاء.
تقويم :
أولا: هذا المذهب يركز على البعد الروحي للإنسان ويلغى بعده المادي ، وبالتالي فإنه لا يعبر عن الموقف الحقيقي لفلسفة الطب الإسلامى ،من العلاقة بين البعدين المادي والروحي للإنسان ،والقائم على ضرورة تحقيق التوازن بينهما .
ثانيا:كما أن الآيات التي يستدل بها هذا المذهب تدل على أن القران علاج للأمراض التي ترتبط بالبعد الروحي الغيبي للإنسان والمرتبط بعلاقته بالله تعالى ،ولكن لا تدل على أنه علاج للأمراض التي ترتبط بالبعد المادي(العضوي والسلوكي) له،وهو الأمر الذي تشير إليه كتب التفاسير،فعلى سبيل يقول ابن كثير في تفسير الايه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا )(الإسراء:82) (… أَيْ يُذْهِب مَا فِي الْقُلُوب مِنْ أَمْرَاض مِنْ شَكّ وَنِفَاق وَشِرْك وَزَيْغ وَمَيْل فَالْقُرْآن يَشْفِي مِنْ ذَلِكَ كُلّه وَهُوَ أَيْضًا رَحْمَة يَحْصُل فِيهَا الْإِيمَان وَالْحِكْمَة وَطَلَب الْخَيْر وَالرَّغْبَة فِيهِ وَلَيْسَ هَذَا إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ … )
ثالثا:كما أن الرسول(صلى الله عليه وسلم ) حث على التداوى، وهذا ما يعنى انه صلى الله عليه وسلم لم يقصر العلاج على العلاج بالقرآن الكريم.
مذهب الطب الاسلامى كطب شامل ” الارتباط والتمييز بين البعدين الروحي والمادي”: أما المذهب الذي يعبر- فيما نرى – عن الموقف الحقيقي لفلسفه الطب الاسلامى ، من العلاقة بين البعدين الروحي والمادي للإنسان، والقائم على ضرورة تحقيق التوازن بينهما – فهو المذهب الثاني الذي يرى أن البعد الغيبي الروحي للإنسان لا يلغى البعد المادي، له ولكن يحده ، وان العلاقة بينهما علاقة وحده لا خلط وتمييز لا فصل.وانه يجب التمييز (لا الفصل) بين نوعين من الأمراض أو العلل:
الأولى:ترتبط بالبعد العضوي (الأمراض العضوية التي يتناولها علم الطب) والسلوكي (الأمراض النفسية التي يتناولها علم النفس الإكلينيكي -الطب النفسي) للإنسان والسنن الإلهية التي تضبط حركته. وهنا يكون علاجها كيميائي أو جراحي أو سيكولوجي قال تعالى ( وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ) …وفى تفسير ابن كثير( أي: إذا وقعت في مرض فإنه لا يقدر على شفائي أحد غيره، بما يقدر من الأسباب الموصلة إليه) و قال صلى الله عليه وسلم: “ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء” البخاري.ورواه أيضا النسائي وابن ماجة مع الزيادة : “علمه من علمه وجهله من جهله” وأخرجه أيضا بهذه الزيادة ابن حبان والحاكم وصححاه.
الثانية:تربط بالبعد الغيبي الروحي للإنسان،ويكون علاجها بمعرفة والتزام القواعد الموضوعية المطلقة التي مصدرها الوحي. وهنا يأتي العلاج بالقرآن…غير أن هذا لا يعني إلغاء العلاقة بين النوعين من العلل، فما هو روحي يحد ما هو مادي ولا يلغيه، وبالتالي فإن العلاج الروحي بالقران يحد العلاج المادي الذي يقدمه علم الطب فيكمله ولكن لا يلغيه. وطبقا لهذا المذهب فان الطب الاسلامى هو شكل من أشكال الطب الشامل comprehensive Medicine الذي يجمع بين العلاج المادي الذي يقدمه علم الطب،والعلاج الروحي الذي يقدمه القران،وان الأخير هو شكل من أشكال الطب المكمل Medicine Complementary اى الذي يُستخدم مع علم الطب أي يكمله .
التفسير المنهجي للأحلام:
التفسير المنهجي للأحلام – المتسق مع علم النفس الفلسفى الاستخلافى – قائم على أن غاية تفسير الأحلام منهجيا من ناحية ايجابية: محاوله تحديد المشكلة أو الحل أو العمل التي يعبر عنها الحلم، ومن ناحية سلبية تحديد الحاجة التي يعبر عنها الحلم، ووجوديا تحديد الواقع الذي يعبر الحلم عن محاوله تفسيره.
الضوابط: ولتحقيق هذه الغاية لابد من الالتزام بالضوابط التالية:
أولا: التمييز بين الأنماط المختلفة للأحلام: اى التمييز بين الأحلام التي تعبر عن المشكلة التي يواجهها الإنسان،أو الحاجة التي يسعى إلى إشباعها، أو الواقع الذي يسعى تفسيره ، والأحلام التي لا تعبر ذلك، ومنها الأحلام التي تسمى (أضغاث أحلام).
ثانيا: التمييز بين الدلالات المشتركة والمتعددة للرموز : اى التمييز بين الرموز ذات الدلالة الواحدة المشتركة ، التي تعبر عن وحده البشر كنوع ،أو وحده الأفراد الذين ينتمون إلى مصدر حضاري واحد، والرموز ذات الدلالات المتعددة التي تعبر عن تميز كل شخص عن الأخر، وقد أشار العلماء إلى النوع الأخير من الرموز.
ثالثا :أهمية السياق في تفسير الرموز:أن التفسير الصحيح لاى رمز هو الذي لا يعزله عن سياقه الذاتي(اى السياق الذي ورد فيه الرمز في الحلم)، والموضوعي (اى دلالة الرمز عند الشخص والبيئة الحضارية التي نشاْ فيها).
رابعا:الاطراد: ولما كان العقل في الحلم عاده ما يبدأ من ذات الفكرة التي انتهى إليها في حاله اليقظة من ناحية التناول لا من الناحية الزمانيه، اى انه يبدأ من أخر مشكلة حاول العقل حلها دون أن يصل إلى حل نهائي لها ، أو واقع حاول تفسيره دون أن يصل إلى تفسير صحيح له ، فانه لابد من معرفه المشكلة أو الواقع الذي انتهى العقل إلى محاوله معرفته أو تفسيره في حاله اليقظة،وبالرجوع إلى الحالم.
خامسا: الربط بين النظري والعملي: أن الطابع النظري لتفسير الأحلام لا يعنى انه منفصل الجانب العملي في حياه الإنسان، فهو يمهد للعمل على حل المشكلة أو إشباع الحاجة، أو تغيير الواقع الذي يعبر عنه الحلم الذي تم تفسيره .
المشكلة السيكوفسيولوجية (مشكلة العلاقة بين النفس والجسم):
طرحت عده حلول لمشكلة العلاقة بين النفس والجسم
الحل الأول (علاقة انعكاس): قائم على أن النشاط العقلي مجرد انعكاس لجهازه المادي اى المخ(الحل المادي) أو العكس(الحل المثالي).
تقويم : ومن الواضح أن كلا الحلين يلغى إما النشاط العقلي (الحل المادي ) أو جهازه المادي (الحل المثالي). فضلا عن ان الأخير يعني – في جوهره- العودة إلى وجهة النظر القديمة، التي تفسر كافة مظاهر الحياة بالأرواح الخيرة والشريرة التي تدخل الجسم، وتعود جذورها إلى ديانة عبادة الرواح التي سادت في الشعوب القديمة،اما الحل المادي
الحل الثاني (علاقة انفصال): ومضمون هذا الحل أن كل من النشاط العقلي وجهازه المادي (المخ) قائم بذاته ومستقل عن الآخر.
تقويم:نلاحظ أن هذا الحل في جوهره صورة أخرى للحل المثالي الذي ينتهي إلى القول بفصل الوعي عن جهازه-الخ- وينطبق عليه ذات النقد الموجه للحل المثالي.
الحل الثالث علاقة تأثير متبادل: يمكن اقتراح حل آخر للمشكلة ينطلق من النظر للإنسان كوحدة نوعية من المادة (الجسم والمخ والجهاز العصبي كجزء منه) والفكر(الوعي) .بناءا على هذا فإن العلاقة بين النشاط العقلي(الوعي) وجهازه المادي(المخ) هي علاقة تأثير متبادل.ويمكن استنباط هذا الحل من:
اولا: التصور القرآني للنفس ، حيث نجد أن لفظ نفس يرد في القرآن بدلالات عدة:
الدلالة الأولى: الإنسان كوحدة نوعية من المادة والفكر.
الدلالة الثانية: البعد الذاتي للإنسان .
ثانيا: تقريربعض العلماء المسلمين لهذا الحل، يقول الامام العز بن عبد السلام (… فان حركات الظاهر توجب بركات الباطن، لان الله سبحانه جعل بين الاجساد والارواح رابطه ربانيه وعلاقه روحانيه، فلكل منهم ارتباط بصاحبه وتعلق به، يتاْثر بتاثر صاحبه…) (زبده خلاصة التصوف المسمى بحل الرموز / القاهرة / الزهراء للانتاج الاعلامى / طبعة اولى / 1995/ ص 15.)

ثالثا: كما يمكن التدليل على صحة هذا التصور من أن أي تأثير سلبي أو إيجابي على المخ بما هو جهاز النشاط العقلي يؤثر على هذا النشاط العقلي كما في حالة حدوث خلل في المخ. كما أن هناك بعض التغيرات في النشاط العقلي يؤثر على هذا النشاط العقلي كما في حالة حدوث خلل في المخ. كما أن هناك بعض التغيرات في النشاط العقلي تاثر على المخ والجسم كما في حالة الأمراض العضوية ذات الأسباب النفسية.
المصادر والمراجع

1. ابن تيمية/ مجموع الفتاوى/ كتاب توحيد الألوهية/ القاهرة/ دار الكتب العلمية / طبعة ثالثة / 2005 .
2. ابن تيمية/ درء التعارض القاهرة/دار الكتاب العربي/ 1996
3. ابن تيمية / مجموع فتاوى ابن تيمية /العقيدة / كتاب مفصل اعتقاد السلف / مسألة مذهب السلف والمتأخرين في الاعتقاد والأصح منهما.
4. ابن القيم / بدائع الفوائد/ القاهرة / دار الكتاب العربي/2001.
5. ابن كثير / تفسير القران العظيم/ القاهره مؤسسه قرطبه / طبعة أولى / 2000.
6. الألوسي / روح المعاني فى تفسير القران العظيم/ القاهره /دار الكتب العلمية/2000
7. العز بن عبد السلام/ زبده خلاصة التصوف المسمى بحل الرموز / القاهره / الزهراء للانتاج الاعلامى / طبعة

//////////////////////

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

الهيمنة الإستعمارية فى عصر الذكاء الإصطناعى

الهيمنة الإستعمارية فى عصر الذكاء الإصطناعى: حروب السيطرة على المعادن النادرة والمياه والطاقةsabri.m.khalil@gmail.comد. صبري محمد …

اترك تعليقاً