شَرْقُ السُّودانِ والحقائقُ المُغَيَّبة ..! 

 


 

د. فيصل عوض حسن
20 September, 2021

 

بتاريخ 10 فبراير 2020، كتبت مقالتي الموسومة (مَتَى يَنْتَبْهْ اَلْسُّوْدَانِيُّون لِعَمَالَةِ حَمدوك)، رفضاً لطَلَبَ حمدوك من الأُمم المُتَّحدة (الوِصاية) على السُّودان، وتسليم مجلس الأمن إدارة وتنظيم جميع شئوننا (الدَّاخِليَّة والخارجِيَّة)، وجَعْلِه رقيباً وحسيباً ومُنتشراً بطول البلد وعرضها، وتمكينه من كل شيئ دون حدودٍ أو استثناء.

النزاع في السُّودان حينها كان محصوراً في مناطق مُحدَّدة، وبالإمكان مُعالجته بطرقٍ وأساليبٍ أُخرى، أقلَّ كلفة وخطورة، مُقارنةً بطلب (الوصاية) على (كامل) السُّودان، خاصة وأنَّ بعض مناطق النزاع، كانت (وما تزال) تحت وصاية البعثات الأُمَمِيَّة، التي فشلت في حماية المدنيين، إنْ لم أقل زادت أوضاعهم تعقيداً. لذلك قلت وقتها، بأنَّ حمدوك وقحتيُّوه (عُملاءٌ) للخارج و(أزلامٌ) للكيزان، وأنَّهم يُنسِّقون مع العَسْكَر لـ(إشعال) كل السُّودان، حتَّى (يُشرعنوا) لطلب الوصاية، مع إطلاق أبواقهم الإعلامية، لتضليلنا وإلهائنا بـ(هيافاتهم) المُتلاحقة، ريثما يُكملوا (عَمَالتهم) المُتمثِّلة في (تمزيق/تفتيت) السُّودان، وهو المُخطَّط الذي بدأه الكيزان، ويستكمله حُكَّامنا الحاليين (عَسْكَر/مدنيين)، وللأسف وقع غالبيتنا في ذلك (الفخ)، ومن ضمنه أزمة الشرق وغيرها من الأزمات، التي (صنعها) حُكَّامنا تبعاً لأحداثٍ/إجراءات مُخطَّطة ومدروسة بعناية.

شَكَّلت اتفاقيات جوبا المُرتكز/المُنطلق الرئيسي، لاستكمال مُخطَّط (التفكيك)، وهي اتفاقاتٌ رفضها جميع أهل السُّودان (الأصيلون/أصحاب الوَجْعَة)، لأسبابٍ موضوعِيَّةٍ كثيرة فَصَّلتها في مقالتي (اتفاقيَّات تَذْويب السُّودان) بتاريخ 7 سبتمبر 2020. وأهلنا البجا كانوا وما يزالون رافضين لتلك الاتفاقيات، وأكَّدوا مراراً عدم مُشاركتهم أو تفويضهم لأي جهةٍ كانت لتمثيلهم فيها، وأعلنوا بوضوح أنَّ من يتحدَّثون باسم الشرق في جوبا، لا ينتمون للسُّودان من أساسه، وهي حقيقة أقرَّ بها بعض أُولئك (المُجنَّسين) صوت وصورة، مما يعني (بُطلان) تمثيلهم للشرق أو التحدُّث باسمه. الأهمَّ من ذلك، أنَّ الكثير من السُّودانيين، دعوا حمدوك لحسم فوضى المُجنَّسين، الذين جَلَبَهم الكيزان ومنحوهم الجنسيات والمزايا المالِيَّة والسُلْطَوِيَّة، وطالبوه بمُراجعة جميع الهويات/الأوراق الثبوتِيَّة المُستخرجة منذ 1989 على الأقل، والإبقاء فقط على (الهويات) المُسْتوفية للقوانين التي كان معمولاً بها قبل المُتأسلمين، وذلك لحماية السيادة الوطنِيَّة، وضمان التَحَوُّل الديمُقراطي وبناء دولة القانون، وتسهيل (عودة النَّازحين) وضحايا الحرب لمناطقهم الأصيلة، حيث تمَّ استيعاب أُولئك (المُجنَّسين) في المليشيات الإجرامِيَّة وعلى رأسها الجنجويد، وتوطينهم في أراضينا بدارفور والشرق. ولكن حمدوك وقحتيُّوه (عَزَّزوا) سطوة (المُجنَّسين)، وجعلوهم أطرافاً رئيسيَّة في مُفاوضات/اتفاقيات جوبا الكارِثِيَّة، ليستعينوا بهم في تفكيك ما تبقَّى من السُّودان، على نحو ما يجري الآن بالظبط، وهذه من أكبر (الخِيانات) الحمدوكيَّة في حق السُّودان وأهله، وتُثبت (عَمالة) حمدوك وافتقاده للوطنِيَّة. وتركيزي أكثر على حمدوك تحديداً، لأنَّه (خان) ثقة الشعب، ويعمل بخبثٍ استثنائي، ودون أي سُقُوف أخلاقِيَّة أو إنسانِيَّة، مما يُحتِّم توثيق (خياناته) بشفافِيَّةٍ ووضوح، والتذكير المُتواصل بها دون تخفيفٍ أو تجميل!

أطلقَ حمدوك وقحتيُّوه مجموعة من (المقاطيع) وآكلي الفتات، لتضليل الرأي العام (الدَّاخلي/الخارجي)، بشأن ما يجري في الشرق، على نحو مُحاولاتهم المفضوحة لوصف ما يجري في الشرق بأنه صراع (قَبَلي/عُنصُري)، وذلك تدليسٌ سافرٌ للحقائق، ويعكس اختلالاً مفاهيمياً كبيراً، لأنَّ الصراع القَبَلي يكون بين مُكوِّنات (محلِيَّة/سُودانِيَّة فعلاً)، ولأنَّ العُنصُرِيَّة تعني الشعور بالتفوُّق والإقصاء/التمييز بين البشر، على أساس اللون أو الانتماء العرقي، وما يحدث في الشرق يختلف تماماً عن هذه المفاهيم. فأهلنا البجا يُطالبون بمُراجعة الهُويَّات، وحسم المُجنَّسين (الإريتريين)، الذين يكرهون السُّودان وأهله كُرهاً خُرافياً، ولا يُنكرون ذلك الكُره، وبلغت وقاحتهم حدوداً غير مسبوقة، كادِّعاءاتهم بتبعيَّة بعض أراضينا لبلدهم إريتريا التي جاؤوا منها (حُفاة وعُراة)، فآويناهم وأكرمناهم وقابلوا الفضل بالجحود والكراهيَّة. والأسوأ أنَّ أحد قادة مسارهم المزعوم، يُنادي بقتال السُّودانيين (إجمالاً)، وآخر يهدِّد بضربنا بالصواريخ، والآن يُنادون بـ(الوصاية) الخارجِيَّة على السُّودان، حتَّى يتشرَّد أهله (الآمنين) كما حدث لهم، بخلاف الشتائم التي يعفُّ اللسان عن ذكرها، والتي طالَت الجيش السُّوداني الذي يُداهنونه الآن!

أهلنا البجا مَارسوا ضبط النَّفس لأقصى درجة، وزاروا الخُرْطُوم مراراً وتكراراً، وأوفدوا ممثِّلين عنهم لجوبا، وجلسوا مع العَسْكَر والمدنيين، واستقبلوهم في الشرق، وتَلقُّوا وعوداً جميعها كانت (كاذبة)، وبمثابة تخدير بينما يمضي حمدوك وقحتيُّوه في مُخطَّطاتهم الخبيثة بلا حياءٍ! وحمدوك بصفةٍ خاصَّة، كان له القدح المعلَّى في (تأجيج) الشرق، من خلال احتوائه للمُجنَّسين الإريتريين، خصماً على أهل الشرق (البجا السُّودانيين الأصيلين)، حتَّى قبل اتفاقات جوبا، على نحو اختياره شخصاً (فاقد الأهلِيَّة) كوالي لكسلا، وهو اختيارٌ فَضَح (أكاذيب) حمدوك بشأن التزامه بـ(الكفاءة) وقِيَم ومبادئ الحُرِيَّة والشفافِيَّةِ والعدالة وإصلاح الخدمة المدنِيَّة، التي وعدَ بها عقب إعلانه رئيساً للوُزراء، وتجدون تفاصيلاً أكثر في مقالتي (أزمةُ الشَرْقِ حَلَقةٌ مِنْ حَلَقَاتِ تَذويبِ اَلسُّودان) بتاريخ 18 أغسطس 2020. مع مُلاحظة أنَّ حمدوك صنع تلك الأزمة واختفى تماماً، وترك الجميع في صراع على نحو ما يجري الآن بشأن مسار الشرق الكارثي!

إنَّ تصعيد أهلنا البجا الماثل، جاء بعدما استنفذوا جميع سُبُل التَواصُل والتفاهم مع حمدوك وقحتيُّوه، الذين أغرقوا السُّودان بكامله في (خياناتهم) المُتلاحقة، ولم تنحصر شرورهم على أهلنا البجا، الذين يُشكِّلون أحد محاور شعوبنا (الأصيلة). تلك (الأصالة) التي توارثوها عبر الأجيال، وهي التي دفعتهم لضبط النَّفس رغم (مَرارَة) الظلم والتجاهل، وكل ما فعلوه هو التعبير (السلمي) ورفضهم للوصاية، وفرض المُجنَّسين عليهم، فقاموا بإغلاق مداخل ومخارج محطة الحاويات ومنطقة الكشف الجمركي في “دما دما”، بميناء بورتسودان بدءاً من عصر الجمعة 17 سبتمبر 2021، بجانب منطقة أوسيف على الحدود مع مصر، وإغلاق الطريق القومي بعددٍ من مناطق الشرق، مع استثناء عبور السيارات الخاصة والبَصَّات السفريَّة. وما أن أعلن أهلنا البجا عن ذلك، حتى امتلأت الأسافير وغيرها بالأكاذيب والتضليلات والتصريحات المُخجلة والدعوات السَّافرة، وغالبيَّتهم حصروا الموضوع في الأشخاص، سواء عمداً أو جهلاً، ووصفوا المُحتجين بما يُسمَّى (فلول)، وطالبوا بحسمهم بقُوَّة وفرض ما أسموه (هيبة الدولة)!

أين كان هؤلاء الأدعياء من المظالم التاريخيَّة لأهلنا البجا؟ ولماذا صمتوا تجاه التصريحات المُوثَّقة (صوت وصورة) للمدعو أركو مناوي، وهو يعترف بوقاحة غير مسبوقة: "أنَّ له صديقاً (اشترى) مسار الشرق"! من الذي (اشترى)، ومن الذي (باع)، وبأي صفة؟ وأين أصحاب الحق؟! ولماذا صمتوا أمام (سُفُور) ووقاحة المُجنَّسين وتجاوُزاتهم الصَّارخة والمُتلاحقة ضد السُّودان وأهله؟! وأين المنطق في (حصر) قضايا أُمَّة وقومِيَّة (أصيلة/عريقة) كالبجا في شخصٍ واحد أو شخصين أو حتَّى مجموعة؟! وهل الملايين التي تقف ضد مسار الشرق، سواء من أهلنا البجا أو بقيَّة القوميات السُّودانِيَّة، جميعهم كيزان؟! وعلى أي أساس جلس القحتيُّون ووعدوهم بتنفيذ طلباتهم، طالما يتهمونهم بـ(الكوزنة)؟! ولماذا تتغاضون عن تصريحات عرمان ومناوي وجبريل وبقية تُجَّار الحرب والمُستهبلين، ودعواتهم الواضحة للجلوس مع الكيزان و(قبولهم) كواقع لا مناص منه؟! وما الغريب في تتريس الشوارع، وهو ذات (التتريس) الذي أتى بكم لكراسي السُلطة، التي تستغلونها الآن في مُمارسة (عَمالتكم) المفضوحة؟!

لم يرفع أهلنا البجا السلاح رغم قدرتهم على ذلك، ولم ينشدوا المناصب أو المصالح الخاصَّة، على نحو ما يُروِّج له المُجنَّسين وآكلي فتات قحت، وإنَّما تقدَّموا بمطالب عادلة وواضحة وبسيطة، مُمثَّلة في: إلغاء مسار الشرق، مُراجعة الهُوِيَّة وترسيم الحدود بين القبائل، التنمية المُتوازنة والتقسيم العادل للسُلطة. وهذه جميعها مطالب مشروعة، وتصب في مصلحة السُّودان الكبير وليس فقط الشرق، لكن حمدوك أصَرَّ على تجاهل مطالب البجا. وإمعاناً في التجاهل والإقصاء، شَكَّلَ حمدوك مجلساً (هُلامياً)، من شخصيات يطغى عليها (المُجنَّسين) مع بعض النُظَّار السُّودانيين/القليلين، الذين تقف قواعدهم ضد المسار، وفق ما أوضحنا في عددٍ من المقالات، كمقالة (السُّودانُ ومَهَازِل الإريتريين المُجنَّسين) بتاريخ 11 يوليو 2021، و(متى ننتشل السُّودان من اختطاف المُجنَّسين) بتاريخ 16 أغسطس 2021. ولا اعتقد أيضاً أنَّ أي (سُّوداني/أصيل) يخشى (مُراجعة الهُويَّة)، أو يرفض استرداد حقوقنا الضائعة ويقبل بظلم أهله ببقيَّة السُّودان!

يُؤسفني القول بأنَّ غالِبِيَّة السُّودانيين (مُغيَّبين) تماماً عن عَمالة حمدووك وقحتيُّوه عموماً، وعَمَّا يجري في الشرق خصوصاً، بفعل حملات التضليل الضخمة التي يقودها (المُجنَّسين الإريتريين)، المُتغلغلين في كافة مرافق الدولة، خاصَّةً الإعلامِيَّة وهياكل قحت، ولتتأمَّلوا المقاطع المُرفقة بهذا المقال، لتُدركوا (خطورة/انحطاط) هذه الكائنات. غير أنَّ الحقيقة الأخطر، تتمثَّل في أنَّ حمدوك وقحتيُّوه (صنعوا) أزماتنا الماثلة من العدم، حتَّى (يُشرعنوا) لطلب (الوصاية) على السُّودان، وها هم الآن يُطلقون آكلي فتاتهم للترويج لهذه (الكارثة)، التي سيدفع تكلفتها السُّودانِيُّون (الأصيلون) وحدهم، وبقليلٍ من التأمُّل، ستكتشفون أنَّ جميع من يُنادي بهذا من المُجنَّسين، خاصَّةً الإريتريين، الذين لا تربطهم علاقة بأرض السُّودان الطاهرة!

ليتنا نترك عواطفنا ونتَدَبَّر بعقولنا، ونفيق قبل فوات الأوان، فهذه المرة غير السابقات، ولا مجال للتسويف أو المُماطلة، وما الشرقُ إلا حلقة واحدة للنَّيْلِ من بقيَّة السُّودان،  وبدلاً من الانجرار خلف تضليلات حمدوك وقحتيُّوه، علينا التضامُن والتكاتف الكامل والوقوف صفاً واحداً مع أهلنا البجا، دَمَّنا ولحمنا، وإجبار حمدوك وقحتيُّوه على التراجُع. وسوف أخصِّص مقالنا القادم إن شاء الله، لدحض (أكذوبة) الحاضنة (القَبَلِيَّة) التي يتدثَّر بها مُجنَّسوا إريتريا، بالأدلة والشواهد التاريخيَّة المُوثوقة.




awadf28@gmail.com

 

آراء