لا يجب أن نسمح بهذا الخطأ مرة أخرى !! .. بقلم: مـحمد أحـمد الجـاك

يتحدد الواقع السياسي ما بعد ثورة ديسمبر بثلاثة محددات أساسية:
المحدد الاول أيديولوجيا ثورة ديسمبر، والثاني الإطار السياسي الذي تجسدت خلاله الثورة ثم المحدد الثالث وهو الواقع السياسي الذي نتج عن كل من هذه الأيديولوجيا و الإطار السياسي الذي تشكل إثرها. مهما تبدلت الظروف وصارت متأزمة و تستدعي مواقف عملية سريعة و صارمة؛ بدون فهم تفكيك و نقد هذه المحددات لا يُمكن أن نسير خطوة إلى الأمام.
فكرة إعادة إنتاج نسخة جديدة من ديسمبر بذات الأيديولوجيا، و بذات الرؤية السياسية و التي يُمكن تلخيصها كالتالي: “نحن قوى الثورة التي يحق لها أن تعيد صياغة السودان من جديد وفق توجهاتها و كل من ليس معنا فهو إما غير موجود أو هو موجود و لكنه مواطن من الدرجة الثالثة أو ربما الرابعة و بالتالي يجب عليه أن يشكرنا لمجرد أننا سمحنا له بالتنفس في هذه الدولة” هذه فكرة لا يُمكن قبولها مهما كان الثمن. و قوى ديسمبر على ضعفها و هوانها، أعنى ما تبقى منها، ما تزال تتبنى هذه الفكرة. فهي لا تستطيع أن تتصور وجود رؤية أو رأي آخر مختلف، و “كل من لا يتبنى رؤيتنا بالكامل فهو كافر و خائن و مجرم”. هذا الوعي يجب أن يُحارب بلا هوادة، و يجب أن يُهزم لصالح وعي أكثر انفتاحاً تجاه الواقع، واقع السودان البلد الواسع المتعدد و المركب، وعي أكثر استعداداً للحوار و تقبُل الاختلاف، وعي سياسي يتعامل مع السياسة بمنطق السياسة لا ب”منطق الهرمونات” و الحب و الكره و الإسفاف و البذاءة.
لا نُريد ثورة جديدة لا يستطيع فيها الإنسان أن يعبر فيها عن رأيه في “تجمع المهنيين” أو “في قوى الحرية و التغيير” أو “حمدوك” ما لم يمتلك قدراً هائلاً من الشجاعة و القوة و الجرأة. إن ثورة ديسمبر بدلاً من أن تحرر الناس صنعت من البعض أتباعاً جبناء خانعين لا يستطيع أحدهم أن يجهر برأيه و لا حتى أن يفكر بشكل سليم. لقد شهدنا سطوة روح القطيع التي دجنت مثقفين و سياسيين و ناشطين و حولتهم إلى رعاع بلا عقول و بلا ضمائر. لا يجب أن نسمح بهذا الخطأ مرة أخرى، مهما كان الثمن. لا يجب أن نسمح بثورة جهل جديدة يحتاج فيها الإنسان أن يؤكد و يثبت ما هو بديهي و واضح و من صميم شعارات و أهداف الثورة نفسها، مثل قضية الحرية أو قضية العدالة أو سيادة حكم القانون. هذه الأمور التي تبدو بديهية لأول وهلة ظل الكثيرون يصرخون بها طوال ما يزيد عن السنتين من عمر ما يُسمى زوراً ب”المسار الانتقالي الديمقراطي” و لكن بلا جدوى وسط حالة من الجنون و اللامبالاة و العبث ظلت تتسيّد المشهد. يكفي أن نشير بأمثلة بسيطة حيث لم يكن ممكنا أن تطالب بالحرية أو العدالة لمسجون سياسي دون أن تُجرّم أنت ذاتك، و لا يُمكن أن تطالب بشيء بديهي مثل العدالة والقصاص لمن قتلوا أو حدثت لهم اصابات اعاقتهم كلياً أو جزئياً دون أن تكون متواطئ ، و الأمثلة كثيرة. هذا وعي ضار و يجب أن يُنقد بلا هوادة لصالح وعي جديد سياسي منفتح و عقلاني و بنّاء. و لا يجب أن نسمح بعودة عهد الإرهاب المعنوي، خطأ ديسمبر لا ينبغي أن يتكرر أبدا.ً
أما فيما يلي الأولويات السياسية الآنية فيجب تجاوز اتفاق البرهان- حمدوك الأخير، و ذلك عبر التعامل معه كاتفاق سياسي قابل للمراجعةو التعديل و الحذف و الإضافة. و ذلك بواسطة حوار و توافق سياسي واسع يشمل جميع السودانيين.

• بعض مصابي الثورة شفاهم الله وعافاهم يرتكبون خطئية المن على الثورة و أنهم يطلبون مقابل؟
صحيح ان العلاج حق أساسي ينبغي أن يكون مكفول لكل مواطن في أي دولة محترمة، لكن ما يُفهم من تصريح البعض تقدير وموقف فكري أو سياسي معين، لكن أن يصل الأمر إلى ابتزاز الرأي العام بالإصابة ومن ثم التلويح بقصة تفويض العساكر تلك امور لا تصدر عن نفس سوية، بل نفس ممتلئة بالغرض والحظوظ.
من الذي قال أن الإعتقال أو الإصابة تعطي أصحابها إمتياز؟! يا هؤلاء حتى الموت في الثورة لا يعطي رأي الشهيد امتياز، ولذلك نتحفظ على مزايدات بعض أسر الشهداء وفواصل الإبتزاز والدراما العاطفية الممجوجة أحيانا.
خرجت من تلقاء نفسك لدوافع تعرفها لوحدك، اعتقالك أو إصابتك لا تمنحك صك خيرية، رأيك ينبغي أن يكون مثل رأي أي شخص ثوري آخر، يخضع للإشادة وللنقد والتصويب والسخرية والتهكم إلى غير ذلك من ردود الأفعال.
• حجر الزاوية في ديسمبر هو الفرد. الفرد بالمعنى الفلسفي في أفق الاجتماع والسياسة. نتيجة ذلك هي الاختيار الحر لأشكال الانتماء، والتأسيس المستقل عن كل إرادة سوى إرادة الفرد نفسه، لمؤسسات المجتمع المدني. في ديسمبر، تجسد الحركة الاجتماعية-السياسية مفهوم الاستقلال بالمعنى( الكانطي). ذلك المعنى الذي يعدم وصاية رجل السياسة والدين. في ديسمبر فهمنا حدود سلطة المجتمع على الفرد، وأصبح الأخير قامة لن يتجرأ أحد على المشي فوقها.
الفرد الحر، الذي يتمتع بسلطة الاختيار، ويعمل على بناء المؤسسات، ولا يتنازل عن فرديته أمام أي سلطة خارجية.. هذا الفرد وضعت إرهاصاته ديسمبر، وهي ما تنشده بكل وضوح. ثورة ديسمبر هي المحاولة الأولى، والأكثر أثرا، للخروج من ثوب الجماعة، وتأسيس المجتمع الذي لا يمكن أن يقوم إلا على مفهوم الفرد.
الفرد هو مقولتنا الراهنة، والتي يُدعم تأسيسها بالتنظير والعمل. ولا عزاء للشعبويين الجنباء تجار الجماعات والهوية في مزاد السياسة السودانية.
• الطريقة التي تعمل بها لجان المقاومة، والنقابات، والمؤسسات المدنية المختلفة.. هي ليبرالية الطابع. أولًا؛ تسعى لأن تكون مؤسسات مستقلة عن الدولة، والأحزاب السياسية السودانية. ثانيا؛ هي اختيارات حرة يقوم بها الأفراد، ويدخلون فيها وفقا لذواتهم ورغباتهم، دون وصاية من الجماعة بالمعنى التاريخي. ثالثا؛ تعتمد نظام التمثيل، وهو أحد أعمدة الديمقراطية الليبرالية التمثيلية. رابعا؛ هي خروج على أشكال جماعية من الانتماء، مثل القبيلة والجغرافيا، أي خروج من الجماعة، ورغبة حقيقية نحو تأسيس المجتمع. خامسا؛ تفهم السياسة بالمعنى الأداتي، بمعنى لا تُعدّ الممارسة السياسية غاية في ذاتها، وإنما توظفها من أجل حماية الحقوق المواطنية أمام الدولة، وداخل المجتمع المدني.
حركة التاريخ عندنا، تسير نحو الانتقال من أشكال تقليدية ما قبل حديثة، لأشكال من الانتماء، حديثة، وفي الوقت نفسه ليبرالية. أي تقوم من خلال الفرد وليس الجماعة. وليس في ذلك أدنى ضير. بالعكس، هذا أمر جيد ومطلوب، في مجتمع عانى من وصاية الجماعة، وانعدام الأفراد، والسيادة المطلقة للحاكم المستبدين، وتغول الدولة على المؤسسات المستقلة عنها.

mido34067@gmail.com
/////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً