الخرطوم ـ «القدس العربي»: شارك الآلاف من المحتجين السودانيين، الثلاثاء، في تظاهرات أطلق عليها اسم، «هبة سبتمبر» التي توجهت نحو القصر الرئاسي وسط الخرطوم، للمطالبة بإسقاط حكم العسكر وتسليم السلطة للمدنيين.
وأحيا المحتجون ذكرى انتفاضة 13 سبتمبر/ أيلول 2013، التي خرجت ضد نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، احتجاجا على زيادة أسعار الوقود، والغلاء المعيشي. وراح ضحية قمع قوات الأمن العنيف للتظاهرات في ذلك اليوم الدامي والذي أطلق عليه لاحقا «هبة سبتمبر» نحو 200 شخص، حيث رميت الجثث في الطرقات.
ودعت تنسيقيات لجان المقاومة في الخرطوم الى تظاهرات، الأمس، مؤكدة أن «الشعب السوداني، ما يزال يواصل حراكه السلمي، من أجل الحرية والسلام والعدالة».
«أقوى الملاحم»
وقالت، في بيان، إن «الثورة السودانية ماضية في تسطير أقوى الملاحم، وإن الشعب سيواصل حراكه من أجل إسقاط حكم العسكر مستخدما التظاهرات والإضرابات المشروعة، وغيرها من أدوات المقاومة السلمية». وأضافت: «لن يهدأ لنا بال حتى نصل لدولتنا المدنية الديمقراطية التي حلمنا بها منذ فجر (هبة سبتمبر) وإلى يومنا هذا» مؤكدة مواصلة الطريق لإسقاط الانقلاب.
«جمرة الغضب»
أما مجموعة «غاضبون بلا حدود» التي تتقدم التظاهرات، فقالت: «ستظل جمرة الغضب فينا متقدة، وسنواصل زحف رفاقنا منذ هبة سبتمبر 2013 وسنتحمل مسؤولية القصاص لهم، فهذه الأرض لنا وتحمل خطواتنا على ظاهرها وأجسادنا في باطنها، ولن تغفر لنا إن تراجعنا أو ارتحنا، برغم ضيق الحال وجحيم المعيشة ونهب حقوقنا كل يوم بالاتفاقيات والتسويات». وتابعت: «سنظل نكدر حال اللصوص وسوف نشعل الشوارع غضبا ولهيبا، ونحتل القصر (قصر الشعب) وعيننا على سلطتنا المخضبة بدماء الشهداء وأنين الأمهات».
وتجمع المحتجون في محطة شروني وسط الخرطوم، حاملين صور ضحايا التظاهرات والأعلام ورايات لجان المقاومة، رافعين شعارات تؤكد تمسكهم بالقصاص لضحايا العنف العسكري، ومطالبهم بالحكم المدني الديمقراطي.
ثم اتجهوا، إلى محيط محطة شروني للمواصلات، القريبة من القصر الرئاسي، في وقت واجهت قوات الأمن المحتجين بالرصاص المطاطي وإطلاق الغاز المسيل للدموع والقنابل الصوتية بكثافة على المتظاهرين.
وما بين كر وفر تواصلت التظاهرات، حتى مساء الأمس، حيث قام المحتجون ببناء المتاريس «الحواجز» وحمل الذين يتقدمون التظاهرات دروعا خشبية وبلاستيكية، لمقاومة قمع السلطات.
درس باهظ الثمن
وقال المتظاهر، أحمد الرشيد، طالب جامعي (21 عاما) لـ«القدس العربي» إنهم «اليوم (أمس) يحيون ذكرى هبة سبتمبر، وهم يدركون مشكلات عدم التنظيم، التي واجهتها الاحتجاجات في ذلك الوقت، وعدم وجود قيادة ميدانية، الأمر الذي أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى برصاص الأمن، الأمر الذي أصبح درسا باهظ الثمن، وكان بداية حراك أكثر تنظيما، أسفر عن إسقاط نظام الرئيس المخلوع عمر البشير في العام 2019».
وأكد أنهم سيواصلون «تعبيد طريق الثورة مهما كلفهم ذلك، حتى يحققوا آمال ضحايا الانقلاب في الحكم المدني الديمقراطي والعدالة التي يستحقونها، وصولا لبناء سودان عظيم يشبه التضحيات التي ظل يبذلها السودانيون». وتابع: « مهما طال أمد الانقلاب، إرادة الشعب غلابة، ورغم مضي أكثر من 10 أشهر، تتواصل التظاهرات، لم يكل الشعب، أو تفتر همته».
أما رانيا عبد الكريم، طالبة (23 عاما) فقد لفتت في حديثها لـ«القدس العربي» إلى أن البعض، يتحدثون عن تصحيح مسار الثورة، بعد التعثر الذي حدث في انقلاب العسكر، مشددة على أن الثورة «ظلت ماضية في عهد البشير، وبعد تكوين الحكومة الانتقالية، وكذلك على انقلاب العسكر لم تتوقف، ولم يعوج طريقها، حتى يتم تصحيحها، وأنها ثورة مفاهيم وحراك سلمي شكله الشارع السوداني على طريقته وبما يشبه أحلامه وما يطمح له ويستحقه».
وأضافت إلى أن «الثورة تمر بفترة حرجة مليئة بالمتغيرات والتحديات الهائلة» مشيرة إلى أن كل «الثورات تمر بمثل هذه المرحلة». وتابعت إن «عدم تحقق تطلعاتنا، حتى الآن، أمر بديهي، ونحن ندركه تماما، ونواصل ثورتنا، ونأمل في تحقيق الحكم المدني الديمقرطي» مؤكدة أن «تحقيق العدالة لضحايا الثورات وعنف السلطات في هبة سبتمبر والثورة الحالية وما قبلها، مرتبط بشكل مفصلي بإسقاط الانقلاب وكسر الحلقة الشريرة للانقلابات وحكم العسكر للبلاد بشكل نهائي، وتأسيس السلطة المدنية». وتابعت: «لم ير السودانيون طوال عقود من حكم العسكر سوى البربرية والعنف، لذلك خرجوا للشوارع مطالبين بالحكم المدني، ولن يعودوا حتى يرجع العسكر للثكنات».
«طلبنا للقصاص»
كذلك، بينت، المتظاهرة لبابة حامد، موظفة (30 عاما) في حديثها لـ«القدس العربي» أن «السودانيين ظلوا يفقدون أرواحا غالية» مؤكدة أنها «تخرج كل يوم، وتتظاهر في الشارع، طلبنا للقصاص، وأنها لن تقبل بما هو دون ذلك، لا وبأي تسوية، لا تضمن تحقيق العدالة ومحاسبة كل الضالعين في أعمال العنف والقمع والقتل التي طالت السودانيين منذ الاستقلال، ومرورا بالانقلابات العسكرية المتوالية، وفترة حكم الإسلاميين، وصولا لانقلاب القائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، الذي كلف الشعب السوداني، مئات الأرواح، خلال قمع التظاهرات، وفي مناطق النزاعات». وأضافت: «إننا نريد أن نرى العدالة تتحقق أمامنا، وستظل ثورتنا مستمرة».
واستبقت الأجهزة الأمنية تظاهرات الأمس، بإغلاق جسر المك نمر الرابط بين مدينتي الخرطوم وبحري، والطرق المحيطة بالقصر الرئاسي، والقيادة العامة للقوات المسلحة. كما نفذت، منذ ظهيرة الاثنين، حملات استهدفت الشبان، في الطرق ووسائل المواصلات، حيث قامت قوات مشتركة بحلاقة شعورهم وضربهم أمام المارة.
وعلى الرغم من الحملة، انتظمت عشية التظاهرات مواكب دعائية لتظاهرات الثلاثاء، داخل أحياء مدن العاصمة السودانية الثلاثة – الخرطوم- بحري- أمدرمان- تواصلت لوقت متأخر، رفعت العديد من الشعارات التي تؤكد تمسك الشعب، بالقصاص وإسقاط الانقلاب. ونددت مجموعة «محامو الطوارئ» الناشطة في تقديم العون القانوني لضحايا الانقلاب، بالحملة، ووصفتها بـ«الانتهاك المهين للإنسانية والسلوك الذي يشابه ممارسات جهاز أمن الحركة الإسلامية».
حملة ممنهجة
وقالت في بيان، إنها «رصدت حملة منظمة وممنهجة قامت بها قوات هجين تتبع للقوات المسلحة والشرطة الأمنية وقوات الاحتياطي المركزي، في مواقع مختلفة في مدن العاصمة الثلاث، واستهدف الحملة بالدرجة الأولى فئة الشباب، عبر إنزالهم من المركبات العامة والخاصة في عدة إرتكازات والتعدي عليهم بالضرب وقص شعرهم قسرا» مؤكدة توثيق حالات نهب متعلقات شخصية. واعتبرت أن «هذه الحملة المقصود منها كسر عزيمة الشباب عبر هذه الانتهاكات الجسيمة والمهينة والحاطة للكرامة الإنسانية». وحذرت قادة الأجهزة الأمنية من أن «هذه الأعمال خارجة عن القانون وتمثل انتهاكات جسيمة تضاف إلى سجلات هذه الأجهزة التي امتلأت بانتهاكات حقوق الإنسان». وناشدت، كل ضحايا هذه الانتهاكات وشهود العيان بضرورة التواصل مع محامي الطوارئ من أجل توثيق هذه الانتهاكات. ومنذ انقلاب العسكر على الحكومة الانتقالية في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قتل 117 متظاهرا خلال قمع الأجهزة الأمنية للتظاهرات، حسب إحصاءات لجنة أطباء السودان المركزية، بينما أصيب أكثر من 6000 وفق رصد منظمة «حاضرين» الناشطة في علاج مصابي الثورة السودانية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم