حقوق المراة في الإسلام (2)

 


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم
المشكلات التي تواجه المرأة المسلمة في هذا العصر
هناك بعض الدوائر التي اتخذت من قضية المرأة احدى الوسائل لاظهار عداءها للإسلام، فوصفت خطاب الإسلام عن المرأة بأنه خطاب ديني متخلف،ينطلق من عقلية ذكورية. ويقف وراء هذا الهجوم بعض الليبراليين والعلمانيين، وبعض من يدعون الانتماء للاسلام،من اصحاب الرسالة الثانية للإسلام( الجمهوريون) ، الذين يقوم مذهبهم على التفريق بين القرآن المكي (الذي نزل في مكة) ،وصعب على المسلمين تحمل تعاليم تلك الفترة المكية،كما يزعمون،فنزل )القراـن المدني( الذي نزل بالمدينة،وعلى أساسه تكون المجتمع الاسلامي الاول ،والتعاليم التي تحكمه سياسية واقتصادية واجتماعية. ويزعم اصحاب هذه الدعوة انه نتيجة لتطور المجتمعات لم تعد تلك التعاليم صالحة لهذا الزمان ،فظهرت الدعوة الى الاسلام المكي او اسلام الاصول كما اطلقوا عليه. واعتبر زعيم الجمهوريين دعوته رسالة ثانية تحل محل الرسالة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم ،وكتب في هذا السياق كتابه المشهور( الاسلام برسالته الاولى لا يصلح لانسانية القرن العشرين) ، وان الرسالة التي جاء بها محمد صلحت للقرن السابع الميلادي ، وان ما جاء فيها من تقرير قوامة الرجل على المرأة ،والميراث ،والحجاب والطلاق الذي ورد في الشريعة الاسلامية، تجاوزها الزمان،-كما يزعمون. وانطلاقا من ذلك الفهم ،اثاروا العديد من القضايا حول المرأة ،تتضمن بطريقة غير مباشرة إتهام الإسلام في رسالته الأولى بأنَّه جاء بتعاليم فيها ظلم للمرأة، أو على أقل تقدير تميز، ، بينها وبين الرجل. ومن تلك المسائل التي أثيرت واعتبرها "الجمهوريون"، والليبراليون والعلمانيون ، بأنها تحط من قدر المرأة، وتقلل من مكانتها ،وتصادر بعض حقوقها: قضية القوامة التي جعلها الإسلام للرجل دون المرأة ،والميراث الذي جعل الإسلام نصيب الرجل فيه ضعف نصيب المرأة،والدية التي جعل الإسلام دية المرأة نصف دية الرجل،وشهادة المرأة،التي جعلها الإسلام تعدل نصف شهادة الرجل.هذا فضلاً عن القضايا المتعلقة بالطلاق وتعدد الزوجات.واضافة الى تلك التيارات التي تنطلق في مواقفها من رأي مسبق عن الاسلام ،او جهل به ،ظهرت بعض الحركات النسوية التي جارت تلك التيارات الفكرية،ورفعت شعارات تطالب بتجاوز قوانين الأحوال الشخصية ،ورفع التمييز ضد المرأة ،و تبني اتفاقية "سيدوا "،وقبول كل ما جاء فيها، الى غير ذلك من شعارات . ويلاحظ بان معظم المقالات المنشورة على صفحات سودانايل ،والتي كتبها جمهوريون ،او علمانيون لبيراليون بمختلف توجهاتهم تصب في هذا المسار ،من غير نظر الى ما جاء به الإسلام من تعاليم ،وموقفه من قضايا المرأة ،وهو ما نسعي الى بيانه فيما يلي:
القوامة:
جعل الإسلام القوامة في الحياة الزوجية للرجل، يقول الله تعالى : (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ..ً) (النساء:34) .وقد ذهب البعض إلى القول بأنَّ القوامة التي قررها الإسلام تتضمن انتقاصاً من قدر المرأة ،والتمييز بينها وبين الرجل . و لا شك أنَّ هذا قول غير صحيح، لا سيما إذا نظرنا إلى القضية في اطارها العملي.فمما لا خلاف حوله، أنَّ نظام الأسرة، هو أساس المدنية والعمران، وبقاء النوع البشري.وتمثل الأسرة وحدة اجتماعية،وهي مهما صغرت وقل عدد أفرادها تحتاج إلى رئيس مسئول يتولى رعايتها وتوجيهها والدفاع عنها ،والقوامة عليها.و القوامة في هذا السياق، لا تعدو أن تكون تكليفاً ومسؤلية في اطار الحياة الزوجية. وقد جعلها الله تعالى لمن هو قادر عليها ومؤهل بحكم طبيعته ،ومسؤلياته للقيام بها، من غير أن ينتقص ذلك من قيمة أفراد الأسرة الآخرين.فالمساواة بين الرجل والمرأة قاعدة مقررة، كما سبق أن أشرنا،ويؤكد ذلك قول الله تعالى:( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ) البقرة:228،فالجملة الأولى من الآية تقرر مبدأ المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات،والجملة الثانية تشير إلى مبدأ القوامة،والذي تعبر عنه صراحة الآية: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) النساء:34. وهذا التفضيل،الذي جعلته الآية أحد اسباب جعل القوامة بيد الرجل، يتمثل في الفروق العاطفية والجسدية ،التي لا سبيل إلى انكارها.أمَّا السبب الثاني، فيتمثل في أنَّ الرجل هو المكلف شرعاً بالانفاق على الأسرة ،فيكون هو الأولى بالقوامة. والقوامة، في الجملة ليست قوامة مطلقة،تحمل معنى الهيمنة والسيطرة، بل هي مسؤلية ،محكومة بقيم الإسلام في وجوب المودة والرحمة ،والمساواة والتناصر والتكافل بين الزوج وزوجه، في الحقوق والواجبات،ومحكومة بالشورى التي يسهم بها الطرفان، ويشاركان عن طريقها، في تدبير شئون الأسرة.ومن ثم لا يتوقع أن تؤدي إلى الانتقاص من قدر المرأة ،و لا توحي بأنَّ المرأة أقل درجة من الرجل، اللهم إلاَّ إذا أُسيءَ فهمها،وتصرف فيها الرجل من غير مراعاة لضوابط الشرع وآدابه.
الميراث:
أما بالنسبة للميراث ، ،فلا بد بداية من الاشارة إلى أنَّ الإسلام هو أول نظام يثبت للمرأة نصيباً من الميراث من أبيها وأخيها وزوجها وأرحامها،بعد أن لم يكن لها شيء من الميراث قبل هذا في النظم الأخرى.وبهذا أوقف الإسلام الظلم التاريخي الذي لحق بالمرأة من جراء حرمانها من الميراث وأنقذها من بعض النظم التي جعلتها هي نفسها جزءا من الميراث الذي يتداول. يقول الله تعالى :( لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً) النساء:7.
كما لابد من بيان الفلسفة التي يقوم عليها نظام الميراث في الإسلام والمعايير التي تحكمه.ذلك أنَّ التفاوت بين أنصبة الوارثين والوارثات تحكمه ثلاثة معايير:
أولها: درجة القرابة بين الوارث –ذكراً أو أنثى-وبين المورَّث-المتوفى-فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث. وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب في الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين.
ثانيهما: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال.. فالأجيال التي تستقبل الحياة، وتستعد لتحمل أعبائها،عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة وتتخفف من أعبائها،وتصبح أعباؤها عادة مفروضة على غيرها،وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات-فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه-وكلتاهما أنثى-بل وترث البنت أكثر من الأب-حتى لو كانت رضيعة لم تدرك شكل أبيها.
ثالثها:العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين..وهذا هو المعيار الوحيد الذي يثمر تفاوتاً بين الذكر والأنثى.. لكنه تفاوت لا يفضي إلى أي ظلم أو انتقاص من حقوقها.ففي حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون في درجة القرابة.. واتفقوا وتساووا في موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال-مثل أولاد المتوفى-ذكوراً وإناثاً-يكون تفاوت العبء المالي هو السبب في التفاوت في أنصبة الميراث، ولذلك لم يعمم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى في عموم الوارثين،وإنما حصره في هذه الحالة بالذات فقالت الآية القرآنية: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) النساء:11،ولم يقل يوصيكم الله في عموم الوارثين.
والحكمة في التفاوت هنا تنطلق من القاعدة التي قوم عليها نظام الميراث في الإسلام " الغنم بالغرم" ،بمعنى أن الحقوق يجب أن تتناسب مع الواجبات وإلا اختل ميزان العدل ، فالإسلام، وهو يعطي المرأة نصف ما يعطيه للرجل ، هو في الواقع يفضلها على الرجل،لأنَّ الإسلام يعفي المرأة من تبعات الإنفاق على الأسرة.فالرجل هو الذي يتحمل تبعة الإنفاق على الأسرة،ومنها المرأة،سواء أكان أباً لها ،أو زوجاً أو اخاً أو إبناً،كما أنَّه هو الذي يعطي المهر للمرأة ،وما تحصل عليه المرأة من ميراث أو مهر تدخره لنفسها و لا تكلف بإنفاق شيء منه- بينما ما يحصل عليه الرجل ينفق منه على المرأة –بنتاً له أو زوجةً أو اختاً أو أماً.
أمَّا إذا سقطت الواجبات في الانفاق، وخفت التبعات والمسؤوليات المالية،عندئذ تصبح الحصة في الميراث متساوية بين الذكر والأنثى،ومن ذلك:
• حال الأبوين اللذين يرثان أولادهما وكان للمتوفى ولد ذكر فلكل منهما السدس،يقول تعالى:( وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ) النساء:11.
• حال الاخوة لأم إذ يسوى بينهم في الميراث ذكوراً وإناثاً.فإن كان الوارث واحد أخ أو أخت فلكل منهما السدس،وإن كانوا أكثر من واحد فهم يشتركون في الثلث يوزع عليهم بالتساوي.( وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ) النساء:12.
ففي هذه الحالات ليس على الوارثين أعباء و لا مسؤليات لذلك تساوى فيها حق الرجل والمرأة في الميراث.مما يدل على أنَّ الزيادة في ميراث الرجل على المرأة، ليست لتمايز جنس الرجل والمرأة ،أو للمفاضلة بينهما.
بل إنَّ استقراء حالات الميراث ومسائله يكشف ما يأتي:
1. إنَّ هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل.
2. وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها المرأة مثل الرجل تماماً.
3. وهناك حالات عشر أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل.
4. وهناك حالات ترث فيها المرأة و لا يرث نظيرها من الرجال.
أي أنَّ هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل،أو أكثر منه، أو ترث هي و لا يرث نظيرها من الرجال ،في مقابلة أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل. (انظر"(ميراث المرأة وقضية المساواة ،د.صلاح سلطان:) ص:10،46، نقلاًعن :عن التحرير الإسلامي للمرأة النومذج والشبهات ( محمد عمارة) مجلة المسلم المعاصر، العدد: (110) ص:117-118).
دية المرأة:
أما بالنسبة لدية المرأة، والتي حددها الإسلام بأنها نصف دية الرجل ،فلا يتنافى هذا التحديد، مع ما قرره الإسلام من مساواة تامة بين الرجل والمرأة في الإنسانية والأهلية، والكرامة الإجتماعية،لأن أمر الدية إنما يتعلق بقدر الضرر الذي يلحق بالأسرة بقتل الرجل أو المرأة.فإذا كان القتل عمداً وجب القصاص من القاتل سواءً أكان المقتول رجلاً أم إمرأة،وسواء أكان القاتل رجلاً أم إمرأة ، لأننا هنا بصدد روح إنسان في مقابل روح إنسان ،والرجل والمرأة مستويان في الإنسانية.يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى) البقرة:178. ويقول أيضاَّ: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) المائدة:45.
أما في القتل الخطأ الذي تجب فيه الدية،فإن الدية هنا تعد عوضاً مادياً عن الخسارة التي تلحق الأسرة بسبب قتل أحد أفرادها.- وهذه الخسارة تتضاعف، إذا كان المقتول رجلاً.فالأولاد الذين قتل أبوهم،والزوجة التي قتل زوجها –قد فقدوا من يعولهم وينفق عليهم-وهي خسارة مادية فادحة.أما الأولاد الذين قتلت أمهم ،والرجل الذي قتلت زوجته،فإنَّهم لم يفقدوا إلا الناحية المعنوية- وهي لا تقدر بثمن و لا تعوض بمال.
فالدية إذن ليست ثمناً مقابلاً للمقتول.فإنَّ الإنسان لا يقدر بالمال.و ليست في مقابل الإنسان الذي فقد،بل هي في مقابل الخسارة المادية المترتبة على فقد الإنسان. وهي في فقد الرجل أعظم،تطبيقا للقاعدة الأصولية " الغرم بالغنم".
شهادة المرأة :
اتهم الإسلام بأنَّه انتقص من قدر المرأة وجعلها نصف إنسان، حينما جعل الإسلام شهادتها تعدل نصف شهادة الرجل،كما ورد في قي قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا) البقرة 282.
ومصدر الشبهة -كما يقول د.محمد عمارة- هو الخلط بين " الشهادة" و"الاشهاد"،الذي تتحدث عنه الآية.فالشهادة التي يعتمد عليها القضاء في اكتشاف العدل المؤسس على البينة،واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم،لا تأخذ من الذكورة أو الأنوثة معياراً لصدقها أو كذبها،ومن ثم قبولها أو رفضها.. وإنَّما معيارها تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة،بصرف النظر عن جنس الشاهد،ذكراً أكان أو أنثى، وبصرف النظر عن عدد الشهود.. فللقاضي إذا اطمأن ضميره إلى ظهور البينة، أن يعتمد شهادة رجلين،أو امرأتين،أو رجل وامرأة،أو رجل وامرأتين،أو امرأة ورجلين،أو رجل واحد،أو امرأ’ واحدة.. و لا أثر للذكورة أو الأنوثة في الشهادة التي يحكم القضاء بناءً على ما تقدمه له البينات." (عن التحرير الإسلامي للمرأة ( محمد عمارة) ص:119.)
فالآية تتحدث عن الإشهاد الذي يقوم به صاحب الدين،للاستيثاق من الحفاظ على دينه،وليس عن "الشهادة" التي يعتمد عليها القاضي في حكمه بين المتنازعين. فهي-أي الآية- موجهة لصاحب الحق –الدين،وليس إلى القاضي الحاكم في النزاع.. بل إنَّ هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب حق-دين-و لا تشترط من مستويات الإشهاد وعدد الشهود في كل حالات الدين.. وإنما توجهت بالنصح والارشاد-فقط النصح والإرشاد-إلى دائن خاص،وفي حالات خاصة من الديون،لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية.فهو دين إلى أجل مسمى،و لا بد من كتابته،و لا بد من عدالة الكاتب ويحرم امتناع الكاتب عن الكتابة. و لا بد من إملاء الذي عليه الحق.. وإنَّ لم يستطع فليملل وليه بالعدل..والإشهاد لا بد أن يكون من رجلين من المؤمنين..أو رجل وامرأتين من المؤمنين.. وأن يكون الشهود ممن ترضى عنهم الجماعة..و لا يصح امتناع الشهود عن الشهادة..وليست هذه الشروط بمطلوبة في التجارة الحاضرة .. و لا في المبايعات.
وقد أدرك حقيقة أنَّ الآية تتحدث عن "الإشهاد" في دين خاص ،وليس عن الشهادة،وأنها نصيحة وارشاد لصاحب الدين ذي المواصفات الخاصة، وليست تشريعاً موجهاً إلى القاضي-الحاكم –في المنازعات،العلماء المجتهدون من أمثال ابن تيمية،وتلميذه ابن القيم من القدماء،والشيخ محمد عبده،والشيخ شلتوت من المحدثين المعاصرين.يقول ابن تيمية فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم:" إنَّ القرآن لم يذكر الشاهدين،والرجل والمرأتين في طرق الحكم.التي يحكم بها الحاكم،,إنما ذكر النوعين من البيانات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه،فقال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) .... إلى قوله تعالى(وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى) البقرة 282.،فأمرهم سبحانه ،بحفظ حقوقهم بالكتاب،وأمر من عليه الحق أن يملي الكاتب،فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه، أملى عنه وليه.ثم أمر من له الحق أن يستشهد على حقه رجلين،فإن لم يجد فرجل وامرأتان.ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن التخلف عن اقامتها إذا طلبوا لذلك.ثم رخص لهم في التجارة الحاضرة ألا يكتبوها.ثم أمرهم إذا كانوا على سفر،ولم يجدوا كاتباً، أن يستوفوا بالرهان المقبوضة.
كل هذا نصيحة لهم،وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم،وما تحفظ به الحقوق شيء وما يحكم به الحاكم( القاضي) شيء،فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والمرأتين،فإنَّ الحاكم يحكم بالنكول،واليمين المردودة،و لا ذكر لهما في القرآن- وأيضاً،فإنَّ الحاكم يحكم بالقرعة-بكتاب الله وسنة رسوله الصريحة-ويحكم بالقافة-بالسنة الصريحة الصحيحة،التي لا معارض لها-ويحكم بالقسامة-بالسنة الصحيحة الصريخة- إلى غير ذلك من أنواع الاثبات... فإن قيل :فظاهر القرآن يدل على الشاهدين،وأنه لا يقضى بهما إلاَّ عند عدم الشاهدين.قيل: القرآن لا يدل على ذلك،فإن هذا أمر لأصحاب الحقوق بما يحفظون به حقوقهم،فهو سبحانه أرشدهم إلى أقوى الطرق،فإن لم يقدروا على أقواها انتقلوا إلى دونها.. وهو سبحانه،لم يذكر ما يحكم به الحاكم،وإنما أرشد إلى ما يحفظ به الحق،وطرق الحكم أوسع من الطرق التي تحفظ بها الحقوق.( الطرق الحكمية ( ابن القيم ) ص: 103-105،219-236.)
ويعلق ابن القيم على ما أورده عن شيخه ابن تيمية، فيقول: " قلت-أي ابن القيم- وليس في القرآن ما يقتضي أنه لا يحكم إلا بشاهدين،أو شاهد وامرأتين،فإنَّ الله سبحانه إنَّما أمر بذلك أصحاب الحقوق أن يحفظوا حقوقهم بهذا النصاب،ولم يأمر بذلك الحكام أن يحكموا به،فضلاً عن أن يكون قد أمرهم ألا يقضوا إلا بذلك. ولهذا يحكم الحاكم بالنكول،واليمين المردودة،والمرأة الواحدة،والنساء المنفردات، لا رجل معهنَّ .. وبغير ذلك من طرق الحكم التي لم تذكر في القرآن،فطرق الحكم شيء،وطرق حفظ الحقوق شيء آخر،وليس بينهما تلازم،فتحفظ الحقوق بما لا يحكم به الحاكم مما يعلم صاحب الحق أنه يحفظ به حقه،ويحكم الحاكم بما لا يحفظ به صاحب الحق حقه،و لا خطر على باله..". (المرجع نفسه ص:198.) ثم ذكر ابن تيمية عدداً من حالات البينات والشهادات التي يجوز للقاضي –الحاكم-الحكم بناءً عليها،فقال:" إنَّه يجوز للحاكم- القاضي- الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه،في غير الحدود،ولم يوجب الله على الحكام ألا يحكموا إلا بشاهدين أصلاً،وإنًما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين،أو بشاهد وامرأتين،وهذا لا يدل على أن الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك،بل قد حكم رسول الله بالشاهد واليمين،وبالشاهد فقط،وليس ذلك مخالفاً لكتاب الله عند من فهمه،و لا بين حكم الله وحكم رسوله خلاف..وقد قبل النبي شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان،وتسمية بعض الفقهاء ذلك إخبار،لا شهادة،أمر لفظي لا يقدح في الاستدلال،ولفظ الحديث يرد قوله. وأجاز ،شهادة الشاهد الواحد في قضية السلب،ولم يطالب القاتل بشاهد آخر،و لا استحله،وهذه القصة (وروايتها في الصحيحين)-صريحة في ذلك.. وقد صرح الأصحاب:أنه تقبل شهادة الرجل الواحد من غير يمين عند الحاجة،وهو الذي نقله الخرقي(334ﻫ،945م) في عصره،فقال:وتقبل شهادة الطبيب العدل في الموضحة إذا لم يقدر على طبيبين،وكذلك البيطار في داء الدابة.." ( المرجع نفسه ص:98، 113، 123.). وقد أكد ابن القيم رايه هذا في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين، حيث قال:" إن البينة في كلام الله ورسوله،وكلام الصحابة اسم لكل ما بين الحق.. ولم يختص لفظ البينة بالشاهدين.. وقال الله في أية الدين: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى ) فهذا في التحمل والوثيقة التي يحفظ بها صاحب المال حقه،لا في طرق الحكم وما يحكم به الحاكم،فإن هذا شيء وهذا شيء،فذكر سبحانه ما يحفظ به الحقوق من الشهود،ولم يذكر أن الحكام لا يحكمون إلا بذلك.. فإنَّ طرق الحكم أعم من طرق حفظ الحقوق.. وقال سبحانه: (مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء )،لأنَّ صاحب الحق هو الذي يحفظ ماله بمن يرضاه".
وعللَّ ابن تيمية حكمة كون شهادة المرأتين في هذه الحالة –تعدل شهادة الرجل الواحد،بأنَّ المرأة ليست مما يتحمل عادة مجالس وأنواع هذه المعاملات.. لكن إذا تطورت خبراتها وممارساتها وعاداتها،كانت شهادتها-حتى في الإشهاد على حفظ الحقوق والديون-مساوية لشهادة الرجل فقال:" و لا ريب أنَّ الحكمة في التعدد هي في التحمل، فأما إذا عقلت المرأة،وحفظت وكانت ممن يوثق يدسنها فإنَّ المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات،ولهذا تقبل شهادتها وحدها في مواضع،ويحكم بشهادة امرأتين ويمين الطالب في أصح القولين،وهو قول مالك،وأحد الوجهين في مذهب أحمد .. والمقصود أنَّ الشارع لم يقف الحكم في حفظ الحقوق البتة على شهادة ذكرين،لا في الدماء و لا في الأموال و لا في الفروج و لا في الحدود.. وسر المسألة ألا يلزم من الأمر بالتعدد في جانب التحمل وحفظ الحقوق، الأمر بالتعدد في جانب الحكم والثبوت،فالخبر الصادق لا تأتي الشريعة برده أبداً" (. إعلام الموقعين عن رب العالمين ج1 ص:90-92 ، 95 ، 103-104 طبعة بيروت 1973م.)
وهذا ما ذهب إليه كل من الشيخ محمد عبده والشيخ شلتوت ،فقد أرجع الشيخ محمد عبده تميز شهادة الرجال على هذا النحو-الذي تحدثت عنه الآية-على شهادة النساء ،إلى كون النساء-في ذلك التاريخ كنَّ بعيدات عن حضور مجالس التجارات،ومن ثم بعيدات عن تحصيل التحمل والخبرات في هذه الميادين.. وهو واقع تاريخي خاضع للتطور والتغيير،وليس طبيعة و لا جبلة في جنس النساء على مر العصور.واستبعد الشيخ محمد عبده ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن العلَّة في استبعاد شهادة المرأة في المسائل المالية،يعود إلى ضعف ذاكرة المرأة. يقول الشيخ محمد عبده:" تكلم المفسرون في هذا،وجعلوا سببه المزاج،فقالوا إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان،وهذا غير متحقق،والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات،فلذلك تكون ذاكرتها ضعبفة،و لا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها،فإنها أقوى ذاكرة من الرجل،يعني أن من طبع البشر ذكراناً وإناثاً،أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها." (الأعمال الكاملة للأستاذ محمد عبده ج 4 ص:732. دراسة وتحقيق د.محمد عمارة طبعة القاهرة 1993م)
ولقد ذهب الشيخ شلتوت إلى ما ذهب إليه ابن تيمية وابن القيم ومحمد عبده،فكتب يقول:" إنَّ قول الله،سبحانه وتعالى:( فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ )،ليس وارد في مقام الشهادة التي يقضي بها القاضي ويحكم،وإنَّما هو في مقام الارشاد إلى طريق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل: :( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين .... الى قوله وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى) البقرة 282.. فالمقام مقام استيثاق على الحقوق، لا مقام قضاء بها.والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقها.
وليس معنى هذا أنَّ شهادة المرأة الواحدة،أو شهادة النساء اللائي ليس معهن رجل ،لا يثبت بها الحق،و لا يحكم بها القاضي،فإنَّ أقصى ما يطلبه القضاء هو البيِّنة. ثم أورد رأي ابن القيم في البيِّنة. ورأي الشيخ محمد عبده في سبب تميز شهادة الرجل عن المرأةمؤكداً ما ذهبا إليه قائلاً:" هذا وقد نص الفقهاء على أنَّ من القضايا ما تقبل فيه شهادة المرأة وحدها،وهي القضايا التي لم تجر العادة باطلاع الرجال على موضوعاتها،كالولادة والبكارة وعيوب النساء،والقضايا الباطنية. وعلى أن منها ما تقبل فيه شهادة الرجل وحده،وهي القضايا التي تثير موضوعاتها عاطفة المرأة و لا تقوى على تحملها،على أنهم رأوا قبول شهادتها في الدماء إذا تعينت طريقاً لثبوت الحق واطمئنان القاضي إليها، وعلى أنَّ منها ما تقبل شهادتهما معاً" وقد أكد شلتوت رأيه بالاشارة إلى ما نص عليه القرآن على التسوية بين الرجل والمرأة في شهادات اللعان حينما يتهم الرجل زوجته بالزنا، وليس له على ما يقول شهود،:( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ ، عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) النور:6-9 .فقد نص القرآن الكريم على أن يشهد الرجل أربع شهادات يعقبها استمطار لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين،ويقابلها ،ويبطل عملها أن تشهد المرأة أربع شهادات،يعقبها استمطار غضب الله عليها إن كان من الصادقين،فهذه –كما يقول الشيخ شلتوت-عدالة الإسلام في توزيع الحقوق العامة بين الرجل والمرأة ،وهي عدالة تحقق أنهما في الإنسانية سواء"( الإسلام عقيدة وشريعة ( محمود شلتوت) ص:239-241 بتصرف. طبعة القاهرة 1400/1980.)
وهكذا يتبين خطأ ما ذهب إليه البعض من تمييز الإسلام بين المرأة والرجل في الشهادة،وأن مرد الخطأ يعود إلى خطأ في فهم النصوص الواردة في هذا الشأن.
الطلاق
قد أثير كثير من اللغط حول الطلاق ،مصدره الأساسي هو سوء استخدام المسلمين لهذه الرخصة.فالطلاق كما يقول قادة الحملة ضده،لا يتفق مع حقوق الإنسان، حيث يؤدي إلى اهدار كرامة المرأة وتشتيت الأسرة،ومما يزيد الأمر سوءاً جعل الطلاق بيد الرجل دون المرأة،فيصبح سيفاً مسلطاً على رقبة المرأة.
أما بالنسبة للقضية الأولى،فيمكن القول بأن الشريعة مقصدها الأسمى مصالح العباد،و الأصل في عقد الزواج وفقا للشريعة المحبة والرحمة، يقول تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)الروم:21،كما ينبني على الاستقرار والدوام فهو عقد مؤبد لا يجوز فيه التأقيت بوقت محدد،وأي شرط لتقييده يعتبر شرطاً لاغياَ.
لكن رغم ذلك قد تنشأ بين الزوجين بعض الخلافات التي تعود إلى اختلاف الطباع والعادات والرغبات والمصالح والأمزجة،أو إلى سوء اختيار أحد الزوجين للآخر،ولذا وضع الإسلام تشريعاً محكماً لعلاج ذلك رعاية لمصلحة الفرد والجماعة،وهو تشريع عادل يتدرج على مراحل ،ولو التزم الناس به لسعدوا جميعا ،ولم يشعروا بشيء من الغبن والظلم. وهذا التشريع يلتزم الخطوات التالية:
1. يطالب الإسلام إبتداءً كلاً من الرجل والمرأة أن يحسن اختيار صاحبه عند الاقدام على الزواج.
2. يطلب من الطرفين استشعار مسئوليته نحو الآخر،ونحو ثمرة الزواج وهم الأولاد: ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته:الرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته،والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها.."
3. عند ظهور بوادر الخلاف،بين الزوجين، ينبغي على كل من الطرفين أن يتحلى بالصبر ،ويحاول تجاوز الخلاف،واصلاح ذات البين : (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) النساء:19، " لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي غيره".
4. إذا تطور الخلاف،وجب ادخال الأقارب لازالة أسباب الخلاف: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ا ) النساء:35
إذا فشل الطرفان في رأب الصدع واعادة المياه إلى مجاريها،وشقَّ على الزوجين الاستمرار في الحياة الزوجية ،أبيح للرجل أن يطلق زوجته طلقة واحدة رجعية- تمكث المرأة في بيت الزوجية لمدة ثلاثة أشهر تقريباً،وذلك من أجل أن يراجع كل من الزوجين موقفه، وتكون هناك فرصة لعودة المياه إلى مجاريها.و لا يصار إلى الطلاق إلا بعد طرق جميع أبواب الإصلاح،وفشل كل الوسائل المؤدية إلى الوفاق،والتأكد من استحكام النفور بين الزوجين واستحالة العشرة بينهما. ومع أنًّ الإسلام أباح الطلاق في هذه الحالة،إلا أنَّه لا يرضى عنه بل يذمه وينفر منه،فيقول الرسول :" أبغض الحلال إلى الله الطلاق". ويقول أيضاً: " لا تطلقوا النساء إلا من ريبة،فإنَّ الله لا يحب الذواقين والذواقات". لذلك اختلف الفقهاء في حكم الطلاق ،هل هو مباح أم محظور؟ والأصح ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة وهو الحظر إلا لحاجة أو ضرورة فيباح.جاء في الهداية: " والأصل فيه الحظر لما فيه من قطع النكاح الذي تعلقت به المصالح الدينية والدنيوية،والاباحة للحاجة إلى الخلاص". (الهداية ( الشربيني) 3/279. )،وقال الإمام مالك :"الأصل في الطلاق الحظر، والاباحة لحاجة الخلاص".( نفس المصدر:3/279.)
أما القضية الأخرى: وهي لماذا جعل الطلاق بيد الرجل.فحقيقة ليس في ذلك تمييزا للرجل على المرأة،وانما اعتبر الإسلام في هذه المسألة ما يأتي:
1. إنَّ الرجل هو صاحب القوامة على الأسرة ،وهو المكلف بالانفاق عليها،فمن الطبيعي أن يكون صاحب الحق في الابقاء على الزواج أو عدمه.
2. إنَّ الرجل أبعد عن التأثير بالغضب العارض،والنفور الطاريء،وأكثر اتزاناً في تقدير عواقب الأمور،خلافا للمرأة التي غالبا ما تتحكم فيها عواطفها وانفعالاتها الوقتية،فلو أسندنا حق الطلاق إليها، لقضي على كثير من الأسر لمجرد غضب عارض أو انفعال طارىء.
وانصافاً للمرأة أعطاها الإسلام الحق في انهاء رابطة الزواج ،حتى لا تضار إذا اكتشفت أنَّ زوجها سيء العشرة،أو ذا عيب يمنع دوام الحياة الزوجية:
• فلها الحق أن تشترط في عقد الزواج أن يكون الطلاق بيدها.
ولها الحق في التخلص من زوج لا ترغب فيه،بأن تتفق معه على دفع مبلغ من المال مقابل تطليقها،وهو المسمى بالخلع،وهذا المال يعد تعويضاً للرجل عن المال الذي دفعه في الزواج.يقول الشيخ سيد سابق:" فإن كانت الكراهية من جهة الرجل،فبيده الطلاق،وهو حق من حقوقه،وله أن يستعمله في حدود ما شرع الله،وإن كانت الكراهية من جهة المرأة،فقد أباح لها الإسلام أن تتخلص من الزوجية بطريق الخلع، بأن تعطي الزوج ما كانت أخذته منه باسم الزوجية لينهي علاقته بها" ثم يقول :" وفي أخذ الزوج الفدية عدل وانصاف: إذ أنَّه هو الذي أعطاها المهر،وبذل تكاليف الزواج والزفاف وأنفق عليها ،وهي التي قابلت هذا كله بالجحود ،وطلبت الفراق،فكان من النصفة أن ترد عليه ما أخذت. وإن كانت الكراهية منهما معاً:فإن طلب الزوج التفريق فبيده الطلاق وعليه تبعاته،وإن طلبت الزوجة الفرقة،فبيدها الخلع وعليها تبعاته كذلك ".( فقه السنة ( السيد سابق) دار الكتاب العربي بيروت لبنان طبعة ثالثة:1397/1977،ج 2 ص:294-295 )، ودليل الخلع :ما ورد في قصة إمرأة ثابت بن قيس بن شماس، التي جاءت إلى رسول الله  فقالت : يا رسول الله ،ما أعتب عليه(أي على زوجها)، في خلق و لا دين،ولكن أكره الكفر في الإسلام،فقال رسول الله:" أتردين عليه حديقته،قالت: نعم،فقال رسول الله :أقبل الحديقة وطلقها". ولكن كما ضيق الإسلام في الطلاق فقد ضيق في الخلع ،وجعله آخر الحلول لحسم الخلاف،فقد روي عن الرسول  أنَّه قال:" أيما إمرأة سألت زوجها طلاقها من غير بأس ،فحرام عليها رائحة الجنة"
• كما أنَّ المرأة لها الحق في طلب الطلاق اذا كان الزوج سيء العشرة ،أو اكتشفت فيه عيوباً منفرة،أو لا تستقيم معها الحياة الزوجية السليمة،أو كان مريضاً بمرض مؤذ تسري عدواه إليها.
تعدد الزوجات
من القضايا المثارة من قبل دعاة تحرير المرأة والمدعين أنَّ الإسلام لم ينصف المرأة، قضية تعدد الزوجات،بدعوى أنَّ التعدد فيه ظلم للمرأة واهدار لكرامتها،ووسيلة لتحقيق متع الرجل ومآربه وشهواته على حساب كرامة المرأة.
وبداية لا بد من القول بأنَّ الاسلام لم يضع نظام تعدد الزوجات،بل كان نظاماً معروفاً قبل الإسلام في معظم المجتمعات، ويمارس لدى كثير من الشعوب،ولم يرد ما يمنعه في الديانات،فلم يرد مثلا في "العهد الجديد"(الانجيل)، أي نص يحرم تعدد الزوجات،وبقي تعدد الزوجات أمرا مباحا في العالم المسيحي حتى القرن السابع عشر. وفي العهد القديم ( التوراة)،نجد نصوصا صريحة تدل على أن التعدد كان يمارس على نطاق واسع حتى بين الأنبياء،ومن بينهم داوود وسليمان ، ولقد كان لسليمان كما ورد في النصوص التوراتية ألف إمرأة : منهن سبعمائة من الحرائر وثلاثمئة من الاماء.( الاصحاج الحادي عشر من سفر الملوك الأول.
وفي مجتمع الجزيرة العربية كان تعدد الزوجات يمارس دون التقيد بعدد معين،ووصل الأمر فيه إلى حد الفوضى.
ومن ثم كانت الحاجة ماسة إلى وجود تشريع يقضي على هذه الفوضى وينظم تعدد الزوجات،تنظيماً يبقي على خيره ،وينفي شره،فجاءت الشريعة الإسلامية لاصلاح هذا النظام وتهذيبه،فهي تضع حدوداً تحول دون الاباحة المطلقة وفي الوقت نفسه لا تغمض العين عن الضرورة التي قد تلجيء الزوج أو الزوجة أو المجتمع كله إلى قبول التعدد.
فالإسلام لم يبتدع هذا النظام،كما أنه لم يفرضه فرضا،ولكن أباحه عند الضرورة. يقول تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ...) النساء:3.
ولكن هذه الاباحة ليست مطلقة بل مقيدة بشروط صريحة:
أحدهما: العدل بين الزوجات فيما هو في مقدرته: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) النساء:3. ويقول الرسول :" من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط".( المسند 2/295،أبو داود ( 2133).). فعدم العدل من الظلم ،ومن الكبائر.وقد فسر جمهور المفسرين العدل بالتسوية بين الزوجات في النفقة وحسن العشرة،فهو كما قال الجصاص :" العدل الظاهر بينهن بالمساواة في الانفاق والمساواة في المعاملة،وليس هو العدل في المحبة القلبية،لأنها أمر غير مستطاع،والله تعالى يقول: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) البقرة:286،لذلك فسروا العدل في قوله تعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً) النساء:129،العدل في المحبة والميل القلبي.وكان رسول الله  يقول: " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك" يعني المحبة لأت عائشة رضي الله عنها كانت أحب نسائه إليه.
ثانيهما: القدرة على الانفاق على أكثر من زوجة، (ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ) النساء:3،والمراد –كما قال الشافعي- ألا تكثر عيالكم.
وثالث: هذه الشروط أن لايتجاوز عدد الزوجات أربع ،كما نصت على ذلك آية النساء السابقة.
فإذا توفرت هذه الشروط فيباح للرجل أن يتزوج أكثر من واحدة،لمقابلة بعض الضرورات الشخصية أو الاجتماعية الحادة: كأن تكون الزوجة عقيما ،أو لا تصلح للحياة الزوجية ،بأن تكون مصابة بأمراض لا تتيح له معاشرتها معاشرة الأزواج.أو قد تخبو المحبة بينهما و لا سبيل إلى انعاشها،فيتعرض الرجل للغواية.أو يكون الرجل كثير الأسفار والتنقل و لا يستطيع حمل زوجته معه. ففي مثل هذه الضرورات الشخصية ،أيهما أفضل :الفراق مع ما فيه من تشرد الأطفال، وهدم كيان الأسرة ،أم التعدد مع المحافظة على الزوجة الأولى.
وفي بعض الاحيان قد تختل النسبة العددية ،فيزيد عدد الاناث عن عدد الذكور،لأسباب كثيرة منها الحروب ،وحوادث العمل،فتفرض حينئذ العزوبة على عدد كبير من النساء،فضلا عن تعرضهن للزلل والسقوط. فالحل لمثل هذه المشكلات الاجتماعية ولمثل هذا الاختلال في التوازن الاجتماعي يكون بواحد من ثلاثة احتمالات:
• أن يقتصر كل رجل على إمرأة واحدة وهذا يؤدي إلى العنوسة .
• أن يتزوج كل رجل إمرأة واحدة ويميل إلى أخريات بالطريق الحرام وهذا يؤدي إلى انحلال الأخلاق وفساد المجتمع ( كما هو في الغرب).
• أن يتزوج الرجل أكثر من إمرأة فيرفعها إلى شرف الزوجية ويؤمن لها المستقر والنفقة وحق الطفولة داخل الأسرة.
صحيح أنه قد أسيء استخدام هذه الرخصة ،وترتب على التعدد الذي لم ينضبط بضوابط الشرع وآدابه،كثير من المشكلات الاجتماعية لا سيما بالنسبة للأطفال ،ومن ثم دعا البعض إلى تحريمه ومنعه.ولكن سوء استخدام هذا الحق لا ينبغي أن يعالج بتحريم التعدد،ولكن بتهذيب النفوس،وتنوير العقول،وتعليم الناس حقائق الدين وآدابه.ويمكن وضع ضوابط عملية يتأكد فيها من توفر الشروط اللازمة في من يريد التعدد،وأن تكون هناك ضرورة ملحة تدفع إليه. وضمان حقوق المرأة،وحق الأولاد.
واذا استصحبنا مقاصد الشريعة يمكن ان نستنتج ان الرخصة الضيقة التي سمح بها الإسلام للتعدد اقرب الى المنع منها الى الاباحة،فابتداء ربط الشرع التعدد بالخوف من الجور على اليتامى( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ....) ،ثم وضع شرطا اخر اكثر صعوبة وهو العدل (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً..)،ومن ناحية واقع المجتمعات الاسلامية يلاحظ ان اكثر الفيئات التي تمارس تعدد الزوجات هم الاغنياء الموغلون في غناهم، والفيئات الاكثر فقرا وتخلفا وبدائية،بينما تقل حالات التعدد نسبيا لدى الفيئة الواعية المثقفة من ابناء الطبقة الوسطى،ولمعالجة هذه الفيئات ، التي تنتشر بينها هذه الظاهرة يمكن تفنين الظاهرة ووضع القوانين والشروط التي تقلل من الظاهرة بأن تشترط موافقة الزوجة الأولى، اوعرض طلب التعدد على القضاء، ووضع المبررات الموضوعية،وموافقة القاضي على قبولها .( انظر: القدس العربي مقالة:"" في يومها العالمي -العنف المزدوج ضد المراة العربية "-عبد الحميد صيام.)

ا.د. احمد محمد احمد الجلي
ahmedm.algali@gmail.com
///////////////////

 

آراء