طارق أبوصالح*
فقدت الجالية اللبنانية والجاليات العربية والمُجتمع الأكاديمي في كندا الأستاذ الدكتور عبد الله الحاج عبيد، أُستاذ كُرسي الدراسات العربية ورئيس ومُؤسس قِسم الدراسات العربية ومُنسِّق البرنامج العربي في جامعة أوتاوا uOttawa، وأحد أبرز الأدمغة العربية المُهاجرة من لبنان، والذي تُوفي في العاصمة الكندية أوتاوا يوم الاثنين الماضي 21 يوليو 2025م بعد صراعٍ مرير مع مرض السرطان.
وُلد عبد الله عبيد عام 1939م في أميون، قضاء الكورة (مُحافظة لبنان الشمالي) في لبنان، ونشأ وترعرع في أميون. وبعد اكماله المرحلة الثانوية التحق بالجامعة اللبنانية في بيروت لدراسة الآداب والتربية، وأثناء دراسته تمّ انتخابه رئيساً لرابطة الطلاب. وبعد تخرّجه من الجامعة اللبنانية بالليسانس في اللُغة العربية وآدابها درّس في عدّة مدارس في لبنان قبل أن تتعاقد معه اليونسكو لتدريب المُعلمين في جمهورية الكونغو. وعند بلوغه السن القانونية للانتخاب في لبنان (21 عاماً)، عاد لمسقط رأسه وتمّ انتخابه عضواً في بلدية أميون وأدار شؤونها لعامين، وبعد ذلك أصبح القائم بأعمال البلدية وهو لا يزال شاباً يافعاً يتدّفق عطاءً وحُباً لبلاده ويتوق لخدمة مواطنيه.
أسّس مدرسة ثانوية خاصة (مدرسة الإصلاح الأرثوذوكسية) في أميون عام 1967م، أدارها لمدة تسع سنوات، وكتب خلال تلك الفترة العديد من الكتب والمسرحيات المدرسية، مِمّا جعل المدرسة مركز اشعاع ثقافي للمنطقة. كما افتتح أوّل مكتبة في منطقة الكورة، وشارك في العديد من الندوات مُلقياً المُحاضرات والخُطب.
تزوّج عبد الله الحاج عبيد من ماريان شمّاس في أميون عام 1976م، وغادرا بيروت في رحلة لقضاء شهر العسل. وخلال غيابهما ومع اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية، تمّ نهب وتدمير منزله ومدرسته ومكتبته بالكامل، فلم يبقَ لهما ما يعودان إليه في لبنان، فقدّم وزوجته طلباً للهجرة إلى كندا من جزيرة باربادوس، ووصلا كندا كمُهاجرين دائمين في سبتمبر من العام نفسه.
بعد وصوله كندا استقر عبد الله عبيد في أوتاوا Ottawa، وبدأ في تدريس برامج التعليم الفرنسي للناطقين باللُغة الإنجليزية في منطقة أيلمار Aylmer في قاتينو Gatineau التي تتبع لمقاطعة كيبيك وتقع في الأراضي الواقعة في إقليم العاصمة الكندية National Capital Region (NCR) الذي يضُّم مدينة أوتاوا في مقاطعة أونتاريو ومدينة قاتينو في مُقاطعة كيبيك والمناطق الحضرية والريفية فيهما. وفي عام 1982م، أسّس برنامج الدراسات العربية في جامعة أوتاوا، وشغل منصب مُدير كرسي الدراسات العربية لمدة 37 عاماً. تخرّج آلاف الطلاب من هذا البرنامج، وكان له دورٌ كبير في توقيع عددٍ من اتفاقيات التعاون بين جامعة أوتاوا وجامعات عديدة في العالم العربي. وبفضلِ جهود دكتور عبد الله عبيد ترتبط جامعة أوتاوا حالياً بمُعاهدات واتفاقيات مع جامعات عربية يتجاوز عددها 40 اتفاقية تعاون وتبادل مع جامعات من السّعودية، والأمارات، والكويت، وسلطنة عُمان، والعِراق، ولبنان، والأردن، وتونس، والمغرِب، وموريتانيا. ولا تقتصر الاتفاقيات مع البِلدان العربية، المذكورة على جامعة واحدة، بل تضُّم مجموعة من الجامعات في البلد الواحد.
يقول دكتور عبد الله عبيد عن تأسيس كُرسي الدراسات العربية بجامعة أوتاوا: “ضمّ الكرسي 30 طالباً كندياً من أصل عربي (أغلبهم من لبنان) في عام تأسيسه 1982م. جاء ذلك مع الهجرة القسرية اللبنانية، أثناء الحرب الداخلية في البلاد وتوّزع الطلبة إلى صفّين، أحدهما فرنسي والآخر إنكليزي اللُغة”. أمّا اليوم (2013م) فتضُّم (الكُرسي) المذكورة أكثر من 300 طالب وطالبة، يتوّزعون على 13 صفّاً (حِصّة دراسية). وتشمل حالياً، بالإضافة إلى تدريس اللُغة ودراسة الحضارة العربية، بشقيّها القديم والجديد، دراسة الآداب العربية، بدءً من عصر الجاهلية وحتّى العصر الحديث. وهي تُعطى في صفوف الحضارة والآداب باللُغتين العربية والإنكليزية. ويأتي ذلك مع إعطاء نماذج بالعربية، لمن يُحسنوها، من الطلبة. وهي، بالطبع، مُترجمة إلى الإنكليزية والفرنسية للطلبة كافة”.
كان عبد الله عبيد أيضاً من مُؤسسي قِسم الأخبار العربية في راديو كندا الدولي، وعمل كصحفي حُر لمدة 20 عاماً، يُغطِّي أخبار أوتاوا ومُناسباتها. كما كان عضواً في اللجان الكندية للسلام في العالم والشرق الأوسط، وعُضواً في مجموعة نقاش الشرق الأوسط. نال العديد من الأوسمة والميداليات والجوائز، منها وسام اليوبيل الذهبي للملكة إليزابيث الثانية وميدالية كندا 150، تقديراً لإسهاماته في التعليم وتعزيز العلاقات بين كندا ولبنان والعالم العربي، وحاز أيضاً على جائزة كندا لبُناة المُجتمع. ونتيجة لنجاح مُبادرة دكتور عبد الله عبيد، في نشر اللُغة العربية، خاصةً بين أبناء الجاليات العربية، منحته كندا جائزة الحاكم العام للبلاد، وهي جائزة رفيعة تُمنح باسم الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا، حيث لا تزال كندا تتبع للتاج البريطاني. وجاء هذا التقدير من جلالة الملكة إليزابيث الثانية لإنجازاته وإسهاماته في العلم والتربية والتعليم، بالإضافة إلى نشرِ اللُغة العربية، خلال فترة تمتد لأكثر من 30 عاماً في كندا.
في مقالٍ له بعنوان: ” لبناني من الكورة وراء ظاهرة انتشار تعليم اللُغة العربية وآدابها في الجامعات الكندية” يتحدّث دكتور الياس خليل زين عن تجربةِ دكتور عبد الله عبيد في إنشاء أوّل قِسم للُغة العربية في كندا فيقول: ” ما أن استقر في أوتاوا، حتى اكتشف البروفيسور عبد الله غياب تعلُّم العربية في أوساط الجاليات العربية، بما فيها الجالية اللبنانية. ولاحظ نشوء أجيال كندية، من أصولٍ عربية، ترتبط بشكلٍ واعِ مع الوطن الأم، أي لا يتعدّى ذلك ما نقله الأهل لها في البيت. لذلك سعى، مُنذ البدء، إلى نقلِ خبرته الشخصية في مجال التربية والتعليم في لبنان. وتشجّع عندما استمع إلى السناتور (الشيخ) اللبناني – الكندي بيار دبانة، الذي تعود جذوره إلى مدينة صيدا، والذي كان وزيراً في حكومة كندا الفيدرالية، يومذاك، يتحدّث أمام جمع من الجاليات العربية عن الانخراط في كندا وضرورة إسهام أبناء الجالية اللبنانية بخبراتهم وكفاياتهم الأكاديمية والعلمية، في مُجتمعِ كندا المُتعدِّد الأعراق والجنسيات. وتزامن ذلك مع فترة تدّفقت فيها أعدادٌ غفيرة من اللبنانيين المُهاجرين إلى كندا، بسببِ الحرب في بلدهم، بحيثُ وصل تعدادهم إلى 75 ألفاً خلال الأعوام 1976 – 1989م”.
” كان عبد الله، الذي يحمل شهادة الليسانس في اللُغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية، قد لاحظ غياب مدارس تُعنى بتعليم اللُغة العربية لأبناء المُهاجرين الجُدد. وعليه، تقدّم بطلبٍ إلى جامعة أوتاوا، التي تُعتبر من كُبريات مُؤسسات التعليم العالي في كندا، لتعليم اللُغة العربية وآدابها فيها. فوافق عميد كُلّية الآداب على الطلب، ومنحه سُلطة تنفيذ مشروعه الرائد من نوعه”.
“بدأ الدكتور عبد الله برنامجه في تعليم اللُغة العربية في العام 1982م، انطلاقاً من 24 طالباً وطالبة. ثمّ توسّع هذا البرنامج الرائد، بسبب النجاح الذي حقّقه، إلى تقديم مقررات عن الحضارة العربية الكلاسيكية والحديثة (أضيفت في العام 1984م) والآداب العربية. وتضُّم المُقرّرات: الشعر والأدب والقصّة والمسرح، بالإضافة إلى أكثر من عشرين مادة في أصول اللُغة والقواعد والمُخاطبة للمُستويات الثلاثة كلها: المُبتدأ، المُتوّسط، المُتقدِّم. ثم ما لبِث أن توّسع البرنامج في السنوات اللاحقة ليصل العدد في العام 2013م إلى أكثر من ألف طالب”.
” بسبب عوامل توسّع برنامج تعليم اللُغة العربية، وكثرة مواده، وعدد الطلبة، كان لا بدّ من تطويره ليصبح كُرسياً (أستاذية) للدراسات العربية في العام 1988م، وذلك بميزانية وصلت إلى مليوني دولار. والجدير بالذكر، أنّ الكُرسي لاقت تشجيعاً بالدعم المعنوي من مُختلف سفراء الدُول العربية. وتمّ اعتماد مبلغ وقدره 600 ألف دولار لمُساعدة الطلبة الراغبين بتعلُّم لُغة الضاد وآدابها، وبالتالي ثقافتها وحضارتها”.
” تطوّرت المناهج الدراسية، في كُرسي الدراسات العربية، في الأعوام اللاحقة. ففي العام 2003م، أقرّت جامعة أوتاوا شهادة ليسانس صُغرى في الدراسات العربية، وفي العام 2006م أُضيفت مادة السينما العربية، إلا أنّ الخطوة الكبرى كانت في إقرار شهادة ليسانس كاملة في الدراسات العربية في العام 2009م. كما أُضيفت مادة الثقافة العربية الشعبية في العام ذاتهِ. وبهذا التوّسع في الدراسات، أصبحت جامعة أوتاوا فريدة من نوعها في منطقة أميركا الشمالية. ويعود ذلك إلى أنّها تميّزت عن الشهادات في جامعاتٍ أخرى، في تخصُّصها بالشرق الأوسط، أو بالدراسات الإسلامية. ونتيجةً ذلك، أصبحت الجامعة تستقطب الطلبة من مختلف أرجاء كندا والولايات المُتحدة الأمريكية وحتّى المكسيك”.
“جديرٌ بالذكر أنّ الدراسات العربية في كُلّيات جامعة أوتاوا توّسعت كذلك، حيث تمّ إقرار مواد عن التاريخ، وعن الفلسفة العربية في فرع الفلسفة. كما قدّمت كُلّية الترجمة شهادة علوم الترجمة من اللغات العربية والفرنسية والانكليزية وإليها، لعدد من الطلبة العرب”.
“انتهى حديث دكتور الياس خليل زين”
تعرّفتُ على الأستاذ الدكتور عبد الله الحاج عبيد بعد شهر من تسلّمي مهامي رئيساً لبعثة للسُّودان الدبلوماسية بكندا، وكان أوّل مُقابلة لي به ظهر يوم الأربعاء 17 رمضان 1440هـ المُوافق 22 مايو 2019م عندما زارني في مكتبي بالسفارة. في ذلك اللقاء تحدّثنا عن مشاغل اللُغة العربية في كندا، وقدّم لي تنويراً عن الكيفية التي تمّ بها إنشاء قِسم اللُغة العربية بجامعة أوتاوا عام 1982م، حيثُ ذكر لي أنّ البداية كانت بحوالي 35 طالب في ذلك الوقت، وأوضح أنّ الفكرة جاءت لوجود عدد كبير من الطُلّاب من أصل عربي في كندا لا يتحدّثون اللُغة العربية، وأشار إلى أنّ عدد الطُلّاب الدارسين للُغة العربية في جامعة أوتاوا أصبح الآن 3500 طالب (أي عام 2019م). وقد أثنيت على الجهود الحثيثة التي بذلها دكتور عبد الله عبيد لتأسيسه هذا المعهد المهم وأعربت له عن تقديري العميق للدورِ العظيم الذي ظلّ يضطلع به في تدريس اللُغة العربية والتعريف بالثقافة العربية في كندا.
غمرتني سعادة في ذاك اليوم بلقاء دكتور عبد الله عبيد والتعرُّف عليه، وحسبت أنّها فرصة لفتح باب تعاون بين قسم الدراسات العربية بجامعة أوتاوا ومعهد الخرطوم للغة العربية للناطقين بغيرها وكلية الآداب بجامعة الخرطوم والجامعات السُّودانية الأخرى.
وجُلنا في ذاك اليوم وطوّفنا على دنيا وعوالم الأدب في السُّودان وذكرت للدكتور عبد الله أنّ السُّودان اشتهر بعددٍ من الأسماء البارزة والأعلام اللامعة في تدريس الأدب العربي واللُغة العربية بالجامعات السُّودانية أمثال العلّامة الراحل بروفيسور عبد الله الطيب والأديب الراحل بروفيسور عبد الله حمدنا الله والعالم الراحل بروفيسور الحِبر يوسف نور الدائم وبروفيسور جعفر ميرغني أحمد وإسهاماتهم العديدة للُغة والأدب العربي في السُّودان والوطن العربي. وحدّثته عن الجهود التي ظلّ يبذلها بروفيسور جعفر ميرغني في اللُغة العربية في السُّودان والدُول العربية وأشرت إلى أنّه كان قد قدّم عام 2017م سلسلة مُحاضرات عامة تحت عنوان ” اللُغة العربية من لُغات أوروبا” لقيت رواجاً كبيراً في الأوساط الأكاديمية والعلمية، وتفاكرنا في ترتيبِ زيارة لبروفيسور جعفر ميرغني لتقديم مِثل هذه المُحاضرة في قسم اللُغة العربية بجامعة أوتاوا. كما تطرّقت في ذلك اللقاء إلى تجربة السُّودان في تعليم اللُغة العربية للذين لا يتحدّثونها والدور الكبير الذي ظلّ يلعبه معهد الخرطوم للُغة العربية للناطقين بغيرها بجامعة أفريقيا العالمية في تعليم ونشر اللُغة العربية في أفريقيا من خلالِ استقباله لآلاف الطلاب من الدُول الأفريقية. وعبّر دكتور عبد الله عبيد عن اعجابه بوجود أعلام بارزة في اللُغة العربية والأدب العربي في السُّودان وتمّنى لو كان حاضراً ندوة ” اللغة العربية من لُغات أوروبا” التي قدّمها بروفيسور جعفر ميرغني، وأشار إلى أنّ اللُغة العربية أعطت أكثر من 4000 مُفردة للغة الإسبانية وحوالي 3000 مُفردة للُغة الإنجليزية و2500 مُفردة للُغة الألمانية. وأعرب عن توقه لتنظيم أنشطة سُودانية في جامعة أوتاوا، وذكر في هذا الصدد أنّه لا يزال يذكر المُحاضرة التي كان قد ألقاها الأستاذ عبد الكريم الكابلي بجامعة أوتاوا عن المُوسيقى والغناء السُّوداني مطلع ثمانينات القرن الماضي، وقال أنّ القاعة التي تتسِع لألف وخمسمائة شخص امتلأت بالكامل حتّى اضطر الكثيرون الذين لم يجدوا مقاعد لحضور هذه المُحاضرة للوقوف حتّى نهايتها.
راودتني أحلامٌ سعيدة أثناء جلستي في حضرةِ دكتور عبد الله عبيد لإرساء تعاون مع قسم الدراسات العربية بجامعة أوتاوا واقترحت عليه توقيع مُذكرة تفاهم بين معهد الخرطوم للغة العربية للناطقين بغيرها وقسم الدراسات العربية في جامعة أوتاوا، وكذلك تقديم الدعوة لبروفيسور جعفر ميرغني مُدير معهد حضارة السُّودان لتقديم مُحاضرات في جامعة أوتاوا مطلع العام الأكاديمي 2019-2020م وكذلك تبادل زيارات أكاديمية بين قِسم الدراسات العربية ومعهد الخرطوم للُغة العربية للناطقين بغيرِها الذي يترأسه بروفيسور علي عبد الله النعيم. وقد وافق دكتور عبد الله عبيد على مُقترحنا وأكّد استعداده التام لتنفيذه ليرى النور في أقرب فرصة مُمكنة بالتنسيق معنا، ولكن للأسف راحت كل هذه الأحلام ادراج الرياح إذ كان السُّودان في تلك الأيام التي تلت سقوط نظام الإنقاذ يعاني من مخاض الانتقال لحُكم ديمقراطي وسط تجاذبات حادّة وخلافات عميقة وسط القوى السياسية السُّودانية مما أحدث حالةً من عدم الاستقرار في البلاد طالت مُؤسسات الدولة.
لعل الأقدار إن ساقت تلك الجهود ليُكتب لها لنجاح كان من شأنها أن تعمل على تمتين دبلوماسيتنا الثقافية التي أصبحت هي المُحرِّك الأساسي للدبلوماسية في عصرنا هذا، وكان ذلك حريّاً بلعبِ دورٍ عظيم في توطيدِ العلاقات بين السُّودان وكندا إذ أن مِثل هذه الأنشطة يُمكِن أن تُسهِم بصورة فعّالة في دفع العلاقات الثنائية بين البلدين خطوات مُقدّرة للأمام.
كان دكتور عبد الله عبيد موطأ الأكناف طيّب السريرة عفيف اللسان نقي الجِنان ذا شخصية محبوبة خفيفة الظِل، تراه باسم الوجه أمام كُل إنسان، تاركاً أثراً في كل من قابله في حياته. ولم تفارق الابتسامة وجهه حتّى عندما اشتد عليه المرض وكان يتعالج في مُستشفى أوتاوا العام ومُؤسسة ماي كورت للرعاية التلطيفية May Court Hospice، الذين قدّموا له رعاية مُتميّزة.
بحضورِ أسرته المكلومة وجمعٌ غفير من أصدقائه ألقينا نظرة الوداع الأخيرة على الراحل المُقيم عبد الله عبيد يوم الخميس الماضي 24 يوليو 2025م في صالة مركز بيتشوود Beechwood National Memorial Centre. وفي يوم الجمعة 25 يوليو أُقيمت مراسم جنازته في كاتدرائية القديس إلياس الأرثوذكسية الأنطاكية، ثُمّ وُري جُثمانه الثرى في مقبرة بيتشوود Beechwood Cemetery في أوتاوا ظُهر نفس اليوم.
برحيل الأستاذ الدكتور عبد الله الحاج عبيد يتوارى عقلٌ ثاقب وفكرٌ راجح، وينطفئ نجمٌ سامقٌ للغة الضاد في أمريكا الشمالية، كرّس حياته لهذه اللغة باحثاً حاذقاً ولغوّياً بارعاً ومفكراً فذّاً مدّ جسور التواصل الفكري والثقافي بين الحضارات. وبغيابه تفقد الجاليات العربية والمُجتمع الأكاديمي الكندي أحد أبرز علماء اللُغة العربية في كندا والذي يعود إليه الفضل في نشر وتعليم اللُغة العربية وآدابها في كندا، وبفضل جهوده تلك خصّصت جامعة أوتاوا منحة عبد الله عبيد للدراسات العربيّة لتقديم المُساعدة الماليّة للطُلّاب المُهتمّين بالدراسات العربيّة. وندعو في هذا المقام جامعة أوتاوا لترفيع قسم الدراسات العربية في الجامعة إلى معهد وأن يُطلق عليه معهد عبد الله عبيد للدراسات العربية تخليداً لذكراه كمُؤسس لقِسمِ اللُغة العربية في جامعة أوتاوا، ونأمل أن تقوم السفارات العربية المُعتمدة في كندا بمساعيها لتحقيق هذا الهدف. ولا شك أنّ قيادة وإشراف ومُتابعة معالي الأخ الكريم جمال عبد الله السلّال سفير الجمهورية اليمنية وعميد مجلس سفراء الدُول العربية في أوتاوا وسعادة الأخت الفاضلة سُورية عُثماني سفيرة المملكة المغربية وعميدة السلك الدبلوماسي بأوتاوا، ستُسهِم في جعل هذا الحلم واقعاً.
ختاماً، لا يسعنا إلا أن نتقدّم بخالص العزاء وصادق المُواساة لأسرة صديقنا الراحل المُقيم الدكتور عبد الله عبيد، زوجته الوفية ماريان شمّاس، وبناته كارولين (مارك نسيم)، ونيكول (كوري ماتزوكا)، وألما (ديفيد ديل جوديتشي)، وأحفاده ليلى، ومالك، وزين، وإلى أشقائه سلوى، وشحادة، وإلين في لبنان، وللأخ الكريم والصديق العزيز سعادة فادي زيادة سفير الجمهورية اللبنانية في كندا ولأعضاءِ الجالية اللبنانية والجاليات العربية ولأصدقاء ومُحِّبي وطُلّاب وزملاء الفقيد العزيز من الأساتذة ومنسوبي هيئة التدريس في قِسم الدراسات العربية بجامعة أوتاوا.
- سفير جمهورية السُّودان السابق في كندا
abusalih@minister.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم